مترجم بتصرّف من مقال بالاوي آيار، صحافية هندية لجريدة "ذه هِندو" في جاكرتا، ومن بحث مارك وودوارد وزملائه عن البسانترِن في إندونيسيا وعلاقته بالتطرف.

بينما انهمرت الأمطار في شرق جاوا بإندونيسيا لتغسل قبة المسجد الكبير، خرج المئات من الأطفال يهرولون بعد انتهاء صلاة العشاء حاملين السجاجيد على أكتافهم، والصارون ملتف حول أجسادهم، ونعالهم تدوس في الأرض الطينية المبللة.

ينتظم كل هؤلاء في مدرسة "بوندوك مودِرن دار السلام" في جونتور، وهي واحدة من مئات المدارس الإسلامية في إندونيسيا، المعروفة بـ "بِسانترِن" (Pesantren)، والتي يدرس فيها حوالي 13.000 إلى 30.000، ويقوم معظمها بتدريس المواد الحديثة مثل التاريخ والعلوم بالإضافة إلى الدراسات الإسلامية التقليدية والحِرَف الزراعية والميكانيكية.

يعود تاريخ البِسانترِن إلى مئات السنين في إندونيسيا، البلد الذي يضم أكبر تعداد للمسلمين في العالم، ولكنها أصبحت محل انتقاد وهجوم البعض فهم  يرون صلة بينها وبين العمليات الإرهابية التي جرت في العقود الأخيرة، لاسيما تفجيرات بالي عام 2000 والتي قتلت أكثر من مائتي شخص، واستقطاب بعض الإندونيسيين، وهم حتى الآن حوالي مائة طبقًا لسلطات مكافحة الإرهاب الإندونيسية، إلى صفوف الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

قد يكون هذا صحيحًا عن بعض البِسانترِن، وأبرزها مدرسة "أل مُكمِن" في مدينة نجروكي، القريبة من جونتور، والذين يرتبط بعض خريجيها بالجماعة الإسلامية، المسؤولة عن تفجيرات بالي، بيد أن سيدني جونز، مديرة مركز تحليل سياسات الصراع في جاكرتا، وأحد أهم الباحثين في مجال الحركات الإرهابية في جنوب شرق أسيا، تقول إن البِسانترِن المرتبطة بالإرهاب لا تتجاوز الأربعين، في حين تدرّس المئات غيرها العقيدة الإسلامية بشكل محافظ دون تبنّي العنف.

طبقًا لسيدني، ينصب تركيز معظم البِسانترِن على تخريج طلابها بشكل يجعلهم منتمين بقوة لسياقهم المحلي وقيم مجتمعاتهم، وهو ما قد يجعلهم في الحقيقة إحدى الركائز الأساسية في مواجهة التطرّف، ولا يدلل على ذلك أكثر من النظر إلى مدرسة جونتور آنفة الذكر، والتي تخرّج منها الكثيرون، ومنهم وزير الشؤون الدينية الحالي ورئيس مجلس علماء إندونيسيا لُقمان حكيم سيف الدين.

جونتور
في زيارتي للمدرسة في نوفمبر الماضي، اصطحبني الأستاذ علي، خريج حديث ومدرس شاب بالمدرسة بسيارته من المطار إلى جونتور، مرتديًا قميصًا ورابطة عنق، ومضينا في طريقنا على خلفية الأغاني الهندية، فأخذ يحدثني عن عمله في المدرسة، والذي لا يتقاضى عنه أي أموال، ولكنه سعيد به لأنه يعزز ارتباطه بالمجتمع المحلي.

لم يكن الأستاذ علي يعلم بشكل واضح ما هي المادة التي يدرسها، حيث قال لي إنه يدرس بعض الإنجليزية والعلوم والدين، وهو ما يعني أن المهنية الأكاديمية الحديثة كما نعرفها ربما ليست قوية في المدرسة، ففي إحدى الامتحانات العامة التي حضرتها وقفت مجموعة كبيرة من الشباب في ساحة واسعة، وأخذ يتحدث كل منهم مع المُمتَحِن الخاص به ويردد إجابات للأسئلة الموجهة له، وهو ما أحدث نوعًا من الضوضاء وجعل من الصعب بمكان التركيز مليًا فيما يقوله كل طالب على حدة.

يأتي العديد من طلاب جونتور من خلفيات اجتماعية فقيرة ومناطق نائية في إندونيسيا، نظرًا لعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف التعليم الحديث في أماكن أخرى، ولكن هذا المزيج يخلق نوعًا من التفاعل بين شتى عناصر المجتمع الإندونيسي بما يؤدي إلى تعرّضهم للكثير من الاختلافات الاجتماعية والثقافية في سن مبكرة.

ينام كل ثلاثين طالب في غرفة واحدة مع عدد قليل من الأمتعة وسجادة لكل منهم وبعض الملابس والكتب، ويبدأ اليوم الدراسي في الرابعة والنصف فجرًا، ويستمر حتى التاسعة مساءً، ويتخلل ذلك وجبات في قاعة تناول الطعام، وكذلك العمل بالتناوب في متجر المستلزمات المدرسية، بالإضافة إلى ذلك، تنعقد محكمة، أو هكذا يسمونها، كل ليلة، لمعاقبة أي شخص يقوم بإلقاء القاذورات أو لا يلتزم بالزي المدرسي.

