إثر انهيار الخلافة وظهور حملات التغريب للمجتمعات الإسلامية تصدّى الإمام حسن البنا بفكرة مفادها أن الإسلام ليس هو المشكلة وأسّ البلاء، بل إنّ الحل كل الحل في ثناياه، هذه الفكرة كانت مهمة ومتسقةً مع واقع المجتمع آنذاك، إذ زحزت الصدمة التي تعرضت الأمة الإسلامية لها بفقد الخلافة الكثير من المسلمينَ عن إيمانهم بالإسلام كفكرة قابلة للحياة، في وقت كانت الأنظار كلها تتساءل حول صلاحيته للتعايش مع واقع الدولة الحديثة فضلاً عن الإصلاح.

اليوم يختلف الأمر تمامًا، فلم يعُد السؤال الذي يواجه أصحاب مشروع الإسلام السياسي أين الحل؟ ليكون جوابه في الإسلام هو الحل، بل السؤال هو: "كيف" يكون الإسلام هو الحل؟ وعلى يد من؟

فبالنظر إلى الأوضاع التي آل إليها ربيع الثورات، والانتكاسة التي لحقت بالإسلاميين نتيجة فشلهم - أو إفشالهم لا فرق - في إدارة دفّة الأمور، فإنّ ما يعرف بـ "الإسلام السياسي" بات يرزح تحت وطأة ضربات متلاحقة تتفاوت ما بين الاجتثاث الكلّي تارةً أو التضييق الأمني والضغط السياسي مع التهديد بما هو أشد وأقسى تارات أخرى، والتنظيم الأسّ - أعني تنظيم جماعة الإخوان المسلمين - مايزال دون مستوى الأحداث، مكتفيًا بردّات الفعل في أحسن حالاته، هذا كله عزز وبقوة حضور سؤال الـ "كيف"، لأن جوابه مرتهن بالنتائج وحدها.

ولعل من نافلة القول هنا التذكير بأن الفكرة حينما تلمع في ذهن أصحابها فإن دافعيتها سواء المكتسَبة من الإيمان بها مع الحماسة أولاً، والجديد الفتيّ الموائم للمرحلة التي أتت فيها ثانيًا، أو الباعِثة على التفاعل مع محيطها نشرًا وإنضاجًا، وإيجاد الحلول للمعضلات الراهنة، هذه الدافعية هي إحدى أهم أسباب نجاحها، ولذا نجحت الفكرة لتتبلور فيما بعد بإنشاء تنظيم "جماعة الإخوان المسلمين"، مكتسبة زخم التيار الذي صنعته داخل الشارع المصري، فكسبت التنظيم والتيار معًا، ثم بدأت بخسارة الثاني على حساب الأول رويدًا رويدًا.

فعندما تتحول الفكرة إلى عمل، ويتحول العمل إلى تنظيم، ثم ينشغل التنظيم بأعباء نفسه عن العمل لتلك الفكرة، فابحث عن الحل، وهذا واجب أبناء الجماعة اليوم، فالتنظيم إذ يمتاز بامتلاكه القدرة على التحكم والإدارة، لكن التيّار هو الأكثر تأثيرًا في المجتمع على المدى البعيد، كما أن التيار مرن غير متصادم مع مكونات المجتمع أو النظام في حين أن الحساسية من التنظيم أعلى ويحمل احتمالية أكبر للصدام مع صعوبة في الاحتواء للتباينات.

 هنا دعونا نستشهد بحالة المجتمع السوري قبيل ثورته المباركة ، فنظام الأسد المعادي لكل ما هو إسلامي وقتها - ولكل إنساني الآن -، قام بسحق تنظيم الجماعة بشكل تام، وبحكم ارتباط الأفراد بالفكرة كان طبيعيًّا أن يلتحموا بالمجتمع وينتشروا فيه بشكل غير منظم، لتشهد الساحة السورية في سنوات ما قبل الثورة نشاطًا إسلاميًا دعويًا وشرعيًا بشكل كبير، متحررة من حساسية وجود "تنظيم" داخل المجتمع ليتصدرالمشهد مجموعة من العلماء والدعاة - من الإخوان وغيرهم - وعلى رأسهم الشيخ البوطي والشيخ مصطفى البغا والشيخان سارية وأسامة الرفاعي والدكتور محمد راتب النابلسي وشيخ قرّاء الشام كريّم راجح وغيرهم الكثير والكثير، ليشكلّوا في كل ذلك تيّارًا داخل المجتمع دون التشاحن مع أي من مكوناته أو الاصطدام المباشر بالسلطة.

هل نريد التنظيم أم التيار؟ أهما نقيضان فضلًا عن كونهما ضدان الثالثُ فيهما مرفوع؟ وهل يمكن استعادة زخم الثاني دون التأثير على الأول، أم أننا أدخلنا أنفسنا بتلازم موهوم؟ وهل فكرة حل التنظيم على حساب التيار واردة أو يمكن النقاش فيها ابتداءً؟  قد لا نملك بعض الإجابات فلنملك على الأقل شرف السؤال.

"اللهم أخرجنا من ضيق المذهبية إلى رحابة الإسلام".

"اللهم أخرجنا من ضيق التنظيم إلى سعة التيّار".