تعريف تقنية (ASMR):

يمكن تعريف الاستجابة الحسية لقنوات الجسم المستقلة (Autonomous Sensory Meridian Response) أو الـ (ASMR) بأنها استجابة إدراكية حسية تحفز الشعور باللذة في الدماغ من خلال تحفيز الشعور بالوخز الممتع في الرأس والعنق وجزء من الظهر، وذلك باستخدام محفزات بصرية وسمعية ولمسية وشمية، أو من خلال محفزات معرفية، وحتى الآن لا يوجد تفسير علمي أو بيانات توضح هذه الظاهرة بشكل أفضل.

إذا ما قمنا بإجراء بحث سريع عن الـ (ASMR) على يوتيوب، يمكن أن نجد فيه ما يزيد على 1.5 مليون فيديو، معظمها يتميز بوجود أشخاص يهمسون إلى الكاميرا أو ينقرون على أدوات منزلية، فمثلاً هناك فتاة تدعى (آلي) تقوم بنشر مقاطع فيديو على يوتيوب باسم (ASMRequests)، تمتلك أكثر من 185,000 متابع، وهي واحدة فقط من عدد كبير من مبدعي الفيديوهات المعروفين باسم (ASMRtists) الذين صنعوا أحد أكثر المنصات غرابة على شبكة الإنترنت، والموجهة لقلة مختارة من الأشخاص.

ما هو شعور الـ(ASMR):
تقوم (آلي) وكثير غيرها بإنتاج هذه الفيديوهات لأن الأصوات والوسائط المتعددة التي يدرجونها فيها تجعل بعض الأشخاص يحصلون على شعور فريد من نوعه من المتعة المحضة في أعلى درجاتها، فإذا أردت تخيل ذلك الشعور، ما عليك إلّا أن تتصور وجود شوكة رنانة ترن في قاعدة جمجمتك، مولدةً بذلك إحساساً - أقرب إلى الوخز البارد- ينتشر مثل السائل ليصل إلى الجزء الخلفي من الرأس، وأسفل الرقبة وإلى جزء من الظهر، وهو يتدفق مثل النبض، وهذا الشعور يعطي إحساساً بالراحة والاسترخاء بشكل لا يصدق.
منذ حوالي ست سنوات لم يكن هناك مصطلح لوصف هذه التجربة، حيث لم تكن هذه التجربة معروفة آنذاك، ولم يكن هناك فيديوهات أو مواقع، أو حتى سجل طبي أو سريري لهذه الظاهرة، ولكن كان هناك عدد قليل من الأشخاص يتحدثون عنها عبر منتديات الإنترنت.

مشاهير تقنية الـ(ASMR):
يعتبر الرسام (بوب روس) من أبرز الأشخاص الذين قاموا بأداء هذه التسجيلات، حيث أن فيديوهاته جميعها تحمل البصمات (TAG) لفيديوهات الـ (ASMR)، (روس) يتميز بحديثه اللين والمباشر إلى المشاهد، كما أنه دائماً ما يقف أمام لوحة، مصدراً أصواتاً عند رسمه لتلك اللوحة، حيث يعمل على حف السكينة المليئة بالطلاء على القماش الجاف مما يصدر صوتاً يستثير احساس الـ(ASMR)، وفي حين أن جميع محفزات الـ(ASMR) تميل لتكون متفاوتة على نطاق واسع، يعتبر (روس) بأنه واحد من الأشخاص الأكثر قدرة على تحفيز الشعور بهذا الوخز، مما جعله عرّاب هذه التقنية.

تشير (هيذر فيذر)، وهي واحدة من الـ (ASMRtist) المشهورين الذين يمتلكون أكثر من 180,000 متابع على يوتيوب، بأن تأثير الـ (ASMR) الذي يولّده (بوب روس) أشبه بالشعور بالقشعريرة التي تشعر بها عندما يرسم شخص على ظهرك أو يلعب بشعرك.

الجدير بالذكر بأن هناك بعض المقدمين يؤثرون على الأشخاص أكثر من غيرهم، وتقريباً جميع المتابعين يفضلون شخصاً يتحدث على الكاميرا مباشرة إلى المشاهد وهو نمط الرسام (بوب روس).

