البداية

مع اندلاع الثورة السورية وتعرض أحياء العاصمة دمشق لقصف النظام، مثّل مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في سوريا ملجئًا آمنًا للكثير من أهالي البلدات المجاورة لأحياء العاصمة التي تعرضت للقصف العشوائي فكان الهرب من الموت إلى المكان الهادئ نسبيًا مخيم اليرموك.

فقد اختار أهالي مخيم اليرموك دورًا إنسانيًا بابتعادهم عن الحالة السياسية في البلاد، وآثروا تحويل مخيمهم إلى ملاذ للنازحين من الأحياء التي تشهد قصف جوي، فقامت الهيئات الأهلية وتجمعات شباب المخيم بدور مهم في هذا الجهد الإغاثي، حتى تحول مخيم اليرموك إلى رئة يتنفس منها السوريون الذين وقعوا تحت وطأة ظروف التهجير من منازلهم بسبب الاشتباكات المسلحة.

في العام 2012 مع بدء اشتباكات كتائب المعارضة المسلحة مع قوات النظام السوري التي دخلت في نطاق المخيم، تشكلت بعض اللجان الشعبية من بعض الجهات السياسية التي تسكن المخيم وتدخلت في الاشتباكات هي الأخرى مع رفض غالبية أهالي المخيم لهذا التصرف؛ ما أدى إلى تصاعد القتال بين المعارضة والنظام الذي عمد إلى استخدام الأسلحة الثقيلة لقصف مناطق بالمخيم، فيما أعلنت بعض الفصائل المعارضة عن سيطرتها على أجزاء من المخيم؛ ما أدى إلى اشتداد القصف المدفعي على مبانٍ داخلية.

عقب ذلك قامت قوات نظامية بالتعاون مع بعض الشبيحة بفرض حصار على المخيم بشكل كلي، ومنعوا دخول كافة المواد الغذائية لأكثر من 20 ألف لاجئ فلسطيني من سكان المخيم، حتى إن قرابة 100 لاجئ من المخيم وافتهم المنية بسبب الجوع، أكثرهم من الأطفال وكبار السن.

ظل حصار المخيم بين التضييق والتراجع أحيانًا، تخلل ذلك محاولات دولية عدة لفك الحصار نهائيًا عن اللاجئين وإدخال المواد الغذائية والدوائية اللازمة لهم بعد تدهور الوضع الإنساني بالداخل، ولكن جميع المبادرات رفضتها قوات النظام المتمركزة حول مداخل المخيم جميعها.

يمكن القول بأنه لم يتم فك الحصار عن المخيم حتى هذه اللحظة، لأن قوات النظام مازالت متحكمة في الدخول والخروج إلى المخيم عن طريق قواتها المتمركزة لحصار المخيم، يذكر أنه بلغ عدد شهداء الجوع والحصار في المخيم 154 حتى يوم 26 يوليو من العام الماضي 2014، وتزايد عدد الوفيات جراء الحصار مطلع هذا العام ليصل إلى أكثر من مائتي حالة وفاة، ولازال الحصار مستمرًا بأشكال شتى مع محاولات عديدة من قِبل المنظمات الفلسطينية وحركات المقاومة لمحاولة التوصل لحل لإنهاء الكارثة الإنسانية داخل المخيم عن طريق إطلاق حملات تضامنية لفك هذا الحصار.

اغتيال حوراني يعيد المخيم إلى المشهد

أعلنت حركة حماس عن اغتيال أحد قياداتها في المخيم وهو "يحيى عبدالله حوراني" ، بعدما أطلق ملثم عدة رصاصات تجاه القيادي في حماس الملقب في بـ "أبي صهيب"، أثناء توجهه إلى عمله في مستشفى فلسطين بالمخيم، حيث أصيب بالرأس ونقل على إثر ذلك للعناية المركزة قبل أن يتم نقله لمستشفى يافا خارج مخيم اليرموك بسبب حالته الحرجة ونقص الأدوية وعدم توفر المستلزمات الطبية بسبب الحصار المفروض على المخيم.

وبحسب مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، فإن حصيلة النشطاء الذين اُغتيلوا داخل مخيم اليرموك ارتفع إلى تسعة نشطاء، حيث تم اغتيال 7 منهم في النصف الثاني من عام 2014، في حين تم اغتيال اثنين مع بداية العام الجاري بسبب حالة الفراغ الأمني داخل المخيم.

