ترجمة وتحرير نون بوست

إن أطول وأكبر طفرة عالمية في ازدهار أسعار النفط في التاريخ قد انتهت، هذه الطفرة العالمية التي تمثلت بارتفاع أسعار النفط إلى أقصى الحدود، والتي استمرت ما يقارب العشر سنوات، أدت إلى نتائج مبهرة في الدول المنتجة للنفط، حيث تمثلت نتائج هذا الارتفاع بنمو القطاع الاقتصادي، وازدياد معدلات الاستهلاك، وتحقيق شركات النفط معدل أرباح خيالي بغض النظر عن إنتاجيتها، وانخفاض مستويات الفقر على الرغم من فشل برامج الحماية الاجتماعية، وارتفاع شعبية السياسيين وإعادة انتخابهم على الرغم من عدم كفاءتهم وفسادهم، وأخيرًا ميل المواطنين في هذه الدول إلى العيش بطريقة أكثر رفاهية وسعادة.

ولكن حفلة الانتصارات التي انتشت لها الدول المنتجة للنفط سرعان ما تلاشت، كون أسعار النفط تميل لأن تكون دورية ومتقلّبة، وعندما يمر الاقتصاد العالمي بمرحلة التراجع والكساد النفطي، تستفيق الدول من نشوتها؛ فخلال فترة انخفاض أسعار النفط في ثمانينيات القرن الماضي، عانت معظم البلدان التي تعتمد على النفط في اقتصادها من عواقب انخفاض الأسعار؛ مما أدى إلى انهيار القطاعين الاستثماري والاستهلاكي، وقلة هي الدول التي استطاعت تعويض انهيار الأسعار في تلك الفترة عن طريق زيادة إنتاج النفط، مثل سلطنة عمان وماليزيا، ولكن معظم البلدان الأخرى المنتجة للنفط عانت الأمرين جرّاء هبوط الأسعار، خاصة عقب القرار الذي اتخذته أوبك بتخفيض مستوى الإنتاج، وعلى الرغم من أن بعض الدول استعادت عافيتها بشكل أفضل من غيرها، إلا أنه وبالمجمل كان أداء الدول المنتجة للنفط ما بين عامي 1982 و 2002 أسوء بكثير من بقية بلدان العالم النامي، وتلك الدول التي فشلت في التعافي من أزمة انخفاض أسعار النفط رتّبت ديونًا في ذمتها وارتفع معدل الفقر والبطالة لديها بشكل حاد.

عمليًا، فإن ضعف أداء الدول في فترة الكساد أدى إلى انتشار فكرة "لعنة النفط" على نطاق واسع، كما أن هذه الفكرة أنتجت العديد من الدراسات واسعة النطاق التي تبحث في هذا الموضوع؛ ولكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فاقتصاديًا كانت الدول المنتجة للنفط هي الأقوى اقتصاديًا خلال فترة الازدهار النفطي في العقد الماضي، وإذا ما استثنينا فترتي الكساد التي عانت منها أسعار النفط خلال العقود الماضية، سنجد بأن الدول النفطية تفوقت على أقرانها على مدى السنوات السبعين الماضية؛ لذلك يمكن القول إن "اللعنة" الحقيقية هي في انهيار أسعار النفط، وليست في وجود النفط بحد ذاته.

إن الانهيار الحالي بأسعار النفط - المتمثل بانخفاض سعر البرميل لما دون الخمسين دولارًا لأول مرة منذ عام 2009 - ناجم بغالبيته عن ازدهار إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، والتي عمدت إلى ضخ أكثر من ثلاثة ملايين برميل نفط في السوق على مدى السنوات القليلة الماضية، وبغض النظر عن وجود بعض الأدلة التي تشير إلى أن الأسعار ستبقى منخفضة على مدى السنتين القادمتين على الأقل، فمن غير الممكن معرفة مدى استمرارية الانخفاض الحالي في أسعار النفط، نظرًا لصعوبة التنبؤ بأسعاره، خاصة وأن أسعار النفط ماتزال أعلى من المعايير القياسية التاريخية للأسعار؛ فخلال الـ120 سنة الماضية كانت غالبية الأسعار المحددة لبرميل النفط تتراوح بأسعار تقع ما دون الخمسين دولارًا بالنسبة لأسعار اليوم؛ لذا فإننا لا يمكننا التعويل على استمرار انخفاض أسعار النفط، خاصة في حال تدخلت الظروف الجيوسياسية أو ظروف ارتفاع الطلب وأدت إلى تغيير السيناريو باتجاه زيادة العرض، فالقاعدة الاقتصادية الواقعية تقول إنه غالبًا ما تؤدي الانكماشات في أسعار النفط إلى انتعاشات مقابلة.

على مستوى البلدان، فإن البلدان التي تعتمد على استيراد النفط مثل معظم البلدان الأوروبية، سوف تستفيد من انخفاض أسعار النفط، وفي الولايات المتحدة، سيجد المواطن الفرق بانخفاض الأسعار عندما يدفع على البنزين مبالغ أقل بكثير مما كان يدفعه على مدى السنوات الخمس الماضية، وهذا ما سينعش اقتصاد هذه البلدان لأن المواطنين سيتجهون نحو إنفاق ما يوفرونه على السلع المختلفة الأخرى، وبمعنى آخر، فإن هذا الانخفاض سيعمل على نقل الثروة الهائلة من مصدري النفط إلى المستوردين.

