ترجمة من الفرنسية وتحرير نون بوست

يروي هؤلاء المجندون السابقون تفاصيل الحياة اليومية تحت راية تنظيم داعش، وهي حياة يطغي عليها الجانب العسكري وتحكمها الأفكار الدينية المتشددة، وهو ما سبب للبعض معاناة نفسية فيما يحاول البعض الآخر تناسي الممارسات الشنيعة التي كان طرفًا فيها والمضي في حياته كأن شيئًا لم يكن.

 أحد هؤلاء المقاتلين هو كمال وقد عاد لفرنسا بعد قضائه لسنة كاملة في صفوف تنظيم داعش، قضى هذا الشاب شهورًا شبيهة بالكابوس وأمضى ليالي عديدة يحاول اختراع الحيل لتجنب المشاركة المباشرة في المعارك وهو يعض أصابعه ندمًا لسماحه لنفسه بالتورط في هذه المغامرة الكارثية التي أغرته بذريعة مساعدة إخوانه السوريين في حربهم ضد بشار الأسد تحت شعارات الإنسانية والأخوّة، ولكنهم صدموا بأن قيادات تنظيم داعش لم تكن لها نفس هذه التطلعات، وبعد أن رفض كمال أخذ السلاح والصعود نحو الجبهة تقرر إرساله ليحارب في العراق، لذلك هو يعتبر اليوم أن بقاءه على قيد الحياة هو معجزة، لقد فعل المستحيل لينفذ من الورطة التي وقع فيها ووصل به الأمر إلى التجرأ وتحدي القيادات وعندما مثل أمام المحكمة الشرعية لعب على ورقة القانون والمساواة وطالب بحقه في أخذ استراحة والسفر لتركيا بعد أشهر من الخدمة، ولم يجد القاضي مفرًا من منحه الترخيص.

وما إن عبر كمال الحدود نحو تركيا حتى توجه مباشرة نحو السفارة الفرنسية وعرض عليهم تفاصيل رحلته وعبّر عن رغبته في العودة إلى بلاده وبعد ذلك انتظر حتى يتم النظر في ملفه، ثم في الخريف الماضي بينما كان في العراق أجرى كمال اتصالاً هاتفيًا بأحد أقربائه الذي قام بتسجيل المكالمة، ويظهر من خلال التسجيل صوت قصف مدفعي عنيف بينما يصيح كمال طالبًا العودة لفرنسا وهو يقول إنه لا يريد أن يكون كبش فداء أو دمية يحركها الآخرون.

البعض يتملص من ماضيه في سوريا

اليوم يقبع حوالي مائة مقاتل سابق في السجون الفرنسية أي حوالي ثلث الذين عادوا من سوريا، ولكن لماذا قرر هؤلاء مغادرة المعركة المقدسة التي لطالما حلموا بها والتي خاطروا بكل شيء من أجل الالتحاق بها؟ ماذا يقولون لمحاميهم وللمحققين والقضاة حول الوضع في سوريا؟ وما درجة صدق توبتهم عن المشاركة في التنظيمات المتشددة مجددًا؟ بالطبع يعلم هؤلاء الشبان الفرنسيون أنه ليس من مصلحتهم أن يرووا كل ما حدث معهم ولهذا يحاولون تقزيم دورهم والتظاهر بالقيام بدور ثانوي خوفًا من التبعات القانونية لما اقترفوه خاصة وأن قيام الشرطة بالتحقيق في مسيرتهم في سوريا للتأكد من صحة أقوالهم هو أمر غير ممكن.

وفي الحقيقة فإن كل الأمثلة موجودة، إذ يوجد من بينهم شاب شارك مباشرة في المجازر المروعة بما فيها الإعدامات الجماعية، وتقول السلطات اليوم إنه يعاني من حالة انهيار نفسي بسبب الندم على ما اقترفه، وهناك أيضًا زوجان أصيبا بخيبة أمل كبيرة، حيث يقول الرجل إنه مشتاق لمقابلة والديه وأنه شعر بالاستياء بسبب طريقة تقسيم الغنائم داخل تنظيم داعش، أما زوجته فهي تقول إنها ضاقت ذرعًا بالحياة في أرض الشام التي تخيلتها كأرض الأحلام للجهاديين.

يوجد أيضًا من بين هؤلاء الجنود الضائعين شاب اعتنق الإسلام وتعرض لمشاكل كبيرة بعد أن اشتبه عناصر تنظيم داعش في كونه جاسوسًا غربيًا، وهناك أيضًا زوجان فرنسيان آخران يملك الرجل الجنسية الفرنسية فيما تنحدر المرأة من تونس وعندما ولد طفلهما الأول تحت صوت القذائف أرادا أن يبحثا له عن مستقبل أكثر ضمانًا في مكان آخر وقررا عبور الحدود نحو تركيا رغم خوفهما من رد فعل السلطات التركية عند رؤية شهادة ميلاد طفلهم وعليها ختم "الدولة الإسلامية".

