بعد التسريب الأخير لمكتب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، اتضح تمامًا لكل ذي عقل أن إعلاميي مصر كافة إلا من رحم ربي من مؤيدي الانقلاب ما هم إلا أراجوزات وعرائس ماريونيت، يمسك المجلس العسكري بخيوطها، ويتحكم فيما تنطق به وما تتلفظه، بل وبالهيئة التي سيظهرون بها علينا.

وهو ما يدفع البعض للتساؤل .. كيف يتحكم قادة المجلس العسكري ودولة مبارك العميقة بهذا الشكل المهين في الغالبية العظمى من إعلاميي مصر؟!

والإجابة فعلاً بسيطة وتكمن في ثلاثة أمور:

1) التحكم في المحتوى الإعلامي الذي يُراد تقديمه على القنوات الحكومية والخاصة ومن ثم اختيار الإعلاميين بدقة لتوصيل ذلك المحتوى للجمهور، فمن خلال معايير محددة مسبقًا يتم اختيار المذيع أو المذيعة الذي سيكون هو الصوت الرسمي الممثل للسلطة المصرية الحاكمة، والمدافع عنها وعن سياستها.

والقريبون من دوائر الإعلام المصري، يعلمون ذلك جيدًا، فلا تترك الصدفة أبدًا لتلميع أحدهم أو تصعيد آخر، بل هناك حسابات دقيقة واشتراطات ومعايير يحددها مجموعة من أباطرة الإعلام المصري الرسمي منها والخاص، وبالمناسبة هم حفنة من رجال المال والأعمال يمكن عدهم على أصابع اليدين، فعلى الرغم من وجود العشرات من الفضائيات الخاصة، إلا أن ملكيتها تعود لعدد قليل جًدا من رجال الأعمال المتنفذين بمصر.

  • شبكة قنوات CBC ، ومجموعة قنوات "مودرن" وجريدة "الوطن" تعود ملكيتهم لرجل الأعمال الذي ظهر فجأة محمد الأمين، والمتهم بأنه المسؤول الأول عن غسيل أموال جمال مبارك نجل الرئيس المصري السابق، بينما علل هو بأنها أموال مستثمرين كويتيين، وهو الذي أمر بقطع الإرسال عن الإعلامي معتز مطر عندما قام الأخير بانتقاد المجلس العسكري في برنامجه محطة مصر على قناة "مودرن حرية" في فبراير 2012، ومحمد الأمين يملك حاليًا 14 قناة فضائية وصحيفتين.
  • كذلك شبكة قنوات "الحياة" فيملكها السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، وصنيعة النظام السابق، الذي كان بمثابة المعارضة المستأنسة التي صنعها مبارك على عينه.
  • أما شبكة قنوات "النهار" فقد أنشأها رجل الأعمال وليد مصطفى، والذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع أبناء صفوت الشريف، وعمرو ممدوح إسماعيل (صاحب عبارة السلام الغارقة في فبراير 2006) وهو المالك لجريدة وموقع اليوم السابع، كما يمتلك فيها عددًا من الأسهم رجل الاعمال سمير يوسف المتزوج من الإعلامية المصرية "منى الشاذلى" والمتهم في قضية إهدار 72 مليون جنيهًا من أموال الدولة.
  • قناة "صدى البلد" والتي ظهرت بعد ثورة يناير تعود ملكيتها لأحد قيادات الحزب الوطني السابقين، وهو رجل الأعمال محمد أبو العينين، أحد المتهمين الرئيسيين في موقعة الجمل.
  •  قناتي "أون تي في"، و"أون لايف" تؤول ملكيتهما لرجل الأعمال المتنفذ في السياسة المصرية والقريب جدًا من المخلوع حسني مبارك وأحد دعائم دولته، نجيب ساويرس.
  •  "قناة المحور" تعود ملكيتها لرجل الأعمال حسن راتب، المقرب من النظام السابق، وكانت القناة الوحيدة التي تبث حصريًا مؤتمرات الحزب الوطني الحاكم، وقتها.
  • أما شبكة "قنوات دريم" فيملكها رجل الأعمال المصري والذي يُعد أيضًا أحد رجال أعمال دولة مبارك، أحمد بهجت.

