يلزم التنوية في بداية المقال إلى أن الإشارة لمصر هنا لا تعني النظام القائم حاليًا، بل الوجود المصري في المنطقة بشكل عام وما يجب أن تكون عليه تحرّكاته - وفق رأي صاحب المقال - في الفترة المقبلة.

***

من بين القوى الثلاث الرئيسية (مصر وتركيا وإيران) التي دائمًا ما يتحدث المهتمون والمتخصصون بشؤون الشرق الأوسط باعتبارها القوى المحرّكة للمنطقة، تُعَد مصر اليوم الأضعف والأقل تأثيرًا، وبينما تنقسم بلدان المنطقة إلى نوعين في هذه المرحلة؛ إما لاعب مؤثر أو ساحة مفككة لحسابات القوى المؤثرة، يبدو أن الحديث عن مصر أحيانًا يضعها في موقع أقرب للثاني، حيث يعاني دورها الدبلوماسي من ضعف شديد يعود لسنوات طويلة قبل الثورة، كما يعاني اقتصادها ضعفًا يجعله معتمدًا على أصدقائه في الخليج (لم يختلف هذا الوضع تحت حُكم مرسي أو السيسي)، والضعف الاقتصادي بالطبع يعيق قدرة أي بلد على التأثير سياسيًا مهما أتاحت له عوامل الجغرافيا والتاريخ.

بطبيعة الحال، لا يمكن أن تتحول مصر إلى ساحة مفككة مثل ليبيا وسوريا مهما تدهورت أوضاعها السياسية والاقتصادية، أولًا لأنها ككيان غير معرّض للتلاشي من على الخارطة لأسباب تاريخية واضحة، فهي ليست صنيعة سايكس بيكو، ولا هي كتلة مصطنعة بالكامل مثل ليبيا، بل على العكس، لقد حرص الاستعمار البريطاني على وحدتها مع السودان، كما فعل مع الهند، نظرًا لميله إلى الاعتماد على مستعمرات قوية تنوب عنه في مهامه الإقليمية تحت إشرافه، بدلًا من الاضطلاع بممارسة النفوذ الفعلي بشكل مباشر كما الحال مع الاستعمار الفرنسي.

تباعًا، وبوضع هذه الميزة في الاعتبار، تحتاج مصر في العقد المُقبِل إلى سياسة تبتعد بها عن الصراعات قدر الإمكان، لاسيما الصراعات في المشرق، لتستطيع إعادة بناء قواعد قوتها السياسية والاقتصادية في الداخل بشكل يعيد التوازن ولو جزئيًا إلى المثلث الإقليمي بينها وبين أنقرة وطهران، وإن كانت هناك ملفات عدة لا مفر من أن تلعب فيها مصر دورًا نظرًا لأهميتها جغرافيًا، مثل اليمن، فإن الابتعاد عن معقل الصراع الأساسي في المنطقة، وهو المشرق العربي، سيكون ممكنًا للسياسة المصرية خلال العقد المقبل.

فك الارتباط بالمشرق

لا شك أن وجود دور لمصر في المشرق هو وضع طبيعي سيحدث عاجلًا أم آجلًا، بيد أن الصراع المحتدم الذي يدور الآن لا يتيح لها بوضعها الحالي أن تلعب الدور الذي تريد، فالساحة تهيمن عليها تمامًا أدوار تركيا وإيران، كما أن المساحة المتاحة للعب دور عربي تحتلها السعودية بشكل كبير نظرًا لقدراتها الاقتصادية وهو وضع سيستمر لعقد على أقل تقدير، وهو ما يعني أن الدور المتاح لمصر أن تلعبه الآن لن يغيّر قواعد اللعبة بما يحقق مصالحها، بل سيكون الدخول في معسكر طرف لترجيح كفته ليس إلا.

في هذا السياق، سيكون أفضل للسياسة المصرية أن تنأى بنفسها عما يدور بالمشرق في السنوات المقبلة، وأن تقوم بنوع من سياسة "فك الارتباط" حتى تمتلك الأدوات والقوة اللازمة للتأثير في الصراع المشرقي، وإن كان البعض يرى أن اختيار طرف من الأطراف الموجودة حاليًا أفضل من الابتعاد عن المشرق تمامًا، فإن تلك الحُجة ببساطة لا تتناسب مع دور مصر على المدى البعيد، والذي سنحتاج فيه إلى "سجل نظيف" في إعادة تشكيل المشرق مستقبلًا، فالانحياز لتركيا أو إيران أو السعودية في هذه الفترة سيقوّض من قدرة مصر في المستقبل على كسب ثقة كافة الأطراف، والتي ستكون مهمة في تلك المرحلة القادمة، مهما بدت بعيدة الآن بالنظر للصراع الشديد الجاري.

