فيلم تمبكتو حصل على العديد من الجوائز لكنه أثار جدلا كبيرا

ترجمة من الفرنسية وتحرير نون بوست

انطلقت الدورة الرابعة والعشرون لمهرجان السينما في واغادوغو في أجواء خاصة بعد سقوط الرئيس بلاز كمباوري منذ أربعة أشهر ووسط جدل كبير أُثير حول عرض فيلم "تمبكتو".

تزينت الشوارع الرئيسيّة للعاصمة واغادوغو بالأعلام البوركينية، والجميع كان يسرع في المشي عبر الطريق ويجتاز الحواجز الأمنية المنتشرة في كلّ مكان، لقد فعلت المدينة كل ما في وسعها للتمكن من استضافة رواد السينما الأفريقية، فالأجواء ساخنة هنا والكثيرون توقعوا ألا تحتضن بوركينا فاسو المهرجان هذه السنة، أولاً بسبب تهديد فيروس الإيبولا الذي مازال منتشرًا في غرب أفريقيا وهو ما أجبر السلطات البوركينية على إلغاء مناسبات أخرى مثل الصالون الدولي للحرف التقليدية بواغادوغو SIAOالذي كان يفترض تنظيمه في نوفمبر الماضي وإلغاء طواف الدراجات الذي تشتهر به العاصمة، وثانيًا بسبب الانتفاضة الشعبية التي حدثت يومي 30 و31 أكتوبر الماضي.

دورة فيسباكو مختلفة هذه السنة

يقول السيد جورج كابوري مدير المعهد البوركيني بواغادوغو "ستكون هذه الدورة مختلفة بلا شك، نظرًا للأحداث التي شهدتها البلاد في الأشهر الأربعة الأخيرة، بالنسبة لي أعتبر أن المهرجان أصبح أخيرًا ينعم بالحرية في هذه الدروة الأولى بعد الثورة، في السابق نخر الفساد كل أركان المجال الفني وأصبح المهرجان أداة للدعاية بيد الحزب الحاكم"، ويُذكر أن الكثير من الأصوات تعالت في السنوات الأخيرة منتقدة اختيار الأفلام في المسابقات الرسمية ووضع السلطة يدها على إدارة المهرجان، وبعد الثورة وجهت اتهامات لمدير المهرجان السابق ميشال ودراوغو الذي شغل منصبه منذ سنة 2009، وتم تعويضه في ديسمبر الماضي بأرديوما سوما مدير معهد السينما الأفريقية.

تحرر الأفلام التي تعالج قضايا حساسة

نتيجة لهذه التغييرات ظهرت قضايا جديدة كانت في العهد السابق ممنوعة مثل الفيلم الوثائقي "كابتن سانكرا" الذي يتناول مسيرة الرئيس الذي انقلب عليه الرئيس السابق بلاز كمباوري وقتله، وظل مخرج الفيلم، السويسري كريستوف كبلن، يسعى لعرض الفيلم في "بلاد الرجال النزهاء" بوركينا فاسو دون أن تتكلل مساعيه بالنجاح، حيث كان الكثيرون يوافقون على عرضه ثم يتراجعون لأسباب غامضة، وفي هذا السياق يقول السيد جورج كابوري "لا يمكننا هنا الحديث عن رقابة بالمعنى العادي للكلمة، فهم لم يتدخلوا بشكل رسمي ولكن لا أحد تجرأ على عرض الفيلم بسبب الخوف، ولكن ثورة أكتوبر حررت النفوس، والفيلم تم اختياره ليُعرض هذه السنة ولو أن ذلك سيتم على هامش الدورة وليس في المسسابقات الرسمية".

في نفس السياق ذهب أحباء السينما في أفريقيا إلى أبعد من ذلك من خلال ابتكار جائزة جديدة للأفلام القصيرة أُطلق عليها اسم "جائزة توماس سنكارا" تيمنًا باسم الفيلم الذي تعرض للمنع لسنوات.

دورة بتقنيات حديثة

تجاوزت دورة فيسباكو هذه السنة الثورية في المواضيع المطروحة لتشهد ثورة في التكنولوجيا المعتمدة أيضًا، مع وصول التقنيات الرقمية للمهرجان الذي انطلق سنة 1969 دخل فيسباكو عصرًا جديدًا لأول مرة منذ انطلاقه، وهذا هو شعارهذه الدورة "السينما الأفريقية: الإنتاج والعرض في العصر الرقمي"، ولكن في بوركينا فاسو لا توجد قاعات مزودة بهذه التقنيات باستثناء قاعة العرض بالمعهد الفرنسي للسينما، ولهذا توجب على المنظمين جلب معدات من الخارج لم تستفد منها غير قاعة "سينما بوركينا" المحاذية للسوق المركزية بالمدينة، هنالك بجانب شرائط الأفلام القديمة وُضعت حواسيب ومعدات إعلامية حديثة، ولكن يبقى هذا التطور التكنولوجي مُسقطًا هنا وغير ناتج عن جهد محلي.

