ترجمة من الفرنسية وتحرير نون بوست

غادرت القوات السورية لبنان منذ تسع سنوات، مما يجعل النواب اللبنانيين مسؤولين عن اتخاذ القرارات الخاصة بهم وبمستقبل البلاد، ولكن ذلك يبقى نظريًا فقط، فلبنان التي تعتبر دولة موحدة حول نظام برلماني يعتمد على التعددية الحزبية، هو عبارة عن ديمقراطية طائفية تخضع للتدخل الخارجي الذي يؤثر على خياراته السياسية من خلال الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي.

وساهم الصراع السوري كثيرًا في إضعاف الدولة اللبنانية، فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، شهدت البلاد أطول أزمتين سياسيتين منذ نهاية الحرب الأهلية، فعاشت لمدة مجموعها 16 شهرًا دون سلطة تنفيذية، ومُددت الولاية البرلمانية التي من المفترض أن تنتهي في يونيو 2013، حتى نهاية عام 2014، بسبب عدم حصول انتخابات جديدة.

واستُئنِف الحوار منذ نهاية ديسمبر حول مسألة انتخاب رئيس للبلاد، بعد أن أبدت كل الأطراف رغبتها في تحقيق الاستقرار، مما يشجع على العودة إلى أبرز المحطات السياسية في عام 2014.

رغبة في الاستقرار ولكن الأحزاب تعارض

أدى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في عام 2005 وكذلك قضية انسحاب القوات السورية من لبنان إلى حدوث استقطاب في المشهد السياسي اللبناني لايزال واضحًا حتى اليوم.

فنجد من جهة أولى، تيار ما يسمى بأحزاب 8 آذار، الذي ترجع تسميته إلى أحداث 8 آذار 2005 الداعمة للوجود العسكري السوري في لبنان، والذي يرى المنتمون إليه أن الوجود العسكري السوري في لبنان أمر ضروري لمواجهة التدخل الإسرائيلي، ويضم تيار 8 آذار الأحزاب الشيعية وعلى رأسها حزب الله، وكذلك أحزاب علمانية وتكتلات مسيحية من أنصار الجنرال ميشال عون.

ونجد من جهة أخرى، أحزاب 14 آذار التي تعارض التواجد السوري وقادت ثورة في سنة 2006 انتهت بمغادرة الجيش السوري للبنان، وتضم هذه الجبهة تيار المستقبل والكتائب والقوات اللبنانية السنية، ويعتبر اللبنانيون أن هذه الجبهة هي صاحبة السلطة منذ سنة 2006.

كما يوجد كذلك جبهة وسطية ثالثة مقربة من الرئيس السابق ميشال سليمان ومدعومة من قبل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

وبعد أن فاقمت الأزمة السورية الخلافات القائمة بين هذه الأطراف، سعت كل الأطراف إلى الحد منها عبر توقيع مبادرة الرئيس سليمان التي يدعو فيها جميع الأطراف إلى دعم استقرار البلاد ووحدتها لمواجهة الأزمة السورية ودعم الجيش اللبناني. ومع ذلك، لايزال من الصعب على الأطراف المتخاصمة أن تصل إلى اتفاق شامل؛ مما يجعل كل القرارات التي يحاول البرلمان اتخاذها تقع ضحية لتلك الاختلافات.

وترتبط أسباب فشل الحكم منذ انسحاب القوات السورية في عام 2006 بالمآزق السياسية التي تلت ذلك: العطل الرئاسية في عام 2007 وعام 2014، الاستقالة أو الإطاحة بالحكومات، وتمديد الدورة البرلمانية.

ووفقًا لأندريه سليمان، تؤدي مظاهر ضعف الدولة هذه إلى بروز الفكر الفيدرالي في لبنان، فبعد أن بدأت أفكاره تاريخيًا من قِبل مجموعات كاثوليكية، أصبح بعض المسلمين يتبنونها، فأدى العداء المتزايد بين الشيعة والسنة إلى ظهور ميول فيدرالية لدى بعض السنة، بما في ذلك  الجماعة الإسلامية، التي بات كثيرون منها يرون أن الفيدرالية هي أفضل طريقة لتطبيق الشريعة على سكانها وللهروب من ظلم الشيعة؛ مما يجعل الخلافات بين الحكومة السنية وحزب الله واحدة من الأسباب الرئيسية للتوترات التي تقوض الدولة اللبنانية اليوم.

الحكومة والرئاسة والبرلمان: آمال وخيبات الأمل

على الرغم من سلسلة الانفجارات التي وقعت في يوم 2 يناير، بدأت سنة 2014 بكثير من الأمل بالنسبة للبنانيين؛  فبعد التغلب على التسويف المطول والخصومات التي بينهم، اتفقت جميع الأطراف يوم 15 فبراير 2014 على تشكيل حكومة تمام سلام، التي مثلت أول مجلس قيادة بعد عشرة أشهر من الانسداد السياسي، وبعد سقوط حكومة نجيب ميقاتي في مارس 2013.

