يبدو أن النفط سيصبح نقطة تهدئة بين السودان ودولة جنوب السودان وذلك بدلا من الحرب الباردة التي نشبت بينهما عقب انفصال الجنوب عن الشمال منذ أكثر من عامين، وليمثل مرحلة من التعاون الإقتصادي الإجباري عوضا عن الحرب الدامية التي استمرت لسنوات طويلة بين الشمال والجنوب وانتهت بالإنفصال.

فقد خسرت الخرطوم مليارات الدولارات من العائدات النفطية منذ انفصال جنوب السودان الذي يوجد به 75 %  من إنتاج النفط في السودان قبل الانفصال. 

وأصبح السودان يعاني من تزايد كبير في معدل التضخم وتراجع في قيمة العملة المحلية ومن نقص كبير في العملات الأجنبية لتمويل وارداته، غير أن اتفاقية السلام الموقعة بين الشمال والجنوب تقضي بحصول الخرطوم على رسوم مقابل مرور نفط الجنوب عبر خط أنابيب يمر بالأراضي السودانية وصولا إلى ميناء بور سودان على البحر الأحمر لتصديره إلى الخارج حيث أن جنوب السودان دولة  مغلقة لا تطل على بحار، وهذه الرسوم عوضت إلى حد ما فقدان السودان لمعظم الموارد البترولية التي كان يسيطر عليها.

ومع ذلك وفي ظل حرب باردة بين الشمال والجنوب رغم توقيع اتفاقية للسلام بينهما، ومع اتهام الخرطوم لجوبا عاصمة الجنوب بدعم المتمردين والإنفصاليين الذين يقاتلون الحكومة السودانية توقف العمل بنظام مرور بترول جنوب السودان عبر خط أنابيب الشمال، وكانت حكومة جنوب السودان قد أوقفت إنتاج النفط خلال الفترة من يناير/ كانون ثان إلى أبريل/ نيسان من عام 2012، ثم قلصت الإنتاج اعتبارا من يونيو/ حزيران من نفس العام بسبب الخلافات.

وأكد بنك السودان المركزي أن جملة ما فقدته دولتا السودان وجنوب السودان من جراء وقف تدفق النفط بلغ 20 مليار دولار منها خمسة مليارات من جانب الخرطوم و11 مليارا من جانب جوبا والباقي خسائر لشركات التصدير.

وبدت آمال عودة التعاون النفطي بين البلدين عقب توقيع اتفاقية تضمن تدفق بترول الجنوب عبر أراضي الشمال، وذلك خلال القمة التي جمعت مؤخرا في الخرطوم بين الرئيس السوداني عمر البشير ورئيس جنوب السودان سيلفا كير، الأمر الذي جنب البلدين الصدام حول مرور نفط الجنوب إلى ميناء التصدير. 

ومن المتوقع أن تسهم هذه الإتفاقية في تحسين الأوضاع الإقتصادية بالبلدين عن طريق زيادة الموارد المالية، ويقدر صندوق النقد الدولي أن الإقتصاد السوداني سيحصل على دفعة تدعمه عام 2014 قدرها 5 ر1 مليار دولار كرسوم لمرور البترول بمقتضى الصفقة التي تم التوصل إليها لتعويض السودان عن فقدان البترول بعد الإنفصال، ويرى الصندوق أن هذا المبلغ سيسهم في تحسين الأحوال المعيشية لأبناء السودان.

وتأتي هذه الإتفاقية في وقت يمر فيه الإقتصاد السوداني بالعديد من المصاعب، حيث تعتزم الحكومة إلغاء الدعم على المشتقات البترولية مما قد يتسبب في ارتفاع أسعارها وعودة تظاهرات الإحتجاج إلى الشارع السوداني، بينما أوضح وزير المالية والإقتصاد علي محمود الرسول أن الإبقاء على الدعم يجعل الحكومة السودانية تتحمل الفارق بين سعره العالمي والسعر الذي يباع به في السوق المحلية.

ويأتي الإتجاه لإلغاء الدعم على المشتقات البترولية كمحاولة من جانب الحكومة لإحداث قدر من التوازن في الإقتصاد الوطني الذي يعاني من المتاعب مما أثار موجة من الإحتجاجات العام الماضي، حيث أدى رفع أسعار المحروقات بعد إلغاء الدعم جزئيا إلى مضاعفة أسعار الوقود في محطات التوزيع، الأمر الذي يعني موجة جديدة من ارتفاع الأسعار حيث أن الوقود ينعكس على كل مناحي الأنشطة الإنتاجية والخدمية ويعني ذلك إنتهاء عصر الوقود الرخيص في السودان.