أما بالنسبة للبلدان المصدرّة للنفط، فحتى لو استمر انخفاض الأسعار على المدى القصير فقط، فإنها ستعاني من بعض الأضرار الاقتصادية، ولكن هذه الأضرار لن تكون كارثية إلا بالنسبة للبلدان التي لم تتعلم من الدروس المستفادة من دورة الازدهار والكساد السابقة؛ فخلال هذه الدورة من الازدهار والكساد عملت العديد من البلدان على توفير الجزء الأكبر من إيراداتها ولجأت إلى ضخ المزيد من الاستثمارات في الأصول الإنتاجية، وخلال الأزمة العالمية الاقتصادية التي حدثت في عام 2008 عمدت العديد من البلدان المصدرّة للنفط إلى التخلي عن سياساتها المالية المحافظةظ الأمر الذي ساعدها على الخروج من المأزق، ولكن هذا التعقل لم يستمر خلال السنوات القليلة الأولى من الازدهار النفطي اللاحق للأزمة.

في حال تعمقنا أكثر بالتفاصيل، فإن البلدان المنتجة للنفط في الشرق الأوسط ملزمة بزيادة الإنفاق لمواجهة الاضطرابات الناجمة عن الربيع العربي، ولكن بشكل عام فإن معظم الدول المصدرّة للنفط في الشرق الأوسط مستعدة لمواجهة المشاكل التي قد تنجم عن هبوط أسعار النفط، فالبلدان الغنية في الخليج، وبعض دول بحر قزوين، يمكنها بسهولة تحمل الانخفاض المؤقت في الأسعار، كونها تمتلك احتياطيًا كبيرًا من النقد الأجنبي، ولكن استمرار انخفاض الأسعار على المدى الطويل سيشكل مدعاة للقلق لدى هذه الدول، أما روسيا فهي أيضًا قادرة على إدارة آثار سقوط النفط بشكل جيد (على الأقل أفضل من خلفها بالاتحاد السوفياتي)، ولكنها ستعاني قليلاً من انخفاض الواردات وانخفاض الإنفاق، وستعمل العقوبات الاقتصادية على مفاقمة هذا الوضع على المدى الطويل.

ستعاني إيران أيضًا من أزمة النفط وستنعكس آثار انخفاض أسعار النفط عليها بشكل سيء، كونها لم تتبع سياسة اقتصادية حكيمة خلال السنوات الماضية، فضلاً عن أن العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها ساعدت على تأجيج الأزمة الاقتصادية في البلاد حتى قبل هبوط أسعار النفط، نيجيريا، ستتأثر بشكل سيء أيضًا من هذه الأزمة، على الرغم من أن سياستها الاقتصادية الكلية تحسّنت مقارنة بالدورة الاقتصادية السابقة، وسبب تأثرها يعود لاعتمادها المفرط على النفط كوارد شبه وحيد لتمويل الواردات؛ مما سيؤدي إلى زيادة الفقر؛ مما سينجم عنه مشاكل بالاستقرار السياسي، أنغولا أيضًا ستكون ضعيفة تجاه هذه الأزمة، كما أن دول أمريكا اللاتينية المصدرّة للنفط والتي اتبعت سياسات اقتصادية حكيمة عمومًا خلال الفترة الماضية، مثل كولومبيا والمكسيك، ستكون بحاجة لبعض التصحيح المالي، ولكن بالمجمل ينبغي أن تكون قادرة على إدارة هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة ، أخيرًا فإن البلد الأسوء وضعًا والأكثر تأثرًا نتيجة لهبوط أسعار النفط هو فنزويلا.

فنزويلا عمدت إلى إنفاق جميع وارداتها خلال الفترة الماضية، وبدلاً من ضخ الواردات في المجال الاستثماري عمدت إلى توزيع معظم الواردات على القطاع الاستهلاكي، لا بل تجاوزت هذه البلاد حدود وارداتها إلى حد الانغماس بالديون لتنفق المزيد على القطاع الاستهلاكي؛ وهذا ما أدى إلى وضع البلاد تحت عبء العجز الاقتصادي بنسبة 15% إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنوات ازدهار أسعار النفط، والآن ومع انخفاض الأسعار فإن فنزويلا تواجه خطر الانهيار الاقتصادي؛ فنسبة التضخم قد تتجاوز 100٪ في عام 2015، وهناك احتمال كبير لازدياد نسب الفقر بعد الانتعاش الذي عاشه الفنزويليون خلال فترة ازدهار أسعار النفط، وبالطبع فإن هذه المآسي ستنتج عواقب وخيمة على الاستقرار السياسي في البلاد.

أخيرًا فإن النفط ليس دائمًا لعنة، فالعديد من الدول المنتجة للنفط هي على استعداد لمواجهة الانخفاض بشكل أفضل من المرات السابقة، ولكن بالنسبة للدول القليلة التي لم تتعلم الحكمة من الدروس القاسية الماضية، فإن النفط قد يكون لعنتها الكبرى.

المصدر: الجارديان