أنماط الـ(ASMR):
هناك العديد من فيديوهات الـ(ASMR) على يوتيوب، وبشكل مماثل فهناك العديد من الأنماط المختلفة لهذه التقنية سنحاول ايجازها فيما يلي:

نمط تقمص الأدوار: يعد هذا النمط من أكثر أنماط تقنية الـ(ASMR) شيوعاً، وفي مقاطع الفيديو التي تتضمن هذا النمط يعمد ممثل المقطع إلى تقمص دور طبيب مثلاً يعمل على معالجة العصب القحفي، ويقدم الممثل من خلال هذا التقمص خبرات غامرة بطريقة مباشرة تمس المشاهد، وقد تتضمن تقنية تقمص الدور محاكاة زيارة إلى منتجع صحي (SPA) حيث يعمل الممثل ضمن الفيديو إلى ملامسة شعور المشاهد من خلاله كلماته الهامسة اللطيفة والتي تهدف إلى فك تشنج الجسم.

نمط النقر: هذا النمط يعتبر من الأنماط التي تمتلك ديناميكية عالية، يقوم فيها المؤدي بالاستفادة من مجموعة من الأشياء التي توجد في محيطه لخلق مجموعة مختلفة من الأصوات.

نمط الاحتكاك:  هو النمط الذي ينتج عن أصوات احتاك الفرشاة بجسم ما، مثل احتكاك فرشاة الشعر مع الشعر أثناء تمشيطه، أو صوت احتكاك فرشاة الرسم بقماش الرسم، أو صوت احتكاك الفرشاة مع الكاميرات والميكروفونات، وغالباً ما يكون هذا النوع من الأنماط مترافقاً مع أداء المؤدي لدور ما في الفيديو.

نمط الأصوات الفموية: غالباً ما يشمل هذا النمط إصدار أصوات تشبه الهمس تتحول فيما بعد إلى أصوات مجردة، وهذا النمط من المحفزات يشبه الشعور بوجود شخص ما يجلس ويتحدث بالقرب منك.

أنماط أخرى: هناك عدد كبير من محفزات الـ (ASMR) السمعية الغير اللفظية، بما في ذلك النقر، والخدش، وتنظيف الأسنان بالفرشاة، والتدليك، وسماع اللهجات الغريبة والهمس، كما أن هناك بعض المحفزات البصرية أيضاً، مثل مراقبة منشفة وهي تسقط أو حذاء يلمع.

تطور تقنية الـ(ASMR):

هناك العديد من الأشخاص الذين يقومون بنشر مقاطع من الفيديو تتضمن محفزات للـ (ASMR) بطريقة غير مقصودة، ومعظمها تكون محتوية على مجموعة من الأصوات المركبة والتي يمكن تسميتها هنا بالمحفزات، والجدير بالذكر بأن موضوعات مقاطع الفيديو التي تتحدث عن الـ (ASMR) قد تطورت بسرعة وبمدة لا تتجاوز بضع سنوات فقط، وهذا التطور لا يزال مستمراً مع ازدياد عدد الأشخاص الذين تصل إليهم تقنية الـ (ASMR) وظهور المزيد من المبدعين الذين يقومون بابتكار المزيد من مقاطع الفيديو.

تعتبر المؤدية التي تطلق على نفسها اسم (WhisperingLife) أول من قام بتأدية تقنية الـ (ASMR) عن طريق الهمس، وكان أول فيديو أطلقته عن هذه الطريقة يدعى “Whisper 1 - hello!” وتقول المبتكرة أن الحديث الذي كان متداولاً من قبل بعض الأشخاص حول الشعور الذي تعطيه برامج تلفزيون الوقع هو ما شجعها على صناعة هذا الفيديو.

يشير العديد الأشخاص الذين يشعرون بهذا الإحساس إلى أنهم كانوا يختبرونه منذ سنوات وعلى فترات متقطعة دون أن يعلموا ما هو تحديداً، كما يقول بعضهم بأنهم يعانون من الصداع النصفي من حين لآخر، مترافق مع هالة بصرية وغثيان، ولكن حتى الآن لم يتم إثبات وجود أي صلة بين الحالتين.

بدأ مصطلح "ASMR" يكسب قوته بشكل متباطئ في عام 2010، وفي عام 2011، بدأت تجري الكثير من عمليات البحث في جوجل ويوتيوب عن هذا المصطلح، ولكنه كان لا يزال آنذاك عبارة عن هواية غير معروفة لمعظم الأشخاص، وحتى أن ممثلي تقنية الـ(ASMR) أنفسهم كانوا لا يزالون يتعلمون عن تلك التقنية وعن كيفية إيصالها إلى غيرهم من الأشخاص الذين كان معظمهم قد اكتشف هذه التقنية عن طريق المصادفة.