الانفتاح المحافظ
رُغم ما يُعرَف عن تلك المدرسة بانفتاحها، إلا أنها لاتزال متحفظة في إدانة الهجمات الإرهابية بشكل مبالغ فيه، وعادة ما تصب غضبها بشكل أساسي على تحيّز الإعلام الغربي وإسرائيل تحديدًا باعتبارهما الأعداء الأساسيين، وحين قلت لهم إن أبو بكر بشير، العقل المدبر للجماعة الإسلامية، كان قد درس في جونتور في منتصف القرن الماضي، لم يرد أي منهم بالإدانة أو الدفاع، أما فيما يخص داعش، تكون الانتقادات أكثر وضوحًا، كما قال لي الأستاذ علي، والذي تحدث بشكل جلي عن أن داعش تستخدم الإسلام لمصالحها وفقط، دون أدنى علاقة بالإسلام نفسه.

من ناحية أخرى، لا تدرّس معظم تلك المدارس المذهب الأحمدي والمذهب الشيعي لأنهما لا يستقيمان مع العقيدة الإسلامية ولأن عقائدهما عقائد كافرة كما يعتقد معظم الناس هنا، بيد أنها تعلّم احترام أتباعهما (وهم أقل من 1٪ من سكان إندونيسيا) وتشجع على الحوار معهم ومع كافة الأديان بشكل عام، وهي تستضيف القيادات المسيحية للنقاشات باستمرار.

يقول لي ديهايوتون أحمد، أحد مدرسي جونتور المرموقين، إن المدرسة منفتحة على المجموعات الإسلامية المختلفة في البلاد، وأنها نقطة التقاء لها جميعًا، دون التمسك باتباع واحدة دون أخرى، فإلى جانب مجلس علماء إندونيسيا، هناك من ينافسه مثل مجموعة نهضة العلماء المحافظة، والمحمدية الأكثر اعتدالًا وميلًا للتعاليم الحديثة، وكل هذه المجموعات تملك عشرات الملايين من الأتباع بطول إندونيسيا، وتقدم التعليم والرعاية الصحية في الريف حيث تغيب الخدمات العامة للدولة، هي ببساطة عشرات من جماعات الإخوان التي نعرفها في العالم العربي مجتمعة ومتنافسة، بل وربما عشرات من الحركات الإسلامية لا واحدة فقط.

تقول روبين بوش، باحثة العلوم السياسية والخبيرة في السياسة الإسلامية بإندونيسيا، إن الكثير من البِسانترِن تعتبر معاقل للحوار والاختلاف، لاسيما وهي تعلّم الطلاب من البداية الاختلافات بين المدارس الفقهية الأربعة المختلفة، وبالتالي تخلق عن طلابهما مبدأ التباين في الآراء في وقت مبكر.

من أين يأتي الإرهاب إذن؟
في الواقع، يرى بعض الباحثين أن الجامعات العلمانية، وليس المدارس الإسلامية، هي التي تفرّخ الإسلام الراديكالي، وهو ما أشارت له سيدني جونز بالنظر إلى معظم المشتبه فيهم من الإرهابيين في السنوات الأخيرة، والذين يأتي معظمهم من المدارس الحكومية لا البِسانترِن.

بدوره، يعطي لنا الباحثون، مارك وودوارد، وعناية رحمانية، وعلي أمين، وديانا كولمان، تفسيرًا منطقيًا لذلك، وهو أن مجموعات الدراسة القرآنية الراديكالية السرية، المعروفة بـ "بينجاجيان تِرتوتوب" (pengapian tertutup)، تنتشر بشكل كبير في المجالات العلمانية الرخوة، والتي لا تتمتع بإشراف شديد كما في البِسانترِن، أضف إلى ذلك أن عدم معرفة الكثير من مرتادي الجامعات العلمانية بدقائق العلوم التقليدية الإسلامية يجعلهم عرضة بسهولة للتفاعل مع الدعاية الراديكالية التي تقدمها تلك المجموعات، نظرًا لكونهم مسلمين في نهاية المطاف.

علاوة على ذلك، ونظرًا لكونهم قاطني المجال الحديث والحضري تكون روابطهم الاجتماعية أضعف، وانجذابهم لأي خطاب أيديولوجي متمركز حول الهوية، وبالتالي استعدادهم للشعور بالعزلة والغربة، وقبول مهاجمة محيطهم الاجتماعي، أكبر، وهي ظاهرة معروفة في المدن الحديثة بشكل عامل وتحدث عنها علماء اجتماع كثر أبرزهم إميل دوركايم، والذي صك مصطلح الأنومي (anomie) ليعبر عنها.

على العكس منهم يعيش خريجو البسانترِن، والذين يرتبطون أكثر بمجتمعاتهم ويصعب أن يقوموا بأفعال إرهابية تجاههم بهذه السهولة، كما يعلمون دقائق الفقه والشريعة بشكل لا يجعلهم ضحية لأي حديث عام عن الجهاد بعد أن درسوا شروطه ومعانية في القرآن والحديث، وهي رؤية مركّبة لمدى تنوع وثراء الفكر الإسلامي تجعلهم بمنأى عن الاقتناع بأفكار بسيطة ومتطرفة كتلك التي تقدمها المجموعات الراديكالية.

تباعًا، يعني هذا ببساطة أن معاقل الإرهاب موجودة حيثما لا يسلط الضوء كثيرون، وكجزء من مشاكل أوسع تسم المجتمع الحديث الذي يعيش في المراكز الحضرية، وأنها ليست مجرد هدف واضح ومحدد وسهل الاستهداف بل إشكالية اجتماعية معقّدة تحتاج للاشتباك معها لا محاربتها بالمعنى الكلاسيكي.

أما البسانترِن، والمتهمة أحيانًا بالارتباط بالإرهاب، فهي في الواقع خط من خطوط الدفاع الرئيسية بمواجهة الإرهاب وجذوره، على عكس ما يظن كثيرون.