ما أن فازت حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006م في عملية ديمقراطية نزيهة شهد العالم بأنها أنزه انتخابات تعقد في المنطقة العربية في ذلك الوقت، حتى كانت قوى الهيمنة والاستعمار ومعها الاحتلال الصهيوني وأطراف فلسطينية تضرب حصاراً خانقاً على الحكومة الفلسطينية برئاسة هنية وعملت على تجفيف المنابع المالية وأثارت مع ذلك فوضى عارمة وصلت بالأمور إلي الحسم العسكري منتصف العام 2007م.

ومنذ ذلك التاريخ أصبحت غزة تحت سيطرة حكومة تصريف الأعمال التي تقودها حماس بينما ظلت الضفة تحت حكم السلطة الفلسطينية، وفرضت إسرائيل حصاراً شديداً على القطاع وأغلقت المعابر ومنعت دخول كل المواد الأساسية والأدوية والوقود إلي قطاع غزة، وعاش سكان القطاع في سجن كبير بانتظار ساعة الموت التي فرضت عليه وتوفي أكثر من 400 فلسطيني بينهم نساء وأطفال وهم ينتظرون فتح معبر رفح الذي أغلق بأوامر مباشرة من السلطات المصرية، ولم يكن أمام الشعب الفلسطيني في غزة إلا التفكير في بدائل تمكنه من استمرار الحياة ولو بالحد الأدنى وتمثلت الخطوة الأولى باجتياح الفلسطينيين لمنطقة الحدود مع مصر وساروا باتجاه العريش بحثاً عن حاجاتهم اليومية، واستمر فتح الحدود لنحو أسبوع كامل ومنذ ذلك الوقت بدأ الفلسطينيون بحفر الأنفاق على طول الحدود بين غزة ومصر وبشكل شبه علني لإدخال المواد الحياتية والأدوية والمواشي ومواد البناء والوقود إلي القطاع.

حاولت السلطات المصرية في بداية الأمر منع ظاهرة الأنفاق أو الحد منها، وعملت على تدمير عدد من الأنفاق، لكن الأمور خرجت عن سيطرتها عندما التقت مصالح بعض رجال الأعمال والمال مع مصالح قيادات أمنية في سيناء وجدت في تجارة الأنفاق فرصتها لجني الأموال، فسوق غزة الاستهلاكي يضخ في كل عام عبر الأنفاق نحو 2 مليار دولار.

لم تكن مهنة حفر الأنفاق نزهة بالنسبة للشباب الفلسطيني، لكنها كانت رحلة موت بالنسبة لآلاف الشباب الذين وجدوا فيها فرصة للهروب من شبح البطالة والفقر الذي ضرب كل مرافق الحياة في غزة بسبب ضراوة الحصار، فخطفت الأنفاق أرواح أكثر من 300 شاب وأصيب نحو ألف آخرين بإصابات وإعاقات وصار حال الأنفاق ( الداخل مفقود والخارج منها مولود ).

تحسن الوضع الاقتصادي إلي حد ما في القطاع المحاصر، واستطاع عمال الأنفاق إدخال كل ما يحتاجه القطاع حتى مواشي العيد، ورغم أن الأسعار كانت مرتفعة إلا إن سكان القطاع وجدوا في الأنفاق بديل اضطراري إلي حين إيجاد مخرج للحصار الظالم، وبذلت الحكومة في غزة كل جهد ممكن عبر وساطة دولية مثل ( قطر وتركيا ) لإقناع السلطات المصرية بإقامة منطقة تجارة حرة  بين غزة ومصر وإغلاق الأنفاق إلي أن السلطات المصرية رفضت هذا المقترح حتى الآن.

أدركت إسرائيل خطورة الأنفاق على حصارها المشدد على غزة، فراحت طائراتها تقصف بين الفترة والفترة منطقة الأنفاق في محاولة لتعطيل عملها، فيما حاول بعض تجار المخدرات استغلال تلك المنطقة لإدخال المخدرات إلي القطاع بإيعاز من الاحتلال الإسرائيلي، وهو أمر دفع الحكومة في غزة إلي تشكيل هيئة خاصة لإدارة منطقة الأنفاق والتدقيق في المدخلات والمخرجات وملاحقة كل من يحاول استغلال تلك المنطقة للعبث بالأمن القومي المصري أو الفلسطيني وهو أمر كان يلقى ارتياح كبير لدى السلطات المصرية التي تغاضت كثيراً عن منطقة الأنفاق باعتبارها أمر اضطراريا لسكان القطاع، خاصة في عهد الرئيس المصري محمد مرسي.

في يوليو 2013م حدث الانقلاب العسكري في مصر، وعزل الرئيس المصري محمد مرسي من منصبه، ومنذ اللحظة الأولى صب الإعلام المصري والجيش المصري جام غضبه على منطقة الأنفاق بين غزة ومصر، وعمل الجيش المصري على تدمير كافة الأنفاق التي تعتبر شريان الحياة الوحيد المغذي للقطاع، وأغلقت معبر رفح في وجه الطلبة والمرضى وآلاف المسافرين.

عاد شبح الحصار الخانق يضرب كل مناحي الحياة الإنسانية والاقتصادية في القطاع في ظل الإجراءات التي يمارسها الجيش المصري على الحدود، يرافقه في ذلك حملة إعلامية مسعورة تهدف لشيطنة القطاع في عيون المصريين، وهو أمر له انعكاسات خطيرة على مستقبل العلاقات المصرية الفلسطينية.

غزة اليوم بلا وقود ولا مواد بناء ولا حاجات أساسية، غزة اليوم تعاني مستشفياتها نقصاً حاداً في الأدوية المهمة التي يحتاجها المرضى، غزة اليوم تناشد كل ضمير حي بوقف شبح الموت عن مليون وسبعمائة ألف مواطن فلسطيني، كل ذنبهم أنهم شاركوا في عملية ديمقراطية دفعهم العالم نحوها.

يبقى لسان حال الفلسطينيين في غزة أن منطقة الأنفاق ما هي إلا البديل الاضطراري، في لحظة ظلم عاشها الشعب المغلوب على أمره، ومع عودة الحصار من جديد ينتظر سكان القطاع ضميراً إنسانياً حي يرفع عنهم ويلات الحصار الخانق.