تحاول القوى السياسية التونسية لملمة أوراقها وتجميع قواها وتحشيد أنصارها في إطار الصراع السياسي المحتدم حاليا بالبلاد وإذا كانت الترويكا الحاكمة تواصل العمل من اجل الحفاظ على التحالف من جهة وتحقيق التفوق السياسي على الخصوم من جهة أخرى فإن  المشهد السياسي الراهن يشهد تشكل تحالفات سياسية طارئة وظهور قوى طامحة نحو القيادة وطامعة في الحكم مثل نداء تونس ( الذي يضم خليطا غير متجانس من بقايا النظام السابق وبعض رجال الأعمال ونخب علمانية متشددة ) وأيضا التقاء بعض الشخصيات المتحدرة من التجمع المنحل (الحزب الحاكم سابقا) المتمثل في ظهور الجبهة الدستورية وأخيرا تظل قوى اليسار مكونا له حضوره في الساحة السياسية سواء من خلال محاولة تجميع بعض شتاته في إطار الجبهة الشعبية أو بنسجه لتحالفات مع قوى أخرى لا يجمعه بها رابط سوى رغبة واضحة في الإطاحة بحكومة الترويكا والوصول إلى السلطة بديلا عنها .. فهل يمكن لتحالف اليسار الراديكالي أن يصل إلى السلطة في تونس بمفرده أو في إطار تحالف واسع؟ ما هو الأفق السياسي المفترض لتحرك أحزاب اليسار ؟هل ستفضي به إلى تحقيق الأهداف التي رسمها لنفسه أم أنه سيظل يعيد اجترار الوهم باعتباره أقل الفاعلين السياسيين قدرة على حسم الصراع السياسي على السلطة في هذه الفترة التي تشهد حراكا حثيثا في مسار الانتقال الديمقراطي ؟

لا احد ينكر الحضور التاريخي لقوى اليسار في تونس بتشكيلاته المختلفة وتفريعاته المتعددة والتي تختلف إلى حد الصراع والتناقض وهي قوى تتفاوت أيضا من حيث النضالية فإذا كان بعضها قد كان معاديا لنظام الاستبداد أيام حكم المخلوع فان بعضها الآخر قد تواطأ مع سلطة بن علي بالتأييد حينا وبالصمت أحيانا ، وبعد الثورة وككل التشكيلات السياسية امتلأت الساحة بالأحزاب ذات المرجعيات اليسارية ( ماركسية وقومية وتروتسكية) وحاولت أن تجد لها موطئ قدم في ظل أحجام سياسية كبرى جسدتها خاصة حركة النهضة وأيضا وإلى حد ما حليفيها في الترويكا ( المؤتمر والتكتل ) بالإضافة إلى القوى المتحدرة من النظام السابق،ولم تكن النتائج الانتخابية لأحزاب اليسار واعدة حيث اكتفى حزب العمال الشيوعي مثلا بما لا يزيد عن (60620) صوتا أي ما يمثل 1 فاصل 41 بالمائة من مجمل الأصوات المصرح بها فيما لم تحصل حركة الوطنيين الديمقراطيين على أكثر من 0 فاصل 75 بالمائة من الأصوات فيما كانت نسب بقية المجموعات اليسارية الماركسية والقومية أكثر مأساوية ( حركة الشعب 0،74 ـ حركة البعث 0،24 ـ حزب النضال التقدمي 0،22 ـ الحزب الشعبي للحرية والتقدم 0،19 .. ) لقد كانت الهزيمة واضحة ومدوية وقد حاولت بعض القوى اليسارية إجراء إصلاحات داخلية من اجل تلميع صورتها فقام حزب العمال الشيوعي التونسي بإلغاء لفظة شيوعي من اسمه فيما حاولت حركة الوطنيين الديمقراطيين توسيع دائرة منخرطيها لتنجز مؤتمرا توحيديا يفرز اسما جديدا هو حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد ولتأتي في مرحلة لاحقة فكرة التوحد في الجبهة الشعبية لخوض المعركة السياسية بصورة موحدة في أفق الانتخابات القادمة ولم يخفي قادة هذه الجبهة رغبتهم في الوصول إلى الحكم واتهامهم الترويكا الحاكمة بسرقة ثورة الشعب التونسي وبأنها تستجيب لإملاءات الخارج ولا تستجيب لإملاءات الشعب الذي انتخبها وبغض النظر عن مشروعية الطموح في الوصول إلى سدة الحكم باعتباره هدفا طبيعيا لكل حزب سياسي في ظل نظام ديمقراطي فإن ثمة جملة من الوقائع لابد من أخذها بعين الاعتبار :

