تمر منطقة الشرق الأوسط بأحداث جسام وتحولات جذرية في هذه الحقبة الزمنية التي تشهد صراعات يعتقد أنه ستغير من وجه المنطقة لعقود مستقبلية طويلة، فعقب اندلاع الربيع العربي كان الوقت نفسه خريفًا عاصفًا على الحركات الجهادية بشتى تفريعاتها حول العالم، إذ أن الخطر داهم الأفكار الجهادية في معاقلها، وأصبح نموذج التغيير بالعنف أو التغيير "المسلح" قاب قوسين أو أدنى من الانهيار بعد انتفاضات سلمية أطاحت بأعتى ديكتاتوريات المنطقة في بضعة أيام وهزت عروش البقية الباقية منهم، وهو ما فشلت به الحركات الجهادية على مدار ثلاثة عقود متتالية في صراعها مع الأنظمة العربية كجزء من صراعها مع النظام العالمي.

لكن سرعة انقضاض ما سُمي بالثورة المضادة على مكتسبات الربيع العربي أعطت قبلة الحياة لأيديولوجيا "الإسلامية الجهادية"، حتى صار الربيع العربي خريفًا على كل الدول التي قام فيها بل إن الأوضاع سارت إلى أسوء مما كان يتصوره أشد المتشائمين بالنسبة لمصير هذه الانتفاضات السلمية ، حتى انهارت أطروحات يطلق عليها الإسلامية الوسطية التي أرادت الاندماج في المنظمومة السلطوية الحديثة لكن أذرع الأنظمة القديمة تحركها مصالح الغرب لم تسمح لها بذلك على اختلاف صور عدم السماح من بلد لآخر.

الثورة السورية أيضًا كانت نموذجًا أخرج كل الطاقات الجهادية المستترة الكامنة في الأمة وأصبحت فرصة مواتية لإعادة إنتاج المنظومة الجهادية بكل ما لها وما عليها في الوطن العربي، حتى باتت سوريا الآن أفغانستانًا جديدة بالنسبة للجماعات الجهادية، كذلك الحالة المصرية القمعية المتطرفة ولّدت للحركات الجهادية "مفرخة" شبابية عوضت التراجع الفكري الجهادي في صفوف أجيال متقدمة من الشباب المصري عقب نهاية جيل الثمانينيات والتسعينيات، حيث شهدت مصر ولادة وظهور أكثر من تنظيم جهادي عقب الانقلاب العسكري في عام 2013 بالتزامن مع تنامي دعوات العنف في ظل آلة قمعية هي الأعنف على الحالة الإسلامية العامة في مصر منذ زمن.

هؤلاء الجهاديون الذين يحاوطوننا من كل جانب يمثلون ظاهرة الأمر الواقع شئنا ذلك أم أبينا، وكم من شباب انسلخوا من مجتمعاتهم الأبعد عن هذا الطريق وساروا إليه، فكيف يعيش هؤلاء داخل مجتمعاتهم الخاصة التي أنشئت لهم خصيصًا برونق جهادي؟ ، وكيف تبدو الحالة الجهادية القديمة والحديثة ؟ ، علينا دائمًا أن نتذكر أن هذه الظاهرة الجهادية أصبحت جزء من تركيبتنا المجتمعية وإن لم نفهمها ونتعهدها بالدراسة والتحليل ربما لن نستطيع التعايش مع بعض أجزائنا وإن حاولنا التنكر منهم .

حاولنا في هذا المقال أن نفهم كيف عاش الجهاديون في تنظيم "القاعدة" منذ نشأته حيث أنه التنظيم الأم للحركات الجهادية في العالم في آخر عقدين من الزمان بسرد بعض الروايات الغير معروفة عنهم،كتنظيم هو الأكثر انضباطًا بين الجهاديين، والمدرسة الحركية للجهاديين حول العالم، إذ تعرضنا للتنظيم من الداخل من خلال رواية أحد العملاء المزدوجين بالتنظيم واسمه الحركي "رمزي" والذي نشره شهادته المثيرة للجدل حول التنظيم وميلاده وقياداته ونظرة إليه عن كثب في حوار أجراه معه الزميل أمجد أبوالعز بلندن نشر بعد ذلك في جريدة الحياة اللندنية.