قد يقول قائل بأن مصر لا يسعها أن تتجاهل خطر إسرائيل التقليدي، بيد أن الواقع الآن أن إسرائيل نفسها غير منخرطة بشكل مباشر في صراعات المشرق بشكل يستتبع معه أن تقف مصر مع من يواجهون تل أبيب، كما أنها لا تملك الآن إعادة ترتيب الموازين مع إسرائيل، والتي تميل لصالح الأخيرة بوضوح لنفس الأسباب المذكورة أنفًا، أضف إلى ذلك أن إسرائيل نفسها تمر بمرحلة يهيمن فيها اليمين بشكل غير مسبوق، ويهدد روابط إسرائيل بالغرب، مما يستدعي أن تبتعد مصر وتنتظر ما سيؤول إليه الوضع الجديد للعلاقات الغربية الإسرائيلية، بينما تعزز هي من علاقاتها التقليدية بأوروبا والولايات المتحدة.

من ناحية أخرى، يرى البعض أن مصر يجب أن تقف لداعش في المشرق، بيد أن هذه الحُجة، أولًا، تتعامى عن أسباب بروز داعش من الأساس، وهي إقصاء القوة العربية السنية من العراق بالقوة من جانب الغزو الأمريكي أو الهيمنة الشيعية أو كليهما (تتعدد الآراء هنا)، مما يعني أن ظهور قوة بهذا الشكل ليس مستغربًا، كما أن مصر ليست منوطة بالتعامل معه أصلًا، فمن ضلعوا في هذا الملف من المفترض أن يتعاملوا معه الآن، ثانيًا، وهي النقطة الأهم، لا تشكل داعش في الحقيقة تهديدًا مباشرًا لمصر، ولنضع هنا ملف سيناء جانبًا ونتحدث عن داعش كقوة مشرقية، فعلى عكس تركيا وإيران، تحول دول ثلاثة مستقرة بيننا وبين داعش، وهي إسرائيل والسعودية والأردن، وهي دول لا يبدو على المدى القريب أنها ستختفي أمام توسع داعش، بل ولن يسمح لها النظام الدولي بذلك.

ليبيا وحصر النيران المشرقية

نأتي هنا إلى ليبيا، والتي ظهرت فيها داعش بشكل رسمي، والواقع هو أن داعش لا يسعها فعليًا أن تتمدد بهذا الشكل، فكل ما هنالك أن هناك قوى إسلامية قبلية موجودة على الأرض تركب موجة داعش لتحقيق أهدافها الخاصة، بيد أن هذا لا يعني أن داعش بالفعل دولة مترامية الأطراف إلى شرقنا وغربنا كما يقول من يروّجون لأولوية "مكافحة الإرهاب"، فالقوة الأساسية الآن في ليبيا هي قوات فجر ليبيا من ناحية، وحفتر من ناحية أخرى.

بدورها، من المفترض أن تكون ليبيا الآن أولوية للسياسة المصرية دون غيرها نظرًا لأهميتها في حصر النيران المشرقية، والذي نعني به هنا أن تظل الصراعات الدامية الجارية في المنطقة في المشرق بالأساس، وهو ما يتطلب بالطبع دورًا مصريًا أكثر حكمة وتوازنًا مما فعله النظام المصري مؤخرًا في الملف الليبي، والانحياز الصارخ الذي أبداه لصالح حفتر، وهو القوة الأضعف في الحقيقة، فالوصول إلى تسوية حقيقية تعبّر عن موازين القوى القبلية والعسكرية في ليبيا، وتعبّر أيضًا عن الوضع الجديد ما بعد ثورة فبراير، هو أمر يصب في مصلحة القاهرة.

هل يمكن لمصر أن تقوم بهذا الدور؟ في الواقع نعم، فعلى عكس الملف المشرقي "المحجوز" إن جاز القول لأنقرة وطهران والرياض، يبدو هناك نوعٌ من الفراغ الإقليمي في الإمساك بزمام الملف الليبي، فلا الجزائر ولا المغرب تهيمنان بالكامل، أضف إلى ذلك أن قوى كفرنسا وإيطاليا لا يسعها أن تحسم الصراع الداخلي بنفس الشكل المُتاح لمصر كقوة إقليمية مجاورة لليبيا، والغرب حريص كما بدا من موقفه على الوصول لتسوية تحفظ استقرار تجارة النفط بالأساس، وهو ما يعني أن القاهرة تملك المساحة والقدرة على لعب دور من الدرجة الأولى في ليبيا الآن بشكل يعزز قوتها هناك على المدى البعيد.

