شهدت إحدى شوارع العاصمة الروسية موسكو مساء الجمعة مقتل السياسي المعارض المعروف ونائب رئيس الوزراء في عهد يلتسين، بوريس نِمستوف، حيث قُتِل قرب الكرملين بأربع طلقات انطلقت من سلاح شخص مجهول بسيارة بيضاء سرعان ما انطلقت دون معرفة هويتها أو هوية راكبيها.

بمجرد انتشار الأخبار، اتهمت روسيا من قالت إنهم يحاولون إثارة التوتر السياسي، لاسيما وأن جريمة كهذه ستزيد من العلاقات سوءًا مع الغرب، إذ قالت لجنة التحقيق إن الجريمة قد تكون على صلة بالصراع في أوكرانيا، أو بالإسلاميين المتطرفين، بيد أنه باستثناء الصوت الرسمي في موسكو، توجهت أصابع الاتهام كلها إلى النظام الروسي ورئيسه فلاديمير بوتين.

"مقتل زعيم معارض في القرن الواحد والعشرين وعلى أعتاب الكرملين بهذا الشكل يعني أن البلاد تتجه نحو الهاوية"، هكذا صرّح رئيس الوزراء الروسي الأسبق والمعارض الآن، ميخائيل كاسيانوف، للصحافيين بينما اتجهت الشرطة لمسرح الجريمة، وانتُشِل جثمان نمستوف في كيس بلاستيكي.

كان من المقرر أن يقود نمستوف مسيرة احتجاجية كبيرة اليوم، وكان قد أدلى بحديث قبل مقتله بساعات إلى إحدى المحطات الإذاعية حثّ فيها الروس على المشاركة، وقال إن المصاعب الاقتصادية التي تعانيها البلاد نتيجة طبيعية لسياسات بوتين في أوكرانيا، والتي أدت للعقوبات والعزلة التي تعيشها روسيا حاليًا.

"لقد كان نمستوف محرّكًا مهمًا في الاحتجاجات الجارية حاليًا، وقد قام بتنسيق مختلف جهود القوى السياسية، وامتلك قدرات تنظيمية ومالية هائلة"، كذا كتب فلاديمير ميلوف، نائب وزير الطاقة الأسبق والناشط المعارض حاليًا على مدوّنته، مشيرًا إلى أن استهداف نمستوف تم عن طريق السلطات مباشرة، أو القوميين الذين يدعمهم الكرملين.

من هو بوريس نمتسوف؟

وُلِد نمستوف في مدينة سوتشي على شواطئ البحر الأسود عام 1959، ودرس الفيزياء في جامعة جوركي الحكومية، ثم عمل باحثًا بمعهد جوركي لبحوث الراديو الفيزيائية، قبل أن يدخل إلى عالم السياسة في أواخر الثمانينيات، حيث رشح نفسه لمجلس النواب السوفيتي عام 1989 ببرنامج إصلاحي دعا فيه إلى الملكية الخاصة والديمقراطية متعددة الأحزاب، وكانت تلك الأفكار راديكالية نسبيًا آنذاك، ولكنه لم ينجح في الفوز.

عام 1990، رشح نمستوف نفسه مجددًا للبرلمان السوفيتي ممثلًا عن ولاية جوركي (سميّت لاحقًا نيجني نوفجورود)، ونجح هذه المرة في دخول البرلمان، ليصبح جزءًا من الائتلاف الإصلاحي ومجموعات يسار الوسط، وعضوًا باللجنة التشريعية التي عملت على تحرير التجارة الروسية من القيود السوفيتية، وكانت هذه الفترة هي التي تأسست فيها علاقته مع الرئيس الأسبق بوريس يلتسين، حيث نال نمستوف إعجاب الرئيس لاسيما بعد دعمه له بوجه هجمات المعارضين له في أوائل التسعينيات.

في عام 1991، حصل نمستوف على منصب ممثل الرئاسة في منطقة نجني نوفجورود، ثم أصبح المحافظ في غضون شهر، وأشرف على برنامج لإصلاح الولاية شمل سياسات رأسمالية لتحرير السوق وأدى لمعدلات نمو مرتفعة، وهي إصلاحات أثنت عليها رئيسة الوزراء المحافظة البريطانية السابقة مارجرت تاتشر في زيارة للولاية.

عام 1997، تولى نمتسوف منصب نائب رئيس الوزراء، واضطلع بمهمة إصلاح قطاع الطاقة، وأصبح اسمه معروفًا للكثير من الروس، ورأى كثيرون أنه مرشح لخلافة يلتسين في رئاسة الاتحاد الروسي، إذ حصل على دعم أكثر من 50٪ من الروس كمرشح رئاسي طبقًا لاستطلاع رأي أُجري عام 1997.