  • تتميز القوى الحزبية المشكلة لليسار التونسي بطبيعتها الاحتجاجية وبحضورها الواضح في النقابات وفي المنظمات الحقوقية ورغم هذا الحضور النشيط فإنها تفتقر إلى الكادر التقني القادر على إدارة شؤون الدولة لأن تسجيل المواقف والاحتجاج على الحكم يختلف عن ممارسة السلطة وتقديم الخدمة العامة للناس.
  • فشلت قوى اليسار التونسي في أن تتحول إلى قوة شعبية فعلية حيث ظلت في غالبها مجرد قوى نخبوية تمارس عملا نضاليا دون قدرة على تنزيل برامجها إلى الشارع وإلى المواطن البسيط وهو ما يفسر تدني نسبة التصويت لقوائمها في انتخابات 23 أكتوبر/ تشرين أول 2011  الماضية.
  • بالرغم من المراجعات التي حاولت بعض الأحزاب تسويقها على أساس أنها بدأت تتخلى عن أرثوذوكسيتها الماركسية إلا أن السمعة التي راكمتها تاريخيا بوصفها أحزاب علمانية متطرفة ومعادية للدين جعلها بعيدة عن الوجدان الشعبي وما زاد في مراكمة هذا الشعور هو مواقف بعض القيادات اليسارية التي كانت مستفزة للشعور الديني وأحيانا مناقضة للرأي العام ( المبالغة في المطالبة ببعض الحريات العامة والتركيز على المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة مع ما يقتضيه من إلغاء للحكم الشرعي المتعلق بالميراث والموقف الحاد من التنصيص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام ).
  • بالرغم من ثورية بعض الأحزاب اليسارية ورفعها لسقف مطالبها إلى حد المطالبة بإلغاء الديون الخارجية والدعوة إلى الاشتراكية إلا أنها في مواقفها اليومية وفي بعض تحالفاتها نجدها تتورط في التقارب مع بعض القوى التي كانت من بقايا المخلوع أو تجد دعما من بعض وجوه قطاع الأعمال الفاسد وهو ما يثير الريبة لدى بعض الفئات الشعبية من التناقض بين الشعارات والممارسات .
  • تشهد مواقف بعض أحزاب اليسار حالة من التذبذب تكشف عن افتقادها للرؤية الإستراتيجية الواضحة ولعل خير شاهد على ذلك مواقف حزب العمال من المجلس التأسيسي حيث كان أول المطالبين بتشكيله اثر سقوط المخلوع مباشرة لنجده اليوم أول المنادين بإسقاطه بصورة كاريكاتورية تدعو إلى الرثاء.
  • تعاني قوى اليسار من أزمة ثقة متعاظمة في ما بينها تصل إلى حد الإقصاء ومحاولة الإلغاء وهو أمر يؤيده إبعاد "الحزب الوطني الاشتراكي الثوري " من الجبهة الشعبية بضغط من حزب العمال وكل هذا على خلفية رفض الحزب الوطني الاشتراكي الثوري للتحالف مع حزب نداء تونس ( المتحدر من بقايا النظام السابق).

إن الإشكال الذي يعيق ضبط نبض الحراك الحزبي لدى اليسار التونسي، هو عدم استقرار ذبذبات التحرك الحزبي وارتباطه بالعلاقة الفاشلة بين القيادة الحزبية والجماهير الشعبية التي يفترض انه يمثلها ويدافع عن مصالحها ، هذه العلاقة التي أخذت أبعادا ترتبط " بالانتهازية السياسية " المرتبطة بدورها بمفاهيم "الاحتماء السياسي " بدل "الاقتناع السياسي"  بمعنى أن أحزاب اليسار لم تعد تفكر انتخابيا مع ما يقتضيه الأمر من تواصل مع الناس وإنما أصبحت تمارس العمل الحزبي بمنطق أنها الحامي لمصالح جماهير الشعب والناطق الرسمي باسمها بغض النظر عن موقف هذه الجماهير ذاتها أو حتى استشارتها، و هو ما ولد أنواع جديدة من الولاء السياسي المقّنع بالأيديولوجيا المنفعية التكتيكية التي تحتمها ضرورات المصلحة و"ريع المرحلة " وهي أمور تجلت في التحالف مع قوى تمثل الثورة المضادة في تونس ، قوى تتلقى الدعم من أطراف خارجية كانت أحزاب اليسار تستميت في وصفها بالرجعية والعمالة وخدمة الامبريالية والرأسمال المعولم ( الإمارات والسعودية تحديدا ) بل ووصل الأمر بزعيم حزب العمال حمة الهمامي  إلى لقاء السفير الأمريكي في شطب واضح لتراث كامل من العداء لدولة كان يعتبرها اليسار أكبر داعم للرجعية والعدو الأول للشعوب التي تتوق للحرية ، و هذه القناعات المرتحلة سياسيا متداخلة بالانتقال المتسارع للتحول الديمقراطي .
إن هذا الاضطراب الواضح في المواقف والخلخلة التي لحقت بنية التصورات الفكرية والقناعات الإيديولوجية لليسار التونسي هي التي تفسر عمق الأزمة التي يعانيها حيث تتراوح مواقفه المعلنة بين التمترس خلف مقولات سياسية خلفتها الحرب الباردة و بين الانتهازية المفرطة التي تنفي كل مبدأ وهي حالة يصدق عليها ما قاله المفكر الماركسي سلامة كيلة بأن " .. اليسار الذي حاول أن ينهض من سرير الموت كرّر السياسات ذاتها التي أوصلته إلى القبر، وظل يفكّر في الطريقة ذاتها التي أماتته، فقد ظل يعيش أجواء الحرب الباردة رغم انهيار النظم الاشتراكية وتأزم وضع الإمبريالية، وتفكك مراكز السيطرة الإمبريالية، وبدء النهوض الشعبي في كل العالم. ولهذا فقد نهض يحمل كل العجز الذي سكنه منذ عقود، ويلوك الأفكار التي أوصلته إلى العجز".

وبالفعل فقد رأينا اليسار في أمريكا اللاتينية ، وبعد سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية والعالم الثالث، ينفض غبار أزمته ، ويسير في نجاح وتدارُك لبراثن الأزمة ، حتى أنه قد أفرز حركات يسارية دينية ، لا سيما لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية بينما لا يزال اليسار التونسي في حالة من التيه ،يجتر خيباته و لا يعرف كيف يمكنه الخروج من أزمته.