فعند هذه التنظيمات الأمر حين يتعلق بالمال اللازم لممارسة الأنشطة الجهادية فإن الحديث سوف يأخذنا إلى أثرياء الخليج الداعمين لتنظيم القاعدة وحركات جهادية منبثقة في التسعينيات وحتى أوائل 2000 وما تلاها بل يمكننا القول حتى هذه اللحظة الدعم مستمر، كما روى جهاديون أن أعضاء التنظيم في أوربا كثر مستترين يأمنون دعمًا يأخذ في الاعتبار أيضًا، ويظهر عدم وجود أي معضلة مادية أمام التنظيم في هذه الفترة مثل ما روي عن سجن أيمن الظواهري في داغستان الرجل الثاني في التنظيم حينئذ، وطلبت الشرطة الداغستية التي اعتقلته على الحدود في هذا الوقت أكثر من مائة ألف دولار كمقابل لاطلاق سراحه وجرت عملية التفاوض حتى وصل المبلغ إلى 40 ألف دولار ولم يكن لدى التنظيم أي مشكلة في تأمين مثل هذه المبالغ في لحظات.

كما يروى أن التنظيم استطاع توفير ثلاث رؤوس نووية صغيرة بمقابل مادي بلغ 35 مليون دولار من خلال مافيا روسية دون أن يمتلك التنظيم إمكانيات استخدامها، والظواهري كان مهندس هذه الصفقة في ذلك الحين أيضًا.

وأيضًا من شواهد امتلاك التنظيم لقدرة عالية على تدبير تمويله في أوائل التسعينات حينما ذهب مؤسسه أسامة بن لادن إلى السودان بمشورة الجناح المصري في التنظيم ليقتربوا من مصر حيث كانت نيتهم فتح جبهات مع الدولة المصرية ، فاستثمر الرجل أكثر من 165 مليون دولارًا في مزارع الذرة والقمح وفي مصانع للزيوت وأراض شاسعة بالسودان الا أن النظام السوداني قام بالاستيلاء على كل ذلك بعد خروج بن لادن بلاد إلى أفغانستان، وفي أمر المال أيضًا تردد أن حركة طالبان تورطت في بيع مخدرات بأفغانستان لتمويل نشاطها حتى أوقفت هذا الأمر في العام 2001.

هذه التنظيمات لديها الطموح الكافي كما روى أعضاؤها من الداخل فالقاعدة كانت تمتلك برنامجًا لصناعة أسلحة جرثومية ولكنه فشل بسبب عدم جاهزية مختبرات معينة للتعامل مع هذه النوعية من الأسلحة، يؤكد ذلك، اكتشاف 48 جثة في صحراء الجزائر لأعضاء من تنظيم «القاعدة» مصابين بمرض الطاعون، سبب وفاتهم أنهم كانوا يصنعون سلاحاً جرثومياً فماتوا خلال عملية التصنيع، حتى اضطر التنظيم لايقاف مثل هذا البرنامج حتى يتمكنوا من تجهيز مختبرات للتحكم به، أما عن الأسلحة الكيماوية الأقل خطرًا فقد امتلكها التنظيم بالفعل مثل غاز الكلورين الذي استخدمه التنظيم في العراق أكثر من مرة تحت قيادة أبومصعب الزرقاوي.

 التنظيمات الجهادية على مستوى القيادة لديها شأن كل تنظيم عدة أجنحة تستطيع أن تقول أنها متصارعة فيما بينها، فتنظيم القاعدة قاده أسامة بن لادن وحوله مجموعة من المصريين كجناح خاص به تولى القيادة من بعده، حيث كانت هذه المجموعة المصرية غير مقبولة من قبل أعضاء التنظيم الخليجيين أو الجناح الخليجي الذين يرون أن المصريين استأثروا بالرأي والقرار مع بن لادن، فقد كان هذا الأمر يسبب حالة من الانزعاج لهم دومًا حتى أن التنظيم بعد وفاة بن لادن شهد انقسامات عدة على مستوى الأقطار بسبب عدم قبول شخصية الظواهري خليفة بن لادن كقيادة للتنظيم من بعده بسبب اعتقاد الجناح الخليجي أن الظواهري ليس بقائد وأنه مجرد منظر لا يجيد تلك المهمة.