تحطم رصيد نمتسوف السياسي مع الأزمة الاقتصادية التي عصفت بروسيا في أواخر التسعينيات، إذ استقال مع حل الحكومة عام 1998، ليتجه لتأسيس حزبه الخاص، اتحاد القوي اليمينية عام 1999، والذي حصل على 8.6٪ في الانتخابات البرلمانية، ليصبح نمستوف عضوًا بالبرلمان (الدوما)، ثم المتحدث باسمه عام 2002.

مع صعود بوتين إلى السلطة في مطلع القرن، لم يستطع نمتسوف أن يتوائم مع النظام الجديد، وكان معارضًا لما رآه تراجعًا عن اتجاه روسيا الإصلاحي تحت قيادة الرئيس الجديد، وإثر خسارة اتحاد القوى اليمينية في الانتخابات عام 2003 بحصوله على 4٪، وهي نسبة لم تؤهله لدخول الدوما الذي يتطلب 5٪، استقال نمتسوف من رئاسة الحزب، ليصبح منذ ذلك الوقت في صفوف المعارضة.

رُغم شخصيته ودأبه على الحراك السياسي، لم يكتسب نمستوف في الفترة الأخيرة شعبية كبيرة بين الروس، وكان قد خسر انتخابات رئاسة مدينة سوتشي عام 2009، كما فشل حزبه الجديد أر بي أر بارنس RPR PARNAS، الليبرالي الرأسمالي، في الحصول على نسبة الـ5٪ المطلوبة لدخول الدوما (البرلمان الروسي)، رُغم تحفظات الكثيرين بالطبع على الانتخابات الروسية الأخيرة وشفافيتها.

مع ذلك، ظل نمتسوف صوتًا بارزًا، وكان أحد المشاركين بقوة في احتجاجات 2011 و2012 بموسكو، كما نشر مجموعة من التقارير عن فساد النظام الروسي في عهد بوتين، أشهرها التقرير الصادر عام 2013 عن الفساد والرشاوى التي وقعت أثناء التحضير لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي جرت في سوتشي العام الماضي، وكان يعمل على تقرير آخر عن دور روسيا في أنشطة الانفصاليين في شرق أوكرانيا منذ أبريل الماضي قبل أن يلقي مصرعه، وهو تقرير سيصدر قريبًا، طبقًا لصديق نمستوف، إليا ياشين، الناشط المعارض أيضًا.

ردود أفعال دولية

"لقد كان مدافعًا عن بلده بلا هوادة، وطامحًا لتعزيز حقوق مواطنيه الروس المشروعة في صراعه الشجاع والمُخلِص بوجه الفساد في روسيا"، هكذا نعى الرئيس الأمريكي باراك أوباما مقتل نمتسوف، مطالبًا الحكومة الروسية بتحقيق فوري عادل وشفاف، في حين صرّح إد رويس، الرئيس الجمهوري للجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، أن "الفوضى وغياب القانون يسودان روسيا اليوم، وأن الجريمة المفزعة التي جرت، بغض النظر عن مرتكبيها، تعدٍ واضح على كل من يتجرأ وينتقد نظام بوتين".

بدوره، قال المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنغلا مِركِل أنها مستاءة ومصدومة من مقتل نمتسوف، في حين طالب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بتحقيق روسي في الجريمة "الجبانة"، كما وصفها، والتي وصفها مكتب الرئيس الفرنسي بـ "الاغتيال" دون مواربة، وهو نفس الوصف الذي استخدمته الممثل الأعلى للسياسية الخارجية للاتحاد الأوربي، فريدريكا موغريني.

من ناحيته، نعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نمتسوف قائلًا إنه كان سياسيًا مباشرًا وأمينًا في وجهات نظره، وتعهّد ببذل كافة الجهود للتوصل إلى مرتكبي الجريمة ومحاسبتهم، وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بِسكوف، إن التحقيق يخضع للإشراف الشخصي من الرئيس، والذي يعتقد أن الجريمة محاولة لإشعال فتيل التوتر في الداخل والخارج، لاسيما وأن نمتسوف كان وحدًا من المقربين للمعسكر الإصلاحي في أوكرانيا، ومعارضًا للرئيس الأوكراني المدعوم من موسكو فيكتور يانوكوفيتش، الذي عُزِل العام الماضي.

ومن صفوف المعارضة، صرّح بطل الشطرنج المعروف جاري كاسباروف أنه منهار من أخبار مقتل زميله، "لقد كان يعتقد دومًا أن روسيا من الممكن أن تتغير من الداخل دون عنف، وهو رأي لم أعد أؤمن به منذ 2012، كان يقول لي دومًا إنني متهور، وأن روسيا تحتاج لنفس طويل حتى يحدث فيها التغيير"، هكذا قال كاسباروف على حساب تويتر الخاص به.