البداية كانت عقب إعلان عزل الرئيس السابق محمد مرسي من قِبل الجيش في الثالث من يوليو عام 2013، بعدها اندلعت تظاهرات رافضة لانقلاب الجيش في جميع أنحاء الجمهورية قوامها الأساسي من أنصار التيار الإسلامي عامة وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين بالتحديد.

في الخامس من يوليو انطلقت مسيرة لرافضي الانقلاب في الإسكندرية بالتحديد منطقة "سيدي جابر"، تم اعتراض المسيرة ببعض البلطجية واعتلى أسطح المنازل بعض الرافضين من الأهالي لهذه التظاهرات واعتدوا على المشاركين فيها؛ ما أدى إلى مقتل 14 متظاهرًا في هذه الاشتباكات لم يلتفت إليهم أحد ولم يتم التحقيق في قتلهم في القضية التي حكم فيها بالإعدام بعد ذلك، كما قتل 2 من أهالي المنطقة أيضًا في هذه الاشتباكات بعد أن صعد بعض المتظاهرين إلى أسطح المنازل لمنع الأهالي من الاعتداء على المسيرة من أعلى المنازل حتى حدثت اشتباكات بالأعلى وقع على إثرها أحد الأهالي وهو شاب يدعى حماده بدر يبلغ من العمر 17 عامًا ليسقط في أحد المنازل من الداخل ويرقد في المستشفى لساعات ثم توفى وشخص آخر من منطقة الدير بكليوباترا بالإسكندرية.

ظهر فيديو شهير تدوالته وسائل الإعلام بكثرة حينها بعد هذا الحادث لشخص ملتحي يلقي بأطفال من فوق خزان بأعلى سطح منزل ثم اُتهم من قبل الإعلام بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين ومن ثم اتهم بقتل أحد الأهالي وإلقائه من فوق سطح المنزل، ليتم القبض عليه في اليوم التالي وإذاعة التليفزيون المصري اعترافًا له بعملية القتل، لتمرالأيام ويتهم هذا الشخص بقتل هذا الشاب وتسير إجراءات التقاضي بسرعة عجيبة ليصدر حكم بالإعدام على هذا الشاب ويصدق عليه وتُرفض جميع الاستئنافات والالتماسات بحقه ليتنظر تنفيذ الحكم في نهاية فبراير الجاري دون أن تتم محاكمته بطريقة عادلة أو مستوفية لمعايير التقاضي العالمية ودون أن يعلم أحد كيف أُلقي القبض عليه بهذه السرعة؟ وكيف اعترف بنفس السرعة ثم عاد وغير أقواله في النيابة؟ وماذا عن تقرير الطبيب الشرعي في هذا الحادث؟

هذا الشخص الذي ظهر واتهم في الحادثة يدعى محمود رمضان يعمل محاسبًا في أحد شركات البترول المصرية، ظهر في أحد اللقاءات الصحفية بتاريخ 1 ديسمبر 2012 المنشورة في جريدة "الإيجبت إندبندنت" الناطقة باللغة الإنجليزية والتي أجرت معه حوار عبر صحفي مستقل أدلى بشهادته عن محمود بعد ذلك وأكد أنه لا ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين تنظيميًا ولا فكريًا ولكنه من التيار الإسلامي العام وإن كان يجنح للجهادية أحيانًا، ويرى في الاخوان تفريطًا في إقامة الشريعة لكنه يناصرهم لأنهم أقرب الجماعات إلى التدين في هذا الوقت، موضحًا في هذا اللقاء أنه يخرج في جميع الفاعليات ذات الخلفية الإسلامية أيًا كان المنظم لها وهذا ما يوضح سبب تواجده في المسيرة التي انطلقت عقب إعلان عزل الرئيس السابق محمد مرسي.

ولفك لغز كيف ألقت الداخلية القبض عليه بهذه السرعة، محمود هو من سلم نفسه بالفعل بعد نقاش مطول مع محاميه ليعزز موقفه في القضية لاعتقاده أن الأمر بسيط وأنه لم يقم بقتل أحد وبالفعل سلم محمود نفسه إلى الشرطة وبعدها تعرض للتعذيب؛ ما أجبره على الخروج في فيديو والاعتراف بقتل ورمي بعض الأهالي من فوق العمارة، ولكنه عندما ذهب إلى النيابة غير كل هذه الأقوال التي خرجت وأذاعتها كافة الصحف ووسائل الإعلام الرسمية والخاصة.

