استبشر أهالي محافظة الأنبار قبل أسبوع من الآن، بخبر إطلاق القيادات الأمنية والسياسية في محافظتهم "عملية تحرير الأنبار الكبرى" لاستعادة السيطرة على المناطق التي سيطر عليها تنظيم "داعش" وإعادة النازحين إليها، بعد نحو عام ونصف من العمليات العسكرية المرهقة، وحركة النزوح الكبيرة لمعظم سكان المحافظة.

هذا الخبر كان بالنسبة للنازحين، "الأمل" الذي أعاد إليهم الحياة بعد أن وصلوا مرحلة اليأس، فغرقوا بأحلام وردية تمحورت حول "العودة" لمناطقهم ومنازلهم التي غادروها منذ شهور عديدة، بينما راود مخيلة من بقي في المحافظة حلم الأمان والاستقرار، إلا أنهم سرعان ما صُدموا بأخبارٍ أفاقتهم من أحلامهم السعيدة لتُعيدهم إلى كابوس الواقع.

فما هي إلا ساعات على إعلان انطلاق "عملية التحرير" حتى شنّ مسلحو التنظيم هجومًا على منطقة (البو فرّاج) شمال الرمادي وسيطروا عليها بعد أن انسحبت منها القوات الأمنية، ثم تبعها سقوط منطقتي الصوفية والبو غانم إلى الشرق منها، ثم التوغّل إلى وسط الرمادي والسيطرة على جامع الدولة الكبير ومحاصرة مقرات حكومية وعسكرية مهمّة، قبل أن يتمكّن العسكر من استعادة الجامع بعد ساعات من سيطرتهم عليه.

ولأنّ المصائب لا تأتي فرادى، فإن من جملة ما حقّقته العملية، أنْ اُصيب قائد عمليات الأنبار الفريق الركن قاسم المحمدي وقائد الفرقة السابعة اللواء الركن نومان الزوبعي بجروح، فيما حالف محافظ الأنبار صهيب الراوي وقائد شرطة المحافظة اللواء الركن كاظم الفهداوي الحظّ ونَجَيا من هجمات قام بها عناصر التنظيم.

لتشهد مدينة الرمادي أكبر عملية نزوح ربما منذ أن استوطنها البشر، حيث فرّ نحو مئتي ألف شخص من المدينة لا يحملون معهم من الأمتعة إلا ما يستر عوراتهم، في هجرة أشبه ما تكون بهجرة الفلسطينيين من أراضيهم عام 67.

معاناة النازحين لم تتوقف عند هذا الحدّ، بل إن مغادرتهم لمنازلهم ما كانت سوى البداية، فبدلاً من أن تستنفر حكومة حيدر العبادي جهودها لإغاثة وإيواء من وقفت عاجزة عن حماية مناطقهم من تقدّم مسلحي التنظيم، فإنها أغلقت أبواب العاصمة بغداد بوجههم ومنعتهم من دخولها إلا بعد أن يحصلوا على من يكفلهم من أهالي العاصمة كي تسمح لهم بولوج أبوابها، لتضيف لهم جرحًا لآخر، ربما كان أكثر إيلامًا من آلة الحرب.

فحكومتهم تفتح الحدود على مصراعيها للزوار الإيرانيين وتذلّل كافة العقبات التي تعترضهم، فلا رسوم عليهم ولا عرقلة في إجراءات دخولهم، بينما هم (أهالي الأنبار) يفترشون الأرض ويلتحفون السماء على حدود المناطق التي فرّوا إليها طلبًا للأمان!

وقفت الأمواج البشرية المتلاطمة من النازحين عند السيطرات الخارجية لبغداد، بانتظار إذن الدخول، وكأنهم من بلد آخر، أو مواطنين من الدرجة العاشرة، فلا يُسمع هناك إلا صراخ الأطفال وبكاء النساء، في موقف ظاهره عدم الرحمة، وباطنه الخزي والعار، لحكومة تهين نفسها بإهانة شعبها.

فلم تجنِ محافظة الأنبار من عملية تحريرها الكبرى - حتى الآن -، سوى خسارة مناطق جديدة يقابله نزوح مئات الآلاف من أبنائها، هائمين على وجوههم من هول ما تعرّضوا له، فكانت هذه العملية بحقّ "عملية تهجير الأنبار الكبرى"!