ويستورد السودان ما يقرب من مليون برميل من الديزل والمنتجات البترولية الأخرى شهريا ، ويؤيد صندوق النقد الدولي تقليص هذا الدعم حيث أنه يؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة والتضخم ولا يذهب إلى مستحقيه حيث يستفيد منه الأثرياء بأكثر من الفقراء.

وقال البنك المركزي السوداني إن الاتفاق الأخير سيؤدي إلى انحسار المضاربات في سوق النقد الأجنبي والمساعدة على دفع المفاوضات مع الجهات الدائنة، وأعلن أن الترتيبات جارية لفتح حسابات بين البلدين لتحصيل رسوم عبور النفط.  

ومن ناحية أخرى، قد يساعد هذا الإتفاق في المفاوضات التي يجريها جنوب السودان مع صندوق النقد للحصول على نصف مليار دولار كقرض لمساعدة هذه الدولة الحديثة على استعادة قواها بعد فترة توقف صادراتها البترولية، كما من المقرر أن يساعدها القرض على استئناف تنفيذ عدد من مشروعات البنية التحتية المتوقفة وفقا لما أعلنه محافظ البنك المركزي كورنيليو مايك.

وخاصة بعد أن تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي لدى جنوب السودان بعد أن أغلق الإنتاج في حقول البترول بعد النزاع مع الخرطوم حول تأمين الحدود ورسوم نقل البترول الخام.

وتعتمد حكومة جنوب السودان على البترول للحصول على 98  % من إيراداتها من النقد الأجنبي، وفي ظل الأزمة اتخذ البنك المركزي إجراءات لترشيد استخدام العملة الأجنية من أجل شراء الاحتياجات الأساسية مثل المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء والوقود، وساعد ذلك على تقليص معدل التضخم الذي ارتفع إلى في مايو/ أيار 2012 إلى رقم قياسي بلغ 5 ر79 % وفقا للمكتب الوطني للإحصاء، ويعتزم البنك المركزي التقريب بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازية.

ومن المتوقع أن تساعد الاتفاقية أيضا على تطوير الاقتصاد لدى جنوب السودان الذي يتسم بأنه يعتمد على قطاعين لسكانه البالغ عددهم 8 .10 مليون نسمة، الأول هو القطاع غير الرسمي الذي يقوم على الزراعة والرعي ويعمل به غالبية السكان الذين يعيشون في المناطق الريفية، والثاني وهو الرسمي الذي يتم تمويله من إيرادات البترول والمعونات من الجهات المانحة.

وتسعى الحكومة بجنوب السودان لاستخدام عائدات النفط بعد الاتفاقية لتحسين الأحوال المعيشية وصولا إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي حيث يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر وتبلغ نسبة الأمية 80 %، إلى جانب نقص الكوادر البشرية اللازمة لعملية التنمية الشاملة خاصة مع التطلعات الكبيرة لأبناء الجنوب الذين راودتهم أحلام التقدم الاقتصادي والرخاء بعد عملية الانفصال.

من شأن هذه الاتفاقية أيضا أن تشجع الشركات الأجنبية ومعظمها صينية وماليزية وهندية على زيادة استثماراتها في قطاع النفط بالجنوب والقيام بمزيد من عمليات التنقيب، خاصة وأن جنوب السودان يمتلك ثالث أكبر احتياطيات للنفط في منطقة جنوب الصحراء الأفريقية بعد نيجيريا وأنجولا وتبلغ أكثر من سبعة مليارات برميل.

وكان وقف التصدير قد أدى إلى تراجع إجمالي الناتج المحلي بمعدل النصف إلى نحو تسعة مليارات وثلاثمائة مليون دولار وفقا لتقرير البنك الدولي.

وتحسبا لإلغاء الإتفاقية مستقبلا لأسباب سياسية يتجه عدد من المسئولين بالجنوب لدراسة إقامة خط بديل يمر عبر كينيا أو جيبوتي ليكون أمام الدولة بدائل حتى لا يخنقها الشمال، ولكن ذلك يحتاج إلى استثمارات كبيرة غير موجودة حاليا مما دفع مسئولا كبيرا بالجنوب ليقول إن مستقبل البلدين مشتبك برباط وثيق يصعب قطعه، وإنهما قد يكونا قد انفصلا من الناحية السياسية ولكنهما لا يزالا موحدين من الناحية الاقتصادية.

المصدر: وكالة الأناضول