ويقول الصحفي دافيد تومسون الذي يمتلك اتصالات واسعة مع المقاتلين العائدين إن خيبة الأمل هذه كانت ردة فعل الكثيرين بسبب ما عاشوه على أرض الواقع  وهم اليوم يتملصون مما تورطوا فيه ويعيشون حالة إنكار للحقيقة، ومنهم حتى من صرح بارتداده عن الدين الإسلامي بسبب ما شهده من الفظاعات التي ارتكبها هذا التنظيم الذي ينسب لنفسه الدفاع عن الإسلام.

أما في مكاتب قصر العدالة في باريس فإن كل هؤلاء المقاتلين يتم وضعهم في سلة واحدة لسبب واضح: "المقاتلون الذين ذهبوا مبكرًا لسوريا من سنة 2013 إلى صيف 2014 تم إغواؤهم بشعار الخلافة والزج بهم في معركة لا يفهمون أبعادها، ولكن اليوم مع انتشار التسجيلات المصورة على الإنترنت لعمليات الإعدام وقطع الرؤوس لم يعد بإمكان أحد الادعاء بأنه خدع وبأنه ذهب إلى هناك لأغراض إنسانية"، ورغم هذا فإن تدفق المتطوعين نحو جبهات القتال لم ينخفض أبدًا، بل بالعكس فعددهم يشهد ارتفاعًا مطردًا أسبوعًا تلو الآخر بينما تقف السلطات حائرة وعاجزة عن ثنيهم على الذهاب.

ويشير آخر تقرير أصدرته وزارة الداخلية الفرنسية إلى وجود 1462 شخص متورط في ملف السفر للقتال في سوريا والعراق منهم 414 يقاتلون على الجبهة و310 في طريقهم نحو سوريا و266 عادوا إلى فرنسا و380 آخرين يفكرون في الذهاب، كما أشار التقرير إلى سقوط تسعين قتيلاً فرنسيًا في سوريا والعراق بينما يقبع 102 خلف القضبان في السجون الفرنسية.

أما بالنسبة للعناصر الخطيرة التي تضطلع بأدوار متقدمة في صفوف تنظيم داعش والتي يمكن أن تعود لتنظيم هجمات مسلحة في فرنسا فإن عددها يقدر بالعشرات، وتبقى الصعوبة الأكبر هي الحكم على نوايا كل واحد من هؤلاء المقاتلين والقول إن كان قد عاد  ليعيش ضمن المجتمع الفرنسي أم لينفذ هجومات دموية، ويقول المسؤولون في قسم مكافحة الإرهاب إن أعداد الذاهبين للقتال تشير إلى أن الأمر أصبح ظاهرة محيرة، وفي هذا السياق تقول المحامية ناتالي شميلك التي تدافع عن أحد أعضاء ما بات يعرف بخلية سترازبورغ إنه يجب على السلطات أن تتعامل مع العائدين من صفوف تنظيم داعش بطريقة خاصة حتى لا يظلم الأشخاص الصادقون فعلاً في توبتهم.

وعلى أرض الواقع يتم تسيير الأمور داخل تنظيم داعش ليس فقط كجيش ولكن أيضًا كإدارة منظمة، فكل جندي يتلقى راتبًا يتراوح بين خمسين ومائة يورو يمكن أن يرتفع إذا كان المقاتل متزوجًا ولديه أطفال، كما يتمتع بسكن ولكن ليس سكنًا من فئة الخمس نجوم كما تروج آلة الدعاية بل مجرد منزل متواضع في الأحياء الفقيرة.

كما تتم مصادرة جوازات السفر والهواتف المحمولة وتحويل القادمين الجدد نحو معسكر إجباري للتدريب ثم توزيع المهام عليهم حسب قدراته، وعمومًا هناك ثلاثة خيارات وهي الالتحاق بالمعارك أو العمل مع الشرطة الدينية أو وحدة العمليات الانتحارية، ويتم تجميع أغلب الفرنسيين في كتيبة قتال فرنكوفونية يجتمعون فيها مع رفاق سلاح من بلجيكا ودول المغرب العربي ويشكل التونسيون الجزأ الأكبر من هذه الكتيبة كما أن قيادة الكتيبة تسند لشخص يتكلم الفرنسية لضمان فهمهم للأوامر الصادرة وتجنب الارتباك عند احتدام المعارك.