وعلى الجانب الآخر دأبت صفحات ووسائل إعلام موالية لجماعة الإخوان المسلمين في نفي كون محمود أحد أعضائها وباتت تروج أنها لعبة مخابراتية لدس هذا العنصر لتشويه صورة رافضي الانقلاب، وتارة يردد البعض أنه عضو بالحزب الوطني، كل ذلك لنفي تهمة أنه أحد عناصر الاخوان، وهو أمر صحيح أكده محمود في النيابة حيث قال إنه لا ينتمي لجماعة الإخوان لكنه كان يخرج معهم بشكل دوري في فاعلياتهم من قبل الانقلاب بكثير، لذلك من الطبيعي تواجده في مثل هذه المسيرة وبهذا فقد محمود أي دعم شعبي بعد تبرأ الإخوان منه.

القضية التي اتهم فيها محمود، قُتل فيها 2 من أهالي سيدي جابر و14 آخرين من جانب المتظاهرين لم يتطرق إليهم أحد ولم يتم التحقيق في مقتلهم من جانب النيابة في ظاهرة عجيبة للقضاء في مصر في هذه الآونة حيث يتجاهل دائمًا مقتل خصوم الدولة السياسيين ويحقق في مقتل الموالين للدولة نفس الأمر الذي حدث في قضية الاتحادية.

قضية هذا الشاب بها أكثر من 60 شخصًا حكم عليهم بأحكام مختلفة حضوريًا وغيابيًا بالسجن، لكن محمود هو الوحيد الذي حكم عليه بالإعدام بتهمة القتل العمد باستدعاء الفيديو الذي ظهر فيه محمود ممسكًا براية مكتوب عليه شعار التوحيد، ولكن هذا الفيديو الذي يتداوله الجميع يظهر سقوط أشخاص من فوق خزان بعمارة وثبت بعد ذلك أنه لم يمت منهم أحد وأن سقوط الضحية الوحيدة كان في داخل أحد "المنازل" ولم يظهر الفيديو ذلك مطلقًا؛ بمعنى أنه ليس هناك ركن مادي في الجريمة لتعتمد عليه المحكمة في حكمها بالإعدام، لكن أحدًا لم يهتم بالأمر معتمدين أن الأمر سيرد مرة أخرى من قبل محكمة النقض للعوار القانوني في القضية ولكن محكمة النقض لم تفعل وصدقت على الحكم وأرسلته إلى رئاسة الجمهورية.

هذه القضية هي مثال صارخ لتسييس القضاء في مصر، حيث حُكِم على أحد المتهمين بالإعدام نتيجة لميول الرأي العام إلى السلطة في هذه القضية من خلال مقطع مصور لا يظهر أي إدانة للمتهم سوى الاشتراك في مسيرة لمعارضي النظام حدثت بها اشتباكات بين الأهالي والمسيرة وكان المتهم أحد الذين ظهروا في الاشتباكات لكنه لم يظهر أبدًا من دفع المجني عليه من أعلى السطح.

هذه القضية قد يستخدم فيها هذا الشاب ليكون "بالونة اختبار" لبداية إعدامات بحق معارضي السلطة الحالية في مصر وخاصة من قادة جماعة الإخوان المسلمين المحكوم على بعضهم بأكثر من إعدام في قضايا مختلفة، وذلك لقياس ردة فعل الرأي العام الداخلي والعالمي على مثل هذا التصرف من السلطة، وقد يكون كبش فداء لترهيب معارضي السلطة ليس إلا، ولكن الثابت من الأمر أنها ليست قضية بها معايير تقاضي أو استندت إلى أدلة أثناء صدور الحكم في هذه القضية.

صدرت عدة حملات تضامن مع الشاب الذي حُكِم عليه بالإعدام ونددت عدة منظمات حقوقية بهذا الحكم الصادر بحقه وأوصت بإيقافه وإعادة محاكمته مع توفير كافة حقوق المتهم من دفاع عن النفس.