وخلال أعمال العنف المتقطعة، سادت فكرة الحكومة المشتركة التي تتكون بالتساوي من أنصار الوسط ومن ممثلي تيار رئيس الوزراء السابق سعد الحريري وممثلين عن حزب الله، فكانت التسوية المحلية والإقليمية، التي جمعت للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات المعسكرين المتنافسين (حزب الله وتيار المستقبل)، وأعطت كثيرًا من اللبنانيين أملاً كبيرًا في الاستقرار.

ومع ذلك، أظهر الهجوم الذي وقع في 19 فبراير 2014 أن مجلس الوزراء الذي تشكل قبل بضعة أيام في حاجة إلى فريق جديد يساهم في توفير المزيد من التنسيق الفعال بين الأجهزة الأمنية المختلفة وللحصول على ثقة البرلمان.

في الواقع، تنتهي ولاية الرئيس ميشال سليمان يوم 25 مايو 2014، وقد عقدت الجلسة العامة الأولى للبرلمان لاختيار الرئيس الجديد في 23 أبريل من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري، وخلالها كان سمير جعجع مرشح قوى 14 آذار، وهنري حلو مرشح الوسطيين، دون أن تحسم الانتخابات اسم الرئيس الجديد.

وفي الجولات التالية، وبينما كان كافيًا أن يتحصل المترشح على أكثر من نصف الأصوات ليصبح رئيسًا، قاطع تحالف 8 آذار التصويت بسبب عدم وجود مرشح توافقي حسب زعمهم، مما تسبب في عدم اكتمال النصاب.

ويؤدي الشك المتعلق بالانتخابات الرئاسية إلى شلل برلماني بسبب تأجيل الانتخابات التشريعية وعدم دستورية إصدار تشريعات جديدة في ظل عدم وجود رئيس جديد للدولة، وبينما كان يُفترض أن تنتهي الفترة النيابية للبرلمان في يوم 20 يونيو 2013، قرر البرلمان اللبناني في يوم 31 مايو من العام نفسه التمديد لنفسه سبعة عشر شهرًا - أي إلى نوفمبر 2014 -، ليكون التمديد الأول منذ عام 1992 حين عادت البلاد إلى الانتخابات التشريعية.

وعلى الرغم من ذلك، وبسبب الوضع في البلاد في عام 2014، بدأ النقاش حول تمديد جديد في نوفمبر؛ فعلى الرغم من استيفاء الشروط من الناحية النظرية لتنظيم انتخابات ديمقراطية، يخشى الكثير من أن التصويت في هذا الوضع الأمني يمكن أن يسبب أخطاء خطيرة وأن يؤجج الاستقطاب في المجتمع.

وعلى الرغم من غياب النواب المسيحيين التابعين للتيار الوطني الحر لميشال عون والكتائب بسبب معارضتهم للتمديد الذاتي للبرلمان الذي يعتبرونه معطلاً لمصالح البلاد وسببًا في الشلل الحاصل حاليًا، صوت النواب اللبنانيين بأغلبية كبيرة لتمديد ولاية البرلمان، والتي ستنتهي في يونيو من عام 2017.

السلطة السياسية في مأزق

في مقابل الصعوبات التي تواجه البلاد لإقامة نظام سياسي مستقر، تثار في كثير من الأحيان مسألة الديمقراطية؛ مما يجعل الصحافيين اللبنانيين متشائمين، حيث اختتمت السنة بالحزن الذي كان واضحًا في الاجتماع اليتيم للمسؤولين في قصر "بعبدا" بدون رئيس، وفي خطاب رئيس الوزراء تمام سلام الذي ألقاه بمناسبة احتفالات نهاية السنة وقال فيه: "العمل المؤسسي في نظامنا الديمقراطي يشكو من اختلال خطير هو شغور مؤسسة رئاسة الجمهورية، أنا لن أفوت الفرصة لتجديد دعوتي لانتخاب رئيس للدولة، هذا الطلب هو مسؤولية نتقاسمها جميعًا، إذا كنا نريد لبلدنا النمو والازدهار".

الخاتمة

كان عام 2014 بالنسبة للحساسيات السياسية اللبنانية عامًا حافلاً بالأحداث وملغم بالعديد من الهجمات على الأراضي اللبنانية، ومثقلاً بالمشكل السوري وخطر تنظيم داعش، وبحثًا عن الاستقرار الداخلي، انتهى هذا العام بأمل جديد هو انعقاد حوار بين الأطراف المتخاصمة بدعم من القوى الأجنبية، وعلى الرغم من أن البلد فشل إلى حد الآن في انتخاب رئيس للجمهورية، بدا في اجتماع 6 يناير أن مختلف الكتل النيابية تدرك أهمية الوحدة الوطنية لمواجهة التهديدات الكامنة في المنطقة.

المصدر: مفتاح الشرق الأوسط