أما على صعيد التعامل مع الغرب والأنظمة فتلك التنظيمات لم تكن صلتها منقطعة مع الأجهزة الاستخباراتية الغربية ولم يكن من الصعب إبرام بعض التفاهمات معها والمعركة حامية الوطيس، ففي عام 2000 وبعد سيطرة طالبان -الداعمة للتنظيم- على السلطة في أفغانستان ومحاولة حصارها دوليًا، أتى ذلك بالتزامن مع أولمبياد سيدني في استراليا حيث استعانت استراليا ببعض العملاء من داخل تنظيم اقاعدة لتأمين هذا الأولمبياد بعد تردد شائعات عن نية طالبان والقاعدة استهداف الأولمبياد بعمليات عنيفة، حيث أرسلت استراليا رسالة مع أحد عملائها لوزير الشباب والرياضة في حكومة طالبان آنذاك.

 حيث أن طالبان قدمت طلباً للجنة الأولمبية العالمية في ذلك الوقت لتمثيل أفغانستان في الأولمبياد، ولكن بحكم أن مقعد الأمم المتحدة ما زال يمثله التحالف الشمالي المعارض لطالبان تم توجيه الدعوة له بدلا منهم، على رغم أنه لا يسيطر إلا على خمسة في المئة من أراضي أفغانستان، بينما تسيطر طالبان على حوالى تسعين بالمئة من الأرض في ذلك الوقت، إذ أن الرجل تمنى توجيه الدعوة إلى طالبان وليس للتحالف الشمالي لانتزاع اعتراف دولي، وأوصلوا رسالة إلى استراليا مفادها أن الملا عمر تحدث مع أسامة بن لادن وأخبره بأن الأولمبياد لن يهاجم ولن يهاجمه أحد من أي طرف في أفغانستان، أو أي طرف حليف لهم من خارج أفغانستان وقال لهم نصًا " إن الاولمبياد خط أحمر لا نريد من أي تنظيم أن يعتدي عليه، لأننا نريد أن نتفاهم مع الحكومة الأسترالية" وبالفعل تم التفاهم ووجهت دعوة إلى طالبان للمشاركة في الأولمبياد وإرسال وفد بصفة مراقبين، وجاء الوزير وثلاثة أشخاص من وزارته،حاملين أعلام طالبان في أولمبياد أستراليا وتحدثت عن ذلك الصحف الاسترالية في ذلك الوقت ،كخطوة أولى من التنظيم للحصول على مقعد في الأمم المتحدة ولو بصفة مراقب، ما يؤكد أن التعايش مع هذه الحركات والأفكار ممكن بلا شك خاصة مع التجربة الغربية.

هذه التنظيمات وبلا شك تمتلك من الموارد البشرية والمادية كم هائل يتم استثماره بالقدر المتاح فتنظيم القاعدة امتلك عدة كفاءات عسكرية ومخابراتية ساعدته على الحفاظ على أمن قياداته واستمرار نشاطه أكبر وقت ممكن رغم الاختراقات المتكررة ، ولكن بشكل عام التنظيم امتلك من الكفاءات الكثير على جميع مستويات احتياجاته، ظهرت في عملياته النوعية التي قام بها في قلب الولايات المتحدة وغيرها، كما أن التنظيم امتلك شبكة عالمية جرى التنسيق بينها لسنوات قبيل اكتشافها عن طريق العميل المزدوج رمزي الذي تم تجنيده وهو يتقلد مسؤولية المراسلات الدولية للتنظيم .

كل هذه الأمثلة من داخل القاعدة ترينا كيف مثل هذا التنظيم الحالة الجهادية لعقود إلى أن ظهر إلينا رافد من روافده بل يمكن القول أنه تطور له وهو"تنظيم الدولة" رغم الشقاق بينهما الآن والتنافس على قيادة الحالة الجهادية في العالم، حيث أطل هذا التنظيم الوليد علينا بعدة انتصارات سريعة مفاجئة محى بها تاريخ تنظيم القاعدة الذي لم يستطع تحقيق هذه الحالة رغم توافر كل هذه الإمكانيات التي تحدثنا عنها ولم يجتذب هذا العدد الكبير من الشباب ولم يسيطر على هذه المساحة في عقر ديكتاتوريات عربية لم يحلم مجاهدو القاعدة بالمرور في هذا الأرض مسبقًا.

كل ذلك يدفعنا إلى دراسة وتحليل هذه التنظيمات التي تكل علينا يوميًا في مشارق الأرض ومغاربها، بل يجب قراءة ما بين السطور في كتبها والبحث في كل ما يتوافر لدينا من معلومات داخلية بها حتى نستطيع أن نتعايش مع هذه الحالات التي ويبدو أننا سنحتاج زمنًا حتى نفهم عوامل نشأتها، فإلى أن يحين ذلك نتمنى أن نعرف حدود قدراتها وكيفية التعامل معها .