بالرغم من أن المساحة المتاحة لا تسمح بكتابة تفصيلية، فليس ثمة شك أن قدرًا كبيرًا مما سيذكر هنا لا يحتاج الكشف عنه إلى متخصص، فالعرب في عمومهم، كما مختلف شعوب المشرق، يعرفون أن الحرب العظمى مثلت منعطفًا رئيسًا في تاريخهم، وأنه بالرغم من أن التاريخ هو في النهاية نهر متصل الجريان، فإن بلادهم وحياتهم ومصيرهم بعد الحرب اختلفت إلى حد كبير عما كانت عليه قبلها.

ما يشار إليه عادة باعتباره أحد أسوأ نتائج الحرب هو الاحتلال الأجنبي، لاسيما أن الحرب الأولى مثلت ذروة الصعود الاستعماري الغربي، الذي أخذ في العقود القليلة التالية، لاسيما بعد الحرب الثانية، في التخبط والانحسار، وربما كانت حرب الاستقلال التركية في الفترة من 1919 ـ 1922 أول حركة تحرر وطني من النظام الإمبريالي، والحقيقة، أن التوسع الاستعماري في البلاد العربية والإسلامية طال بلدانًا مثل الجزائر وتونس ومصر وساحل الخليج قبل عقود طويلة من اندلاع الحرب الأولى، كما أن السيطرة الاستعمارية المباشرة على بلدان مثل العراق وسورية ولبنان كانت الأقصر نسبيًا، مقارنة بمناطق السيطرة الإمبريالية الأخرى حول العالم، شهد العراق وسورية ثورتين عارمتين، كما اندلعت في فلسطين حركة احتجاج واسعة النطاق، خلال شهور معدودة من نهاية الحرب، ولأن بريطانيا لم تعلن مصر محمية بريطانية إلا في 1914، فقد ثار المصريون هم أيضًا من أجل الاستقلال، ومنذ توقيع اتفاقية استقلال العراق في 1930، أخذت الدول العربية في التحرر من السيطرة الأجنبية المباشرة، الواحدة منها تلو الأخرى.

ثمة من يقول إن التخلص من الإدارات الاستعمارية وقوات الاحتلال لا يعني أن العرب تحرروا من الارتباط غير المباشر بالقوى الغربية الكبرى، وإن هذه القوى لم تزل تمارس تأثيرًا كبيرًا على مصير دول المشرق، وهذا صحيح، بالتأكيد، وهو ما يجعل من الضروري اللجوء إلى رؤية أوسع، متعددة الأوجه، للنظام الذي فرضته نتائج الحرب الأولى في المشرق، سواء على صعيد الإقليم ككل أو على صعيد كل دولة من دول الإقليم على حدة.

ما ولد من الانهيار العثماني كان نظامًا جديدًا بكل معنى الكلمة، نظام لم تعرفه شعوب المشرق في تاريخها من قبل، لم يكن غريبًا في الماضي أن يعرف الإنسان باعتباره عراقيًا، بغداديًا، دمشقيًا، مسلمًا، أو غير مسلم، ولكن هذا التعريف لم يكن يدل على هوية سياسية، وحتى عندما أخذت رياح الهويات القومية في العصف بشعوب المجال العثماني، كانت الأغلبية الساحقة من العروبيين المعارضين لسياسات الاتحاد والترقي تسعى إلى تحسين موقع ودور العرب في إدارة شؤون الدولة، وليس إلى التخلص كلية من الرابطة العثمانية، ما ترتب على الهزيمة المؤلمة في الحرب، كان القضاء المبرم على النظام العثماني الجامع، فكرة وإطارًا سياسيًا، وإقامة كيانات صغيرة من الدول الحديثة ذات الهوية القومية، بالمعنى الأوروبي الغربي للدولة.

بمرور الزمن، وبالرغم من أن دولًا مثل العراق وسورية ولبنان لم تولد بإرادة مواطنيها، تحولت هذه الدول إلى كيانات صلبة، ذات علم ونشيد ومناهج ومتحف وجواز سفر وحدود، وفوق ذلك كله طبقات حاكمة، تتمتع بامتيازات يصعب التضحية بها، أدركت الأغلبية العربية، بالطبع، كما الأتراك والأكراد والألبان، أن العودة للنظام القديم لم تعد ممكنة، وكان بإمكانهم القبول بكيان عربي جامع، تتجلى فيه هويتهم القومية، لاسيما بعد أن أصبح للفكرة العربية جذور في مصر ودول المغرب العربي، وربما كان الاختراع الفريد الذي تمثل في تسمية الكيانات الجديدة بالدولة الوطنية محاولة عربية لإقناع الذات بأن مصر والعراق وسورية ليست سوى مرحلة عابرة، وأن المجال العربي لن يلبث أن ينضوي في كيان عربي واحد، ولكن حتى هذا المثال لم يستطع العرب تحقيقه.