الفراغ الأمني وعدم وجود جهة تتولى التحقيق في ملابسات الاغتيال وتلاحق الفاعلين، أسهم بشكل كبير في تنامي ظاهرة الاغتيالات داخل المخيم، إضافة إلى الخلافات بين فصائل المعارضة على تحييد المخيم أسوة بالأحياء المجاورة، والتي تشهد اتفاقيات مصالحة مع النظام السوري، إذ إن لائحة الاغتيالات تضم حتى الآن أسماء شخصيات بارزة وتتمتع بشعبية بين المدنيين، ومعروفة بسعيها لتحييد المخيم وفك الحصار المطبق عليه منذ ثلاثة أعوام.

تشكلت مجموعة مسلحة داخل المخيم تسمى أكناف بيت المقدس كلجنة شعبية داخل المخيم لضبط الأمور الأمنية المتدهورة بداخله وللدفاع عنه أمام أي اشتباكات تأتي من خارجه، عقب اغتيال الحوراني بدأت أكناف بيت المقدس بتحقيقات حول عملية الاغتيال ووجه البعض الاحتمالات إلى عناصر من تنظيم الدولية "داعش".

المخيم وتنظيم الدولة

تتمركز قوات للتنظيم بالقرب من المخيم في منطقة الحجر الأسود بعد السيطرة عليها وطرد قوات النظام منها، أفاد شهود عيان أثناء تحقيقات أكناف بيت المقدس في واقعة اغتيال الحوراني أن الملثم الذي أطلق الرصاص عليه لاذ بالفرار تجاه المنطقة التي تتمركز بها قوات تنظيم الدولة، ما أثار غضب بعض الشباب الذين اعتقلوا بعض المشتبه بهم للتحقيق في الأمر مع تضارب الآراء حول هوية منفذي عملية الاغتيال هل هم من تنظيم الدولة أم مجموعات تابعة للنظام السوري؟!

عندما ساد الاعتقاد أن تنظيم الدولة هو من وراء حادثة الاغتيال، قامت مجموعات مسلحة من التنظيم بمهاجمة المخيم بشكل مفاجئ وتناوشت مع قوات أكناف بيت المقدس بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة في البداية، حتى أرسل تنظيم الدولة تعزيزات مرت إلى داخل المخيم أمام سمع وبصر قوات النظام السوري المحاصرة للمخيم التي لم تعترض قوات تنظيم الدولة، إلى أن رسخ في أذهان أهالي المخيم أن هذا الاقتحام مدبر بين تنظيم الدولة وقوات النظام، حتى زادت حدة الاشتباكات وتواترت الأنباء من داخل المخيم عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

لتخرج مصادر تعلن عن سيطرة مسلحي تنظيم الدولة على أجزاء كبيرة من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في جنوب دمشق، من جهته تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن اشتباكات عنيفة بين عناصر التنظيم من طرف، ومقاتلي أكناف بيت المقدس من طرف آخر في الشوارع الواقعة عند أطراف المخيم، لافتًا إلى معلومات مؤكدة عن تقدم للتنظيم في المخيم.

المخيم تزيد معاناته يومًا بعد يوم بسبب الحصار المفروض عليه من القوات النظامية منذ أكثر من عام، حيث النقص الفادح في المواد الغذائية والأدوية الذي تسبب في نزوح أكثر من 140 ألف من المخيم من تعداد إجمالي نحو 160 ألف وهو عدد سكان المخيم قبيل اندلاع الثورة السورية.

مع الأنباء الآتية من داخل المخيم التي تؤكد على سيطرة تنظيم الدولة على المخيم، انطلق نشطاء من تنظيم الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي ليأكدوا أن التنظيم قام بعملية عسكرية لفك الحصار عن المخيم، وهو ما نفاه نشطاء من داخل المخيم حيث أكدوا أنه لم تجر أي اشتباكات بين مسلحي تنظيم الدولة وقوات النظام المتمركزة حتى هذه اللحظة حول مداخل المخيم، كما أكدوا أن الاشتباكات الأخيرة لم تحدث سوى مع مسلحين من داخل المخيم فقط، ليدخل المخيم فصلاً جديدًا من فصول المعاناة بسبب الزج به داخل الصراعات المسلحة الدائرة.