الارتكاز المغربي

بالنظر لحاجتها إلى بناء اقتصادي حقيقي، واتجاه سياسي يحقق أهداف ثورتها (بغض النظر عن النظام القائم حاليًا)، سيكون تدشين سياسة ارتكاز مغربي خيارًا استراتيجيًا خلال العقد المقبل، فالاقتراب بقوة من تونس والمغرب بالتحديد سيكون مهمًا باعتبارهما قوتين ديمقراطيتين الآن ولو بشكل جزئي، وفي طريقهما إلى تحقيق بناء اقتصادي قوي، وسيفتح لمصر نافذة واسعة لتنويع روابطها السياسية والاقتصادية التي تعاني منذ عقود من اقتصارها على دائرة المشرق المحصورة في الخليج الآن بقوته الاقتصادية.

أضف لذلك أن تعزيز الروابط المغاربية سيعطي قوة إضافية للدور المصري في الملف الليبي، كما سيخلق عُمقًا للعلاقات الأوروبية في توقيت ممتاز لخلق شراكة خاصة مع أوروبا، والتي تبتعد عن إسرائيل منذ فترة نظرًا لسياساتها، وتحتاج إلى الانفتاح على أسواق نامية جديدة، خاصة ألمانيا التي تبحث عن بديل للسوق الروسي، وشمال أفريقيا هنا بديل قوي لها ولو بشكل جزئي، كما أن القوى الاقتصادية الجنوبية، فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان، والتي تمر بركود اقتصادي، ستكون راغبة أكثر من أي وقت في خلق شراكة مع الأسواق النامية إلى جنوبها.

رُغم الحُجة التقليدية القائلة بأن العلاقات مع أوروبا دائمًا ما تتسم بالميل نحو الشمال أو بالطابع الاستعماري، إلا أن الظروف الاقتصادية والسياسية التي تمر بها أوروبا في هذه المرحلة تتيح خلق علاقة أكثر اتزانًا من أي وقت مضى، لاسيما مع تراجع الدور السياسي للقوى التقليدية التي طالما عززت تلك العلاقة الاستعمارية، مثل فرنسا، وبروز قوى أكثر حرصًا على شراكات حقيقية، مثل ألمانيا ودول إسكندنافيا، والتي تتسم رؤيتها لشمال أفريقيا بمنظور أقل هوسًا بالمصالح الغربية المباشرة نظرًا لبُعدها الجغرافي عن المتوسط.

علاوة على ذلك، سيفتح الارتكاز المغربي لمصر باب العودة إلى لعب دور أفريقي قوي متجاوز لملف وادي النيل، والذي ينحصر فيه دور مصر الأفريقي منذ عقود، لاسيما وأن الاضطلاع بدور مهم في ليبيا سيجذب مصر بالتبعية إلى غرب أفريقيا، وهي منطقة تشهد هي الأخرى فراغًا في القوى الأساسية اللاعبة فيها نظرًا لتراجع فرنسا السياسي وعدم رغبة الولايات المتحدة في الانخراط بشكل مباشر، كما تشهد بوادر انتفاضة إسلامية واسعة نتيجة غياب قوة مسلمة كبيرة تضطلع بدورها التاريخي والثقافي هناك، وإن كان المغرب يحاول لعب ذلك الدور ولكنه لا يسعه تفعيله منفردًا، وسيكون مفيدًا بالطبع أن يتضاعف تأثيره هناك بخلق محور بينه وبين القاهرة في تلك المنطقة.

***

في المُجمَل، سيتيح الارتكاز المغربي لمصر ترسيخ نظام سياسي أكثر تعبيرًا عن ثورتها، وخلق قوة إقليمية لها حيث يتسنى لها ذلك في ليبيا، ووضع مصر في دائرة شمال أفريقيا الأكثر استقرارًا وبعدًا عن المشرق لفترة من الزمن بما يسمح ببناء اقتصاد مستقر وقوي، وسيفتح باب شراكة أوروبية أعمق وأكثر تزانًا من ذي قبل، وسيعطي مصر نوعًا من الهُدنة الإيجابية والإستراتيجية بينها وبين المشرق بما يعطيها مستقبلًا عودة أكثر قوة، وربما صورة أكثر مصداقية مقارنة بتركيا وإيران في المشرق.

في النهاية، تجدر الإشارة إلى أن الارتكاز المغربي وفك الارتباط بالمشرق لا يعني الابتعاد عن ملفات حيوية إلى جنوب مصر، أولها بالطبع ملف النيل، وثانيها ملف اليمن، وإن كان اليمن مهم لمصر فقط فيما يخص بقاء مضيق باب المندب مفتوحًا وغير خاضعٍ لقوى تستطيع تهديد مصر عبره، في حين لا يبدو أن الانحياز لطرف على حساب آخر، أو ركوب الموجة الإيرانية أو السعودية في قول آخر، سيعود على مصر بتحقيق مصالحها الاستراتيجية هناك.