2) رواتب خيالية: إن رواتب المذيعين والإعلاميين الخيالية والتي لا تنبع من مكاسب حقيقية للقنوات، هي أحد أهم الخيوط التي تتحكم بها السلطة في إعلامييها وصحفييها، فمن خلال قائمة ببعض أجور هؤلاء الإعلاميين يتبين لنا كيف يتم التحكم في هؤلاء والسيطرة عليهم بشكل كامل، فلا يمكن لأحدهم أن يضحي بتلك المبالغ الخرافية من أجل ثورة أو مبادئ هو لا يؤمن بها أساسًا، فعلى سبيل المثال يبلغ أجر الإعلامي شريف عامر نظير تقديمه لبرنامج يحدث في مصر، على فضائية إم بي سي 10 ملايين و750 ألف جنيه سنويًا، بينما يحصل الإعلامي تامر أمين مقدم برنامج من الآخر، على قناة روتانا مصرية على 2 مليون و400 ألف جنيه سنويًا، بينما تحصل الإعلامية لميس الحديدي مقدمة برنامج هنا العاصمة، على قناة  سي بي سي على 6 ملايين جنيه سنويًا، ويحصل الإعلامي خيري رمضان مقدم برنامج ممكن في نفس القناة على 2 مليون و400 ألف جنيه سنويًا، ويحصل الإعلامي محمود سعد على 5 مليون جنيه سنويًا نظير تقديمه لبرنامج آخر النهار، على قناة النهار، بينما يحصل الإعلامي وائل الإبراشي، مقدم برنامج العاشرة مساءً، على قناة دريم على 4 ملايين و200 ألف جنيه سنويًا، ويحصل الإعلامي أحمد موسى مقدم برنامج على مسؤوليتي على قناة صدى البلد على 3 ملايين و600 ألف جنيه سنويًا، بينما المذيع يوسف الحسيني، والذي تعمد اللواء عباس كامل إهانته بقوله الواد الحسيني، يتحصل من برنامج السادة المحترمون، على أون تي في على مليون و200 ألف جنيه سنويًا ويعتبر أقل المذيعين أجرًا.

3) الطريقة الثالثة والأكثر فعالية على ما يبدو، هي التحكم في الإعلاميين من خلال نقاط ضعف لهم، يتم رصدها بعناية وتجميعها في ملفات خاصة، يتم استخدامها عند الحاجة.

فمن خلال فضائح ما أو ذلات يتم تسجيلها وحفظها، يمكن للسلطة من خلالها أن تتحكم في نخبتها من الإعلاميين والمثقفين والمشاهير، وهذه هي الطريقة المخابراتية الأشهر في العالم، التي يمكن السلطة الحاكمة أن تسيطر بها على من تشاء وما تريد حتى ولو كانوا من معارضيها.

ولذلك فإن عملية اقتحام "أمن الدولة" بعد ثورة يناير والتخلص من عشرات الآلاف من الأوراق والوثائق وفرمها تم بمعرفة وتنسيق قادة المجلس العسكري، والذي كان هو السلطة الحاكمة وقتها، حيث استيقظ الناس فجأة على خبر فرم آلاف الأوراق والتخلص منها من داخل مبنى الجهاز.

أخيرا .. يبقى لنا أن نذكر أن المحتوى الإعلامي في دول العالم كافة يتم التحكم به بشكل أو بآخر، وهناك محددات ومعايير لكل ما يتم تقديمه أو تناوله في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، فجميع وسائل الإعلام موجهة، ولها رؤية وأهداف تسعى لتحقيقها، وكلما كانت السلطة في بلد ما ديكتاتورية كلما زاد سعيها نحو التحكم في الإعلام وما يقدم فيه.

وسيكتب التاريخ في أوراقه أن الفترة التي أعقبت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 شهدت أكبر حملة تضليل إعلامي وغسيل أدمغة وتغييب ممنهج للوعي شهدتها مصر، شاركت فيها عشرات القنوات التليفزيونية الحكومية منها والخاصة، وعشرات من الصحف المطبوعة والإلكترونية، والقنوات الإذاعية، كل حسب تأثيره في المتلقي، وهؤلاء جميعًا من رجال أعمال وإعلاميين وكتاب وصحفيين قد كتبوا أسماءهم في الصفحات السوداء لتاريخ مصر، وسيلقي بهم الشعب إن آجلا أو عاجلاً في مزبلة التاريخ.

فصبرًا .. إن غدًا لناظره قريب.