لا يمكن لمتصفح لتاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل أن يفصل دوره النقابي عن دوره السياسي؛ فالمنظمة الشغيلة ومنذ تأسيسها سنة 1946 تماهي نشاطها النقابي مع حضورها السياسي كفاحًا من أجل الاستقلال ونضالاً  لمقارعة وإسقاط الاستبداد، وهو ما تحقق فعلاً عشية الـ 14 من يناير 2011 بعد فرار الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي في نفس اليوم الذي أعلن فيه الاتحاد قراره بالإضراب العام.

تاريخيًا لم يسبق للمركزية النقابية في تونس أن اتخذت قرار الإضراب العام إلاّ في محطة 27 يناير 1978 أو ما يعرف في تونس باسم "الخميس الأسود" وهي محطة اختلف في تفسير أسبابها ومنطلقاتها المؤرخون والنقابيون.

بعد الثورة لايزال تسييس المنظمة الشغيلة يثير تساؤل المتابعين، حيث يرى عدد من المهتمين بالشأن النقابي أن انحصار النشاط السياسي في أطره الطبيعية قبل الثورة كان يبرر قيام الاتحاد بدور سياسي تحت عباءة العمل النقابي وأن عودة الأمور إلى إطارها الطبيعي بتوفر مجال واسع من الحريات السياسية بعد الثورة يعني قطعًا أن يلتزم الاتحاد بدوره النقابي بما يعنيه ذلك من عدم توظيف الكثافة العمالية التي تحتكم عليها المنظمة لترجيح كفة طرف سياسي دون آخر.

على الجهة المقابلة يرى النقابيون أن ما يعتبره خصوم الاتحاد دورًا سياسيًا هو في الحقيقة دور وطني، أصحاب هذا الرأي يستندون لما قام به الاتحاد في إسناد وإنجاح الثورة من تأطير للتحركات وللاحتجاجات، وكذلك لدور الاتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب منظمات تونسية أخرى في تأطير الحوار الوطني الذي كان سببًا في خروج البلاد من الأزمة السياسية التي عاشتها صائفة 2013.

لكن بين الوطني والسياسي تفاصيل كثيرة لسيل من الإضرابات والاعتصامات بلغت ذروتها سنة 2011، حيث سجلت تونس حسب الإحصائيات الرسمية لوزارة الشؤون الاجتماعية 309304 يوم عمل ضائع شارك فيها 140615 عامل، أما في 2012 مثلاً وهي السنة التي حكمت فيها حكومة حمادي الجبالي فقد شهدت إغلاق 160 شركة ومصنع وإحالة 12370 عامل إلى البطالة، هذا فضلاً عن سنة 2013 التي شهدت إضرابين عامين بعد اغتيالين سياسيين بالإضافة إلى عدد من الإضرابات القطاعية أهمها إضراب عمال الموانئ بما يعنيه من وقف لجزء مهم من حركة التوريد والتصدير وإضراب المخابز بالإضافة إلى دعوة الهيئة الإدارية في الـ 20 من يوليو من نفس السنة لحل الحكومة.

النقاش حول تسييس الاتحاد يعود كلما أقر الاتحاد إضرابًا في أحد القطاعات الحساسة كالتعليم أو الصحة أو النقل، وهو بالضبط ما وقع في 13 من نوفمبر من العام الماضي إذ أقر الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابًا عامًا مفاجئًا في قطاع النقل، السبب المباشر لذلك هو تراجع الحكومة التونسية السابقة عن تنفيذ اتفاقات سبق توقيعها مع الطرف النقابي، لكن هذا ليس في رأي المحللين سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، حيث يذهب عدد منهم إلى اعتبار تراجع حكومة المهدي جمعة عن تنفيذ هذا الاتفاق كان عقابًا للمنظمة الشغيلة التي وقفت بقوة ضد نية المهدي جمعة رئيس الحكومة السابق الترشح إلى الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر/ دسيمبر 2014.

إضراب أساتذة التعليم الثانوي فُهِم في هذا الإطار؛ فبعد اتفاق 8 سبتمبر الشامل الذي وقعته النقابة ومختلف الأطراف الممثلة للحكومة السابقة عادت النقابة للإضراب، مطالبة بتفعيل اتفاق الـ 8 من مارس 2014 القاضي بسن قانون يجرم الاعتداء على المربيين في 26 و27 من نوفمبر.

ومنذ إضراب نوفمبر 2014 والأساتذة يخوضون إضرابًا أو يهددون به من أجل مطالب يعتبرونها مستعجلة وشرعية كتخفيض سن التقاعد من 60 إلى 55 عامًا ومراجعة منحة الطفل الواحد التي ظلت في حدود 6700 مليم منذ سنة 1960 ومراجعة أجر الأستاذ والمنح التي يتقاضاها، بالإضافة إلى الإصلاح العاجل للمنظومة وللإطار التربوي، وتكفي نظرة سريعة على حجم الزيادات التي شملت قطاعات عديدة في الوظائف الحكومية في تونس لنتبيّن أن قطاعات البنوك والبريد والمالية والثقافة والصيادلة والأطباء وأطباء الاختصاص وأساتذة التعليم العالي كلهم تحصلوا على زيادات ثابتة في مرتباتهم تتراوح بين 170 و1200 دينار.

مطالب يعتبرها الأساتذة مستعجلة وشرعية ويراها جانب واسع من الشارع التونسي مطالب مجحفة ولا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن الخلاف الأخير داخل البرلمان بين كتلة الجبهة الشعبية وكتلة نداء تونس (الحزب الحاكم) حول رئاسة لجنة المالية.

رئيس البرلمان التونسي محمد الناصر قام بمحاولة لإصلاح الأمور بين الأساتذة والوزارة في مسعى كانت نتيجته بيانًا صحفيًا هزيلاً من وزارة التربية أثار غضب الأساتذة أكثر ورسّخ لديهم القناعة بأن الطرف المقابل غير مستعد لتلبية مطالبهم، غضب تصاعد أكثر بعد حملة شنتها وسائل الإعلام التونسية ضد الأساتذة وضد إضرابهم بلغت حد التحقير والسخرية منهم، حملة إعلامية أخذت شكلاً مناقضًا تمامًا لما كانت تقوم به نفس وسائل الإعلام من دعم وشرعنة لكل الإضرابات والاحتجاجات النقابية عندما كان الإسلاميون في الحكم. 

تصوّر الشكل الذي ستُحل به أزمة التعليم الثانوي في تونس يبدو صعبًا الآن على الأقل في ظل تمسك طرفي الأزمة كل بموقفه؛ مما يعزز الاحتمالات بتدخل سياسي من سلطة أعلى من سلطة الوزارة نحو سلطة نقابية أعلى من سلطة نقابة التعليم الثانوي، تدخل ربما يعيد من جديد الحديث عن علاقة الاتحاد بالسياسة.