ما فاقم الأزمة المشرقية أن الكيانات الجديدة، التي افتقدت الشرعيتين، التاريخية والذرائعية، على السواء، تطورت لتعكس أكثر صور الدولة الحديثة تحكمًا وسيطرة وهيمنة، وربما لم يكن مثل هذا التطور التحكمي والقمعي مقصودًا في البداية، بل إن دولًا مشرقية، عربية وغير عربية، عرفت مرحلة من الحياة الليبرالية، أو شبه الليبرالية، الحرة نسبيًا، ولكن علاقة تبادلية سرعان ما تبلورت بين تفاقم أزمة شرعية هذه الدول واندفاعها الحثيث نحو النموذج التحكمي، القمعي، بالغ المركزية، ما بدا واضحًا من لحظات ولادتها الأولى، أن الدولة المشرقية الجديدة لم تستطع الاستجابة لوعود الفكرة العربية ولا لحل مشكلة الهويات القومية والدينية/ الطائفية (الكردية، البربرية، الشيعية/ السنية، المسيحية/ الإسلامية، إلخ)، وقد أصبح تفاقم أزمة الهويات مصدر تهديد كبير لوجود الدولة الجديدة، التهديد الذي واجهته الدولة بأقصى درجات القمع ووسائل السيطرة والتحكم، وعندما ارتفعت أصوات تطالب بعلاقة أكثر صحية وكرامة وحرية بين الدولة وشعبها، لم تقابل سوى المزيد من القمع والاستبداد، والمدهش، ولكن الطبيعي أيضًا، أن مرور الزمن لم يستطع حل أزمة شرعية الدولة، ولا عمل على عقلنة سلوكها وسياساتها، تحول عجز الشرعية إلى أزمة هيكلية للدولة الجديد ومؤشرًا على عجزها عن القيام بأدنى واجبات الدولة، وأصبحت سياسات القمع والتحكم والسيطرة القاعدة لا الاستثناء.

خلف ذلك كله، احتلت الدولة العبرية موقعًا مركزيًا في نظام ما بعد الحرب الأولى، من وجهة نظر القوى الغربية، المنتصرة في الحرب، لم يكن في إقامة كيان إسرائيلي في قلب المشرق العربي من غرابة ولا استثناء.

الفكرة القومية، التي ولدت منها الحركة الصهيونية، هي فكرة أروربية الأصل، والاستعمار الاستيطاني، الذي مثل الخطوة الأولى نحو إقامة الدولة العبرية، كان أحد أبرز سمات النظام الإمبريالي الغربي خارج القارة الأوروبية، كما أن عددًا كبيرًا من قيادات الدول الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين تصور أن التخلص من يهود القارة والرمي بهم إلى فلسطين، سيضع حدًا لانفجارات اللاسامية المتكررة، التي شهدتها دول أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

من جهة أخرى، سرعان ما أدرك العرب أن إقامة الدولة العبرية على أرض فلسطين، وتحولها إلى كيان مسلح وتوسعي، كانت واحدة من أكبر كوارث نظام ما بعد الحرب الأولى، التي حلت بالعرب الفلسطينيين وعموم المشرق، ولكن ما يجب أن لا يغيب مطلقًا في تقدير عواقب هذه الكارثة أن المشروع الصهيوني لم يكن وليد الأساطير اليهودية وحسب، بل والرؤية الإمبريالية الغربية للعالم كذلك، وأن الصراع المديد الذي ولد من إقامة الدولة العبرية في فلسطين يقع في القلب من العلاقة بالغة الاضطراب والتشوه بين شعوب المشرق والكتلة الغربية ـ الأطلسية.

لم يتغير الكثير في مصير المشرق وشعوبه منذ خمدت مدافع الحرب الأولى، ما حدث، أولًا، أن نتائج الحرب وعواقبها ازدات تفاقمًا خلال المئة عام التي مرت على اندلاع الحرب، وما حدث، كذلك، أن تجليات فشل النظام المشرقي الذي ولد من تلك الحرب أصبحت أكثر وضوحًا، هذا التداعي في كيان دول المشرق، والسيولة المتسارعة في علاقات قواه الإقليمية، ووصول مسار التسوية الدبلوماسية للصراع العربي ـ الإسرائيلي إلى الحائط، ليست سوى مؤشرات على أن هذا النظام لم يعد قابلًا للبقاء، وأن البحث عن بديل له قد لا يكون أقل تكلفة ووطأة من تكاليف الحرب الأولى نفسها، ولكنه بات ضرورة حياة ووجود.