جاءت حكومة حبيب الصيد، المكلف بتشكيل الحكومة التونسية الجديدة معبرة عن حالة الانقسامات الواقعة داخل حزب نداء التونس؛ فلا هي توافقية فترضي حركة النهضة (الحزب الثاني في البرلمان بـ 69 مقعدًا من أصل 217) ولا هي إقصائية فترضي اليساريين والجبهة الشعبية (الحزب الرابع في البرلمان ب15 مقعد) ولا لحزب آفاق تونس (الحزب الخامس بـ 8 مقاعد) الذي يترأسه ياسين إبراهيم المقرب من الباجي قائد السبسي والذي شغل منصب وزير النقل في حكومة الباجي قائد السبسي بعد الثورة.

وفي التعليقات الأولى على تشكيلة الحكومة التي ستقدم للبرلمان ليصادق عليها، قال العجمي الوريمي القيادي في حركة النهضة: "حكومة حبيب الصيد هي حكومة كفاءات مدعمة ببعض الوزراء السياسيين وليست حكومة وحدة وطنية كما طالبت بذلك حركة النهضة وهي ليست الحكومة التي تم التشاور حولها، ومجلس شورى النهضة سيحدد موقف الحركة من هذه الحكومة وكل الاحتمالات واردة"، وذلك بالإضافة إلى تصريحات قياديين آخرين فُهِمت على مجملها بأنها تمهد الطريق نحو امتناع النهضة عن التصويت لصالح الحكومة.

كما قال الناطق الرسمي باسم حركة النهضة زياد العذارى إن الحركة "ليست طرفًا في حكومة حبيب الصيد"، وأنها "تأسف لعدم الأخذ بخيار حكومة التوافق الوطني الذى كانت دعت إليه"، مؤكدًا أن "النهضة ستحدد موقفها النهائي من الحكومة المقبلة بعد دراسة تركيبتها وبرنامجها وأولوياتها للمرحلة القادمة"، مضيفًا: "لم نشترط حقائب وزارية بعينها ولا عددًا محددًا من الحقائب ولا أسماء بعينها لكننا دافعنا عن حكومة توافق وطني بقاعدة عريضة تمثل القوى السياسية الأساسية في البلاد بما فيها حركة النهضة ودون إقصاء أي طرف إلا من أقصى نفسه"، وأضاف قوله نأسف لكون الخيار الذى ذهبت إليه هذه الحكومة لم يكن خيار حكومة التوافق الوطني.

وجاءت تصريحات قيادات الجبهة الشعبية (يسارية التوجه) في نفس الاتجاه، فقال جيلاني الهمامي: "تشكيل الحكومة أخذ طابع المحاصصة الحزبية وهي لا تعكس الوفاق الواسع، والأقرب للظن أن الجبهة الشعبية لن تصوت لفائدة الحكومة الجديدة في انتظار اتخاذ موقف رسمي في هذا الخصوص"، وقال القيادي الآخر في الجبهة الشعبية عمار عمروسية: "الحكومة الحالية تضم عناصر من النظام القديم وهذه أهم النقاط التي تختلف فيها الجبهة مع تشكيلة الحكومة الحالية".

وأما حزب آفاق تونس، فقد استنكر رئيسه ياسين إبراهيم وجود وزراء من حزب الاتحاد الوطني الحر الذي يترأسه رجل الأعمال سليم الرياحي، وقال ياسين إبراهيم: "آفاق تونس يملك كفاءات مشهود لها ولا يمكنه أن يشارك مع حزب مشكوك في تمويله ويتم تمكينه من 3 وزارات هامة"، في حين قال القيادي الآخر في آفاق تونس نعمان الفهري إن مؤسسات الحزب ستدرس أسماء الوزراء المقترحين وستحدد قريبًا الموقف النهائي من هذه الحكومة.

وفي ظل عدم رضاء هذه الأحزاب التي تعتبر أهم الأحزاب التونسية وأكثرها تأثيرًا، خاصة النهضة والجبهة الشعبية، لم يبق من حلفاء حكومة حبيب الصيد في البرلمان سوى كتلة حزب نداء تونس (الحزب الأول بـ 85 مقعدًا) وحزب الاتحاد الوطني الحر(الحزب الثالث بـ 16 مقعدًا) وبعض المقاعد المتفرقة بين الأحزاب الصغيرة جدًا والمستقلين، ما يعني أن مهمة جمع 109 صوت للمصادقة على الحكومة بأغلبية "50% زائد واحد" ستكون صعبة جدًا خاصة في حال اتخاذ أحزاب النهضة وآفاق والجبهة لقرار بعرقلة الحكومة.

وذهب بعض محللي المشهد السياسي التونسي أن مهمة نداء تونس للحصول على ثقة البرلمان ستكون مستحيلة، لأن الحزب لن يستطيع إقناع كل نوابه بالمصادقة لصالح هذه الحكومة، خاصة بعد ما صدر من تصريحات عن بعض قياداته، حيث قال القيادي بنداء تونس بوجمعة الرميلي إن "حزبه غير راض على تمثيله داخل الحكومة، وأن "الهيئة التأسيسية للحزب ستجتمع مع الكتلة النيابية للحزب يوم الأحد في اجتماع سيكون ساخنًا في ضوء غضب جزء هام من الكتلة على تمشي المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة".

وأمام وجود احتمال كبير لفشل هذه التشكيلة الحكومية في الحصول على ثقة البرلمان، يُعتَقد أن فشلها قد يؤدي إلى لجوء حزب نداء تونس لتشكيل تحالف جديد يرضي من خلاله بعض الأحزاب غير الراضية على هذه التشكيلة، مع العلم أن إرضاء كل الأطراف ليس ممكنًا وخاصة حركة النهضة والجبهة الشعبية، إذ يحمل كل منهما أيديولوجيا مضادة للآخر، وهو يجعل النداء أمام ثلاثة خيارات.

  • أن يتخلى عن النهضة والجبهة الشعبية في نفس الوقت ويتحالف مع باقي الأحزاب بما في ذلك آفاق تونس ويبدأ فترة حكمه بمعارضة قد تكون شرسة خاصة من قبل الجبهة الشعبية التي تتبنى خطاب التوافق الذي تتبناه حركة النهضة.
  • أن يتخلى عن حركة النهضة ويتحالف مع الجبهة الشعبية ويثير بذلك المخاوف من عودة أجهزة الدولة لمعاداة الإسلاميين وهي المخاوف التي حرص نداء تونس على تهدئتها في حملته الانتخابية لجذب الناخبين الرافضين للإسلاميين والرافضين في نفس الوقت لدخول الدولة في معركة مع الإسلاميين.
  • أن يستغل فشل الحكومة الأولى (في حال فشلها في الحصول على ثقة البرلمان) ويبرر تحالفه مع حركة النهضة بأنه في حاجة إلى إحداث استقرار في المشهد السياسي التونسي وأن ذلك الاستقرار يتطلب أوسع قاعدة أصوات داخل البرلمان وبالتالي التحالف مع النهضة التي تمتلك ثلث مقاعد البرلمان.

وتبقى كل هذه الاحتمالات مرهونة بالقرارات التي ستتخذها أحزاب النهضة وآفاق والجبهة من التشكيلة الحكومية المقترحة.