مضى على تسلم سلمان بن عبدالعزيز الحكم قرابة الشهر حدثت خلاله العديد من التغييرات في الوسط الداخلي للملكة، حيث قام الملك الجديد بإصدار عدة قرارات تضمن هيمنة السديريين على السلطة؛ فعيَن ابنه محمد بن سلمان في ثلاثة مناصب مهمة، ومحمد بن نايف كولي لولي العهد، بالإضافة إلى الكثير من الإقالات التي عُين مكانها أشخاص مقربون من الملك، لعل أبرزها إقالة ابنيّ الملك عبدالله متعب مشعل وتركي من إمارتي مكة والرياض وإقالة بندر بن سلطان من منصبه كأمين عام مجلس الأمن الوطني، إلى جانب ذلك قام الملك سلمان بإصدار عدد من القرارات الداخلية التي تخص الشعب والتي تضمنت صرف راتب شهرين لموظفي الدولة وطلاب وطالبات الجامعات واعتماد 20 مليار ريال لتنفيذ خدمات الكهرباء والمياه والعفو عن السجناء في الحق العام، والتسديد عن المدينين وغيرها من القرارات التي بلغ مجموع نفقاتها أكثر من 110 مليار ريال.

وهنا نجد أن قررات الملك سلمان عند توليه الحكم مشابهة بشكل كبير مع قرارات الملك عبدالله عندما تولى الحكم في 2005، فالملك عبدالله أمر أيضًا بصرف راتب شهر لموظفي الدولة وطلاب وطالبات الجامعات، صرف 6 مليار ريال لتحسين خدمات الكهرباء والمياه، العفو عن سجناء الرأي العام، والتسديد عن المدينين، وغيرها من القرارات بلغ مجموع نفقاتها أكثر من 30 مليار ريال، فبعد 10 سنوات جاء ملك آخر بقرارات سطحية مماثلة لا تحدث تغييرًا جذريًا أو حتى تغييرًا ملموسًا.

لذلك، الملك سلمان كان صادقًا عندما قال إن سياسة المملكة لن تتغير وسوف تسير على النهج الذي اتبعته منذ تأسيسها، وهذا يبدو جليًا، فمن غير المتوقع أن يتغير شيء في سياسة المملكة الداخلية سوى التغييرات التي طرأت على المناصب العليا في الدولة.

أما بالنسبة لسياسة المملكة الخارجية فقد ظهرت الكثير من التوقعات التي تشير إلى أن الملك سلمان قد يعتمد أسلوبًا مغايرًا لسلفه نظرًا لبعض الأحداث التي طرأت عند استلام سلمان للحكم، إلا أن هذه التوقعات بدأت تتبدد مع مرور الأيام، وبالرغم من أنه لم يمض على حكم الملك سلمان الشهر إلا أن القرارات التي اُتخذت والأحداث التي حدثت تشير الآن إلى أنه من غير المتوقع حصول تغيير جذري، قد تطرأ تغييرات طفيفة إلا أنها لن تكون جذرية لدرجة اتخاذ سياسة جديدة أو إحداث تغيير في المنطقة مثل قرارات الملك عبدالله.

الملك عبدالله رحل وترك ورائه العديد من القرارات التي لم تأخذ شكلها الكامل بعد ولم تظهر نتيجتها الكلية بعد، وأصبح على عاتق الملك سلمان أن يتعامل مع تلك القرارات، فهناك أولاً العلاقات الأمريكية السعودية التي كانت مستقرة طيلة سنوات حكم آل سعود، إلا أنه في الأعوام الأربعة الأخيرة من حكم الملك عبدالله بدأ يصيب هذه العلاقات بعض التوتر الذي يعزى إلى أحداث الربيع العربي التي كانت تمثل رعبًا للملك عبدالله وكان يتوقع من الحكومة الأمريكية أن يكون لها دور في التصدي لهذه الثورات لإبقاء حلفائهم في الحكم إلا أن الحكومة الأمريكية لم يكن لها دور فعّال مطلقًا، وتذكر النيويورك تايمز أنه في يناير 2011 كان الملك عبدالله غاضبًا جدًا في اتصال مع الرئيس أوباما لأنه قرر التخلي عن حسني مبارك لدرجة أن الملك أغلق السماعة في وجهه، وأنه في مكالمتين مع أوباما أبدى استيائه الشديد من دعم أوباما للديموقراطية في المنطقة، وقال إنها خطيرة وأنه لن يتحمل المعارضة التي تحصل في المناطق المجاورة، ثم هناك العلاقات الأمريكية الإيرانية التي تطورت وتحسنت حديثًا؛ ما كان محبطًا للملك عبدالله أيضًا نظرًا لأن إيران تمثل خطرًا على السعودية.

والآن بعد تولي سلمان للحكم يبدو أن العلاقات بدأت تعود لطبيعتها، ففي اليوم الثاني من وفاة الملك عبدالله قرر الرئيس أوباما أن يقطع رحلته إلى الهند ليذهب إلى السعودية لمقابلة الملك سلمان، كما صرح مسؤول إداري في الحكومة الأمريكية أن العلاقات مع الملك سلمان قد أعادت الأمور إلى طبيعتها تقريبًا.

ومن أكثر القرارات خطورة التي اتخذها الملك عبدالله قرار خفض أسعار النفط بضخ كميات كبيرة من النفط حتى وصل سعر البرميل إلى ما يقارب 50 دولارًا بعد أن كان سعره أكثر من 100 دولار، وجاء هذا القرار للضغط على حلفاء بشار الأسد روسيا والصين في محاولة لنزع الأسد من السلطة بعد تردد أوباما في استخدام القوة معه، بالرغم من أن هذا القرار يضر باقتصاد السعودية المعتمد على النفط اعتماد شبه كلي.

