تعيش القارة الأوروبية منذ فترة على وقع العديد من الأزمات الاقتصادية التي أثرت على اقتصاديات أكبر بلدانها، وتُعد ألمانيا الناجي الوحيد من هذه الأزمات، إلا أن إيطاليا ماثيو رينزي استطاعت تحقيق خطوة هامة نحو تقليص ديونها والسير نحو الانفراج الاقتصادي بعد التقدم الذي أحرزته حكومة رينزي في مجال إصلاح أنظمة العمالة والضرائب والعدالة، فضلاً عن المؤسسات السياسية، وقد راهن رينزي على المصداقية في حل تلك القضايا وتعرض لضغوطات جمة من داخل الاتحاد الأوروبي للقيام بها.

قامت رئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل الخميس الماضي 22 يناير بزيارة إلى مدينة فلورنسا الإيطالية، مسقط رأس رئيس الوزراء ماتيو رينزي، عقب مشاركتها في قمة منتدى دافوس في وقت يتوقع فيه إعلان البنك المركزي الأوروبي عن خطة لشراء السندات لإنعاش النمو ومكافحة الانكماش وسط مخاوف ألمانية من أن مثل هذا العمل يمكن أن يساعد نظرائهم الأضعف في منطقة اليورو بعدم القيام بالإصلاحات اللازمة.

وفي ظل الصراعات والأزمات التي تعيشها القارة العجوز خاصة بعد عملية الشد والجذب مع العملاق الروسي إثر الأزمة الأوكرانية التي قسمت البلاد بين شق موالي للغرب وآخر موال لروسيا، وفي ظل الخطوة التي قامت بها روسيا من تغيير مسار إمداد الغاز نحو أوروبا من أوكرانيا إلى مده عبر تركيا وتهديدها في خطوة ثانية بقطع الغاز على أوروبا جراء فرض عقوبات أمريكية وأوروبية على موسكو، وفي ظل الدور المتنامي لألمانيا في فرض هذه العقوبات، يبدو من الواضح أن أوروبا بصدد إعادة إنتاج تحالفاتها القديمة.

ولم يتوقف مجال صراع النفوذ عند هذا الحد، إذ أبرزت الانتخابات اليونانية فصلاً جديدًا في مسلسل الصراع وصل إلى الحد الذي اعتبر فيه أحد السياسيين الأوروبيين فوز حزب "سيريزا" بمثابة الصدمة للاتحاد الأوروبي وبالخصوص للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتي يرى البعض أن اليونانيين صوتوا ضدها تحديدًا، وضد السياسة التقشفية الأوروبية.
لقد أرعبت نتائج الانتخابات في اليونان الاتحاد الأوروبي وساد حديث حول مغادرة الأخيرة للاتحاد وهو ما صوت ضده اليونانيون بنسبة 75 بالمئة، أما إذا ما غادرت اليونان فقد يعني ذلك بداية سقوط بيادق اللعبة الواحد تلو الآخر، إذ إن العديد من الشعوب في أوروبا ملّوا من السياسة التي يفرضها الاتحاد والتي يرون فيها أنها لا تصب إلا في مصلحة البنوك وأقطاب المال والأعمال.

لكن أوراقًا اقتصادية وسياسية لم يتم إلقاءها بعد، إذ رغم الضغط والعقوبات وأحيانًا الإهانات التي وجهت لروسيا ولشخص رئيسها فلادمير بوتين فإن الأخيرة مازالت لم تضرب أوروبا المرهقة اقتصاديا في الصميم، لكنها تحاول إيجاد حلفاء لها داخل القارة العجوز من خلال دعم خفي لحكومة تعادي السياسة التقشفية الأوروبية والتي تم فرضها على حكومات غير راغبة في تطبيقها.

فإسبانيا والبرتغال على حافة الانفجار واليونان اختارت الخروج عن النسق الأوروبي وفرنسا تعاني مصاعب اقتصادية جمة تحاول التغطية عليها من خلال استغلال أحداث مجلة "شارلي إيبدو" الساخرة والتصوير لمواطنيها أن الهدف الرئيسي بات مقاومة الإرهاب عوضًا عن إجراء إصلاحات اقتصادية، وتلك هي سياسة الغرب عموما، فمع كل أزمة اقتصادية يحاول الساسة الغربيون خلق معضلة أمنية تكون بمثابة الملجأ الآمن لفرارهم من فشلهم الاقتصادي.

ختامًا، يبدو أن ألمانيا اختارت إيطاليا لتكون حليفتها الإستراتيجية في القارة العجوز ربما لأسباب تاريخية أو ربما للنجاح الذي يحققه ماثيو رينزي من خلال الخطوات العملية التي يخطوها نحو السير بالاقتصاد الإيطالي إلى بر الأمان خاصة في مجال سداد الديون الإيطالية، لتبقى فرنسا تتخبط في اختناقها الاقتصادي الذي لم يمكّنها دخولها إلى ليبيا من تجاوزه، خاصة أمام تشعب المعطيات على الأرض الليبية بالإضافة إلى صمت إنجليزي لم يتجاوز بعد تهديدات الإسكتلنديين بالانفصال عن بريطانيا العظمى.