ويقول باتريك ديالو رئيس لجنة البنية التحتية في مهرجان فيسباكو "العائق الأكبر هو افتقادنا لمفاتيح KDM التي تمكننا من عرض الأفلام، فأغلب هذه المفاتيح مشفرة عن بعد ولا يمكننا عرض محتواها إلا إذا قدمنا لشركات الإنتاج المالكة توقيت ومكان العرض بدقة، ولكن في بلدنا من النادر أن تعرض الأفلام في وقتها بالضبط ودائما ما يكون هناك تأخير وهو ما يمثل عائقًا في التعامل مع مالكي الأفلام، أما إذا حدث أن اضطررنا لتغيير القاعة لسبب أو لآخر عندها لا يمكننا عرض الفيلم بتاتًا"، ويُذكر أن كل تلك التجهيزات ستعود من حيث أتت مع نهاية الدورة فرغم أن بوركينا فاسو أعلنت عن اعتزامها شراء تلك المعدات إلا أنها لم تحدد موعد قيامها بذلك.

ميزانية منخفضة

تمر بوركينا فاسو بفترة انتقالية وكل حركة تقوم بها الحكومة يراقبها المجتمع المدني بكل يقظة، ولهذا لا مجال في الوقت الحالي للبذخ، فالاعتمادات المرصودة محدودة جدًا والمصدر الوحيد للتمويل هو التمويل العمومي، في يوليو الماضي كان من المقرر رفع الميزانية المرصودة لواحد مليار فرنك أفريقي (العملة الموحدة بين عدة عدة دول فرنكفونية  في وسط وغرب أفريقيا)، ولكن تم بعد الثورة خفضها إلى 500 مليون فرنك أي ما يعادل 760 ألف يورو، ولهذا ستحتفي هذه الدورة بالفن السابع في إطار أقل فخامة من سابقاتها، ولكن يبقى حالها أفضل من عدة أحداث ثقافية أخرى تم إلغاؤها لصعوبة الظروف وإعطاء الأولوية لمهرجان فيسباكو.

الجدل حول فيلم تمبكتو

أثارت إمكانية عرض فيلم تمبكتو للمخرج عبد الرحمان سيساكو من عدمها الجدل الأكثر والأهم منذ انطلاق دورة هذه السنة، وفي الأخير تم قبوله في المنافسات الرسمية، وقد سرت شائعات حول مخاطر أمنية تحف بعرض هذا الفيلم الموريتاني الذي ينتقد بشدة التنظيمات المتطرفة في القارة الأفريقية، ولكن اللجنة المنظمة تؤكد أنه لا توجد أي تهديدات جدية رغم السياق الجغرافي السياسي الحساس الذي سيعرض فيه الفيلم مع الأحداث الدائرة في مالي في الجوار، إذ لم تتم الموافقة على العرض إلا بعد ثلاثة أيام من التفاوض بين المنتج والحكومة، إذًا سيتم عرض فيلم تمبكتو ولكن لا أحد يعرف حتى الآن الإجراءات الأمنية التي سيتم اتخاذها أثناء العرض، ويجمع النقاد والملاحظون على أن هذا الفيلم الذي أنتجه أفارقة على أرض القارة الأفريقية يجب أن يتم عرضه في القارة، وفي هذا السياق يقول إيمانويل سانون رئيس الاتحاد الوطني للسينمائيين البوكينيين "نحن لا نخاف، حتى الرئيس الحالي ميشال كافاندو أكد لي أنه سيحضر لمشاهدة الفيلم، المخرج عبد الرحمان سيساكو يمثل بذرة السينمائيين الشباب الذين سيحملون القارة نحو المستقبل، ولهذا من المهم جدًا أن يعرض الفيلم هنا في واغادوغو".

والإيبولا؟

آخر تحدٍ يواجه مهرجان فيسباكو 2015 هو تهديد فيروس إيبولا؛ فقد تم حشد ألفي رجل أمن في كل أرجاء العاصمة لتأمين المواطنين والضيوف، وتم تخصيص خمسة وسبعين مسعف للتدخل في كل قاعات السينما والأماكن التي ستحتضن فعاليات الدورة، وسيتم تجهيز كل هذه المواقع بمواد التعقيم والمواد اللازمة لغسل الأيدي، وهو عبأ إضافي يثقل كاهل ميزانية هذا المهرجان الانتقالي الذي يريد منظموه أن يمر بأخف الأضرار.

المصدر: مجلة جون أفريك