خلال الفترة الأولى من المعارك قبل بروز تنظيم داعش لم يكن الفرنسيون يتمتعون بسمعة طيبة خاصة في صفوف جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، حيث كان يتم اعتبارهم مقاتلين من الدرجة الثانية لأنهم لم يخوضوا حروب الشيشان وأفغانستان وكان ينظر إليهم باستهزاء ويتم استغلالهم كوقود للحرب كما تقول المحامية ناتالي شميلك، كما يتم الاعتماد عليهم لبث الدعاية في الدول الغربية على غرار إظهار تسجيل لنورمان ماكسيم هوشار وهو يعدم الرهائن، بينما يقدم بعضهم خبرته في مجال إلإعلامية لإدارة مواقع إنترنت تابعة للتنظيم.

ويقول المحامي مارتن برادل الذي ترافع في عدة قضايا لعناصر شاركوا مع تنظيم داعش إنه في الحياة اليومية يوجد فرق كبير بين ما يتخيله الناس عن العيش تحت راية تنظيم داعش وبين الحقيقة، فالملتحقون بالتنظيم  ليسوا فقط مجبرين على تنفيذ الأوامر العسكرية للقيادات بل ينصاعون أيضًا للأوامر المتعلقة بأمورهم الشخصية وبالجوانب الدينية التي يتم فرضها بكل تشدد وصرامة، وكان هؤلاء يعتقدون أنه يكفي عدم شرب الكحول وعدم التدخين وارتداء الحجاب بالنسبة للنساء للاندماج في هذا التنظيم والعيش في سعادة وهناء، ولكن الحقيقة هي أنهم يجدون أنفسهم واقعين داخل نظام رقابة صارمة يتم فيه التصدي لأي خروج عن الأحكام والتعليمات ويمثل مرتكب الخطأ أمام المحكمة الدينية، فالشخص يحتاج لترخيص للذهاب لسوق في الجانب الآخر من المدينة أو الحصول على العلاج في المستشفى، ولذلك يجد الشبان الفرنسيون المتعودون على قيم الحرية في أوروبا صعوبة كبيرة في التأقلم مع هذا الحضور المتواصل لمؤسسات التنظيم في كل تفاصيل حياتهم، ولئن نجح بعضهم في التظاهر بتقبل الأمر فإن الكثيرين انهاروا.

كما تكون ردة فعل البعض الآخر متطرفة؛ فيذهبون لأبعد من ذلك وينضمون هم بدورهم للشرطة الدينية ويوقومون بزرع الرعب في صفوف المدنيين وقص الأيادي وتنفيذ الإعدامات في إطار رغبتهم في إظهار حماسهم وإخلاصهم الكبير للتنظيم.

 تبادل الصور والتسجيلات على الإنترنت

خلال التحقيقات في فرنسا يمتنع هؤلاء المقاتلون عن الإكثار من الكلام ويتعمدون ترك تفاصيل مغامراتهم في سوريا غامضة، فالتزام الصمت والإجابة على قدر السؤال هي إستراتيجية دفاعية ناجحة، كما أن الخوف من توريط أصدقاء آخرين شاركوا في ارتكاب جرائم هو دافع مهم لالتزام الصمت، فتنظيم الدولة يراقب ما يحصل في فرنسا ويمكنه أن يعرف من يسرب المعلومات لوحدة مكافحة الإرهاب.

ولكن المحققين أيضًا بدورهم يمكنهم أن يعرفوا ماذا فعل المقاتلون السابقون في صفوف تنظيم داعش ومدى صدق ما أدلوا به أثناء التحقيق؛ فهناك فرق واضح بين ما يدلي به هؤلاء للجهات الرسمية وما يسرون به لعائلاتهم وأصدقائهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي أثناء تواجدهم في سوريا، وتُعد الصور وأشرطة الفيديو والرسائل التي ينشرها المقاتلون على الإنترنت سلاحًا مهمًا يعتمده قسم مكافحة الإرهاب للتوصل لما يريد معرفته، صورة واحدة يمكن أن تروي حكاية كاملة، فتقنية تحديد المواقع الجغرافية بالقمر الصناعي مثلاً تمكّن من تحديد مكان الشخص عند نشر الصورة، ومن هناك يمكن إثبات أن شخصًا معينًا حمل السلاح وشارك في المعارك من خلال إثبات مكان وتوقيت وجوده أثناء المعركة وإثبات أن ذلك المكان جرت فيه معارك في ذلك التاريخ، وهو عمل معقد ومرهق يقوم به قسم الشرطة التقنية لأن البحث عن هذه المعلومات هو عمل طويل ومضن يحتاج لساعات وأيام من تصفح حسابات الفايسبوك وتويتر وقراءة المحادثات الخاصة.

المصدر: لوفيغارو الفرنسية