عادةً ما تميل طبيعة مقاطع الفيديو التي تقدم تقنية الـ (ASMR) لأن تكون منفرة بالنسبة للمبتدئين، ولكن ظهور هذه التقنية في الثقافة الشعبية جعل الأمر أسهل لمناقشتها، مما قد يؤدي إلى زيادة فهمها من قبل مجموعة أوسع من الأشخاص وربما حثهم على البحث في هذا الشعور، والجدير بالذكر بأن العديد من وسائل الإعلام المختلفة كانت قد نشرت قصصاً يكون مضمونها في العادة "انظروا إلى هذا البدعة الغريبة التي بدأت بالانتشار على الإنترنت!"، كما سيصدر قريباً فيلم وثائقي يتحدث عن هذه الظاهرة.

العلم والـ(ASMR):
يعود معظم الغموض الذي يلف تقنية الـ (ASMR) إلى التضليل، حيث أننا ما نزال لا نملك فكرة كافية عن هذه الحالة، أو إذا ما كانت أصلاً عبارة عن حالة، ولكن هناك العديد من النظريات في مجتمع الـ (ASMR) تتحدث معظمها عن أن الدماغ يقوم بإفراز هرمونات السيروتونين أو الأوكسيتوسين عند التعرض لتحفيزات الـ (ASMR)، وحالياً تعمل كلية دارتموث على إجراء دراسة عن هذا الموضوع.

إن عدم وجود أدلة ملحوظة للـ (ASMR) أدت إلى ظهور بعض الشكوك حول ما إذا كان هذا الشيء هو ظاهرة حقيقية أم لا، إلّا أن العدد الهائل من الأشخاص الذين يشيرون إلى شعورهم بهذا الإحساس، ونمو مجتمع الـ (ASMR) أسكت تلك الأصوات، ولكن من دون أي دليل علمي جدي، قد يكون من الصعب أن نأخذ الأشخاص الذين يهمسون في مقاطع الفيديو على محمل الجد.

بعض الأشخاص يقارنون الـ (ASMR) بالرعشة، وهي الإحساس الذي يختبره الأشخاص من تأثير الموسيقى، حيث يشير (ستيف نوفيلا)، وهو الطبيب الذي يكتب في مدونة تركز على الأعصاب، أن مختلف المحفزات المرتبطة بالـ (ASMR) توجد عموماً في الجزء ذاته من الدماغ الذي يتفاعل بعناية وبشكل مدروس مع البيئة أو مع أشخاص آخرين، وهناك شيء يبعث على الرضا والهدوء في مثل هذه الأمور.

تبعاً لأنصار الـ (ASMR) فإن هذه التقنية يمكن أن تعالج العديد من العلل مثل الاكتئاب، واضطرابات ما بعد الصدمة، واضطرابات النوم، واضطرابات التركيز والقلق والصداع النصفي، ولكن ليس هناك الكثير من الأدلة التي تدعم هذه الإدعاءات، حيث أنه لا يوجد حتى الآن دراسات سريرية ملموسة على الـ (ASMR)، وحتى إن كان ذلك صحيحاً فما يزال هناك بعض التساؤلات حول عدد الأشخاص الذي يمكن أن تساعدهم هذه التقنية، حيث أن النسبة المئوية للسكان الذين يعرفون هذه التقنية محدود جداً، ومعظمهم يقول بأنه لم يلتقِ قط مع أي شخص آخر على علم بها إلا من خلال المنتديات الاجتماعية، وبما أنه ليس هناك إجماع كاف حول الــ (ASMR)، فإن قيمته العلاجية ستكون محدودة.

من جهة ثانية فإن مجتمع الـ (ASMR) يشهد ازدياداً مستمراً، كما أن التكنولوجيا المستخدمة فيه تتطور مع مرور الوقت، فالمبدعين لم يعودوا يكتفون فقط بتجريب محفزات جديدة، بل أصبحوا يستخدمون أيضاً تقنيات سمعية وبصرية متقدمة لخدمة هدفهم، مثل الإضاءة، والمؤثرات الصوتية والتحرير.

وعلى الرغم من نجاح بعض الـ (ASMRtists)، إلّا أن مجتمع الـ (ASMR) لا يزال يبحث عن المزيد من الأجوبة، فلا أحد يعرف الكثير عن الكيفية التي يشعر بها الأشخاص الذين يمرون بهذه التجربة، أو السبب الذي يؤدي إلى ذلك، أو حتى إن كان هناك آثار جانبية لهذه التجربة، فماذا يحدث لجسم الإنسان وعقله عندما تضربه تلك الوخزات؟ وهل هذا يعتمد على ظروف أخرى؟ وهل يمكن للأشخاص الذين ليس لديهم خبرة مع الـ (ASMR) أن يشعروا به من خلال مشاهدة مقاطع الفيديو؟

المصدر: مشابل