وهنا ظهرت بعض الاعتقادات أن موت الملك عبدالله قد يغير من هذا القرار خصوصًا بعد ارتفاع الأسعار 2%، إلا أن الملك سلمان أكد أنه لن يغير إستراتيجية خفض أسعار النفط.

ثم هناك العلاقات المصرية السعودية التي أحدثت جدلاً كبيرًا بعد دعم الملك عبدالله لانقلاب السيسي بمليارات الدولارات، فقد قوبل ذلك باستنكار واعتراض شديد من داخل وخارج السعودية، فالملك عبدالله كان يرى في وصول الإخوان المسلمين للسلطة خطرًا على حكمه لدرجة أنه عدهم جماعة إرهابية.

ومرة أخرى جاءت توقعات بأن الملك سلمان سوف يغير من طبيعة العلاقات بالتقرب من الإخوان المسلمين، وقد صرح مرة أنه يؤيد بقاء مرسي كرئيس حتى انتهاء مدة حكمه؛ مما قد يشير إلى أنه لن يقف في صف السيسي، ولكنه ما لبث أن أعلن عن دعمه للسيسي، بعد ظهور تسريبات السيسي، قائلاً إن العلاقات مع مصر ستبقى كما هي، ولكن من غير المتوقع أن يكون دعمه للسيسي بنفس الأسلوب الذي اتخذه الملك عبدالله.

إلا أن هناك اختلاف مهم بين الملك عبدالله والملك سلمان، فالأخير لا يحمل من العداء للإخوان المسلمين أو للإسلاميين بشكل عام مثل الملك عبدالله، ويبدو أنه أكثر تسامحًا معهم.

وبالنسبة لإيران فما زالت تُعتبر خطرًا على السعودية، والملك سلمان يشارك رؤية سلفه في ضرورة الحد من تأثير إيران في المنطقة ومنعها من الاستمرار في برنامجها النووي، وفي محادثة مع ستة زائرين من أعضاء الكونجرس أكد الملك سلمان خطر إيران إذا ما استطاعت أن تطور أسلحة نووية، بالرغم من أن هناك إيحاءات من إيران على رغبة في إصلاح العلاقات مع السعودية، حيث أخبر السفير الإيراني للبنان محطة راديو أن إيران "تسعى لإنشاء علاقة أخوية مع المملكة العربية السعودية قائمة على الاحترام المتبادل".

أما بالنسبة لفلسطين، فقد تبين أن حماس قد أعربت عن رغبتها في بناء علاقات مع الملك الجديد وأبدت تعازيها لوفاة الملك عبدالله، وقد يكون ذلك بسبب العلاقات الوثيقة بين مصر والسعودية، حيث تراها حماس فرصة لتخفيف حدة الموقف المصري تجاه حماس، ولكن لا يبدو أنه سيحصل تطور للموضوع في الزمن القريب بسبب الأحداث المحيطة بالمملكة والتي تستدعي اهتمامًا مباشرًا من الملك، وقد قال عضو في مجلس الشورى السعودي لموقع المونيتور إن "حماس والسعودية يجب أولاً أن يتعرفوا على طبيعة السياسة التي تحكم علاقتهم، الملك لديه أجندة عالمية ومحلية وحماس قد تضطر إلى حصر دائرة أعدائها قبل أن تكون صداقات وحلفاء في الرياض، لديها الحق في ذلك ولكنه من المبكر عمل ذلك الآن".

وبالطبع فإن تنظيم الدولة الإسلامية مازال يُعد خطرًا على السعودية، والملك سلمان مازال ملتزمًا في التحالف ضد التنظيم.

وربما كان التغيير الوحيد الذي طرأ هو محاولة إعادة العلاقات مع قطر بعد أن أصبحت حرجة جدًا في عهد الملك عبدالله بسبب دعم قطر للإخوان المسلمين، إلا أن زيارة الأمير محمد بن نايف لقطر قد يكون مؤشرًا على محاولة لاسترجاع العلاقات.

ويبقى الوضع اليمني من غير إجابة حاليًا على الرغم من خطورته، فليس واضحًا كيف سيتعامل الملك سلمان مع التحديات في اليمن بعد وصول الحوثيين للسلطة عدا تسليح القبائل الموالية لها في اليمن عبر حدودها الجنوبية لدعمهم ضد الحوثيين.

لا شك أن الملك سلمان أحدث تغييرًا كبيرًا في القصر الرئاسي ومناصب السلطة وعمد إلى تنحية رجال الملك عبدالله الأقوياء واستبدالهم بأشخاص مقربين إليه؛ مما اعتبره بعض المحللين انقلابًا، إلا أن ذلك يكاد يكون التغيير الأكبر والأهم منذ توليه الحكم، ففي الشأن الداخلي عدا إنفاق المليارات على المشاريع المعتادة لم يتم اتخاذ قرارات تحدث تغييرًا جذريًا، وعلى الصعيد الخارجي رغم حدة الأحداث لا يبدو أن هناك تغيير جذري أيضًا في السياسة المتبعة، وقد طرأت بعض التغييرات الصغيرة ولا بد من ذلك، إلا أنه لا يمكن توقع أن يتخذ قرارات تؤثر على المنطقة كما فعل الملك عبدالله.