هذا وقد أصدرت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان توصية بإيقاف إعدم محمود رمضان، حيث أرسلت برسالة إلى الجنرال عبدالفتاح السيسي تطالبه بإيقاف حكم الإعدام بحق محمود رمضان عبدالنبي والذي تقرر إعدامه في الثامن والعشرين من فبراير الجاري.

وجاءت الرسالة التي بعث بها بشير خلف الله، نائب رئيس المفوضية الأفريقية لحقوق الإنسان ردًا على شكوى قدمها المحامي الحقوقي أحمد مفرح وعبدالرحمن حسن منسق حملة تضامن، نيابة عن محمود رمضان و57 آخرين ضد جمهورية مصر العربية.

وجاء في الشكوى أن محكمة جنايات الإسكندرية كانت قد حكمت بإعدام محمود حسن رمضان شنقًا، وبسجن آخرين لمدد مختلفة مع الأشغال الشاقة، وأكدت الرسالة حسب الشكوى التي قُدِمت أن الضحايا تعرضوا للتعذيب على يد قوات الأمن، والذين كان بعضهم متنكرين في زي مدني، فيما كان بعضهم يرتدي زي الشرطة الرسمي، أثناء تفريق احتجاجات في الإسكندرية في 5 يوليو 2013، والتي أسفرت عن مقتل 20 من المتظاهرين.

ويؤكد محامو الدفاع بحسب الشكوى أنهم قاموا بتقديم عدد من الطلبات التي من شأنها أن تغير مجرى المحاكمة، بما في ذلك طلب إعادة استجواب الضحايا، الذين يؤكدون تعرضهم للتعذيب البدني والنفسي بهدف انتزاع الاعترافات منهم.

وتضيف الشكوى أن محكمة النقض المصرية رفضت طلب الضحايا بنقض الحكم في يوم 5 فبراير 2015؛ ما يجعل من حكم الإعدام نهائيًا وجاهزًا للتنفيذ، كما أكد مقدم الشكوى أن الأوضاع في مصر شديدة الخطورة وأنه ليس هناك أي وسيلة للوصول للعدالة.

وقد طلبت الشكوى من المفوضية الأفريقية استدعاء المادة 98 من نظامها الأساسي وإصدار التدابير الاحترازية لمنع ضرر لا يمكن إصلاحه بالضحايا، وقال خلف الله في رسالته الموجهة إلى السيسي أنه يود استدعاء طلب التدابير الاحترازية فيما يخص الشكوى رقم  467/14 - 529  بشأن الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام والمقدمة ضد مصر بتاريخ 25 أبريل 2014.

 خطاب الاستئناف تم بتاريخ 2 أبريل 2014، وكذلك قرار المفوضية رقم 287  بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر والذي تبنته المفوضية في دورتها غير الاعتيادية في يوليو 2014، والتي تطالب الحكومة المصرية بتحقيق المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة، ووقف عقوبة الإعدام والتمسك بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأكدت الرسالة أنه إذا كانت الشكوى صحيحة فإنها ستشكل سببًا كبيرًا للقلق، لأنها تمثل انتهاكًا صارخًا للميثاق الأفريقي الذي تُعد مصر طرفًا فيه، حيث تحظر المادة الرابعة من الميثاق الأفريقي الحرمان من الحق في الحياة، وتحظر المادة الخامسة جميع أشكال التعذيب، والمعاملة اللاإنسانية والمهينة، وتنص المادتين السادسة والسابعة على الحق في الحرية الشخصية والحق في محاكمة عادلة، في حين تضع المادة 26 الدول أمام التزام بضمان استقلال القضاء.

الآن ينتظر الجميع رد فعل السلطات المصرية، وهي التي لم تخالف قرارات اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان في أي حادثة سابقة، على هذه الرسالة من المفوضية بتقرير واف كما طالبت اللجنة الأفريقية، ليتقرر إذا ما كان سيتم تنفيذ حكم الإعدام ليكون أول حكم إعدام ينفذ عقب انقلاب الثالث من يوليو بحق أحد معارضي السلطة أو سيتم تعليق الحكم لأجل غير مسمى.