تجري حاليًا على قدم وساق عملية إنقاذ كبيرة في البحر المتوسط لأكثر من 700 مهاجر يُعتَقَد أنهم لاقوا حتفهم غرقًا قبالة سواحل ليبيا، بعد أن استقلوا مركبًا للهجرة لا يسع سوى لمائتي فرد، محاولين الوصول إلى جزيرة صقلية التابعة لإيطاليا، في فصل جديد من فصول الهجرة غير الشرعية من أفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا، وفيما قد يكون أسوأ كارثة يتعرض لها مهاجرون في طريقهم لأوروبا، لتصل أعداد الوفيات بسبب الهجرة إلى 1،500 خلال 2015 بعد أربعة أشهر فقط، في مقابل 3،000 في عام 2014 بأكمله.

كانت قوات خفر السواحل الإيطالية قد نجحت في إنقاذ 28 شخصًا حتى الآن، في حين انتشلت عشرين جثة من البحر، طبقًا لما صرّحت به وزارة الداخلية الإيطالية، والتي قالت أن المركب بدأت في الغرق على بُعد 96 كيلومترًا من الساحل الليبي، و193 كيلومترًا من جزيرة لامبِدوسا الإيطالية، في حين لا يزال المئات في عرض البحر، طبقًا لوكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، بعد أن بدأوا في إفقاد مركبهم توازنها إثر رؤية سفينة تجارية حاولوا جذب انتباهها لتجلبهم إلى السواحل الأوروبية.

إذا ما تأكدت تلك الأرقام، سيعني هذا أن أعداد المهاجرين الذي لقوا حتفهم في الطريق إلى أوروبا تضاعفت حوالي 30 مرة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، إذ وقعت حادثة مشابهة الأسبوع الماضي راح ضحيتها حوالي 400، وهي حوادث دفعت العديد من الأصوات السياسية والإعلامية في أوروبا إلى تأسيس مهمة للبحث والإنقاذ تابعة للاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط.

إحدى الطبيبات الإيطاليات بميناء بالِرمو تستقبل من تم إنقاذهم

في أكتوبر الماضي، كانت إيطاليا قد قررت إلغاء المهمة “مارِه نوستروم”، والتي أنقذت حوالي 100،000 شخص العام الماضي، نظرًا لتكبّدها 9 ملايين يورو شهريًا، وهي مصاريف أثقلت كاهل اقتصادها المأزوم، ورفضت أن تشاركها إياها دول أوروبا، كما اعتقد البعض أن المهمة في الحقيقة تشجّع المهاجرين بمقارنة أعداد من يتم إنقاذهم بمن يغرقون في النهاية (3:100 في عام 2014)، وهي أسباب متعددة دفعت روما إلى إلغاء المهمة، بيد أن الحُجة الأخيرة على ما يبدو لم تكن صائبة، إذ لا تزال تتضاعف الأعداد هذا العام.

يقول البعض أن خطوة إلغاء المهمة كانت خطأ كبيرًا نظرًا لعدم معرفة المهاجرين أصلًا بطبيعة المهمة أو بقائها من عدمه، حيث تجبرهم ظروف حياتهم في جميع الأحوال على الاتجاه نحو مراكب الهجرة غير الشرعية، كما يقول محمد عبد الله، السوداني البالغ من العُمر 21 عامًا والقادم من دارفور، “ليس هناك أمن أو حرية أو عدالة حيث أعيش، لذلك لم أتمكن من البقاء هناك واضطررت للاتجاه نحو أوروبا.”

“لم أسمع من قبل بمهمة مارِه نوستروم تلك، ولا أعرف أن الطليان قاموا بإلغائها أصلًا، والكثيرون هنا يستقلون المراكب دون أن يبالوا بالإنقاذ، فالمجموعة التي أعمل معها تنظّم حوالي 20 رحلة أسبوعيًا في أشهر الصيف المزدحمة” هكذا قال أحد المسؤولين عن تهريب المهاجرين وتنظيم الرحلات، وهو ما أكده مسؤولو ميناء مصراتة الليبي، والذين حذروا من استمرار رحلات الهجرة غير الشرعية وعدم قدرتهم على منعها نظرًا لضعف الإدارة الليبية وغياب التمويل اللازم.

مجموعة من المهاجرات بعد وصولهم لميناء مسّينا بجزيرة صقلية

ردود الأفعال الأوروبية ومسألة الهجرة

من جانبه، دعا رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رنزي إلى قمة أوروبية طارئة هذا الأسبوع للتعامل مع أزمة المهاجرين المتنامية على سواحل القارة الجنوبية، قائلًا بأن الاتحاد الأوروبي عليه أن يضطلع بالمزيد بعد الحادث الأخير، وهو مطلب تشاركه إياه دول الجنوب التي تعاني من أزمة اليورو اقتصاديًا أكثر من غيرها، مثل إسبانيا واليونان، حيث اقتصرت جهود أوروبا حتى الآن على تشكيل مهمة إنقاذ بديلة لمارِه نوستروم لا تتجاوز ثُلثها في التمويل، وبعدد أقل من العاملين والمراكب بما لا يكفي للقيام بالمهام المطلوبة في مياه المتوسط الواسعة.

بدورها، دعت الأمم المتحدة دول أوروبا إلى تبني مواقف أكثر نشاطًا في وجه نزوح تلك الأعداد الكبيرة إليها، والتي تأتي من الجنوب، بدلًا من التفكير فقط في كيفية وقف قدوم المهاجرين، وهو منطق سائد هذه الأيام بين الحكومات نظرًا لتصاعد حركات اليمين القومي المتطرف الرافض لوجود المهاجرين في أوروبا، لا سيما في بريطانيا وفرنسا والدنمارك، في حين لم تتبنى سوى ألمانيا والسويد مواقفًا إيجابية من مسألة الهجرة واللجوء، كما تشي أعداد اللاجئين السوريين التي قاموا بإيوائها منذ اندلاع الأزمة السورية.

على مستوى الاتحاد الأوروبي، قال رئيس المجلس الأوروبي، البولندي دونالد توسك، أن عقد قمة سياسية طارئة قد يكون على الطاولة بالفعل لمناقشة الإجراءات الواجب اتخاذها للتعامل مع تلك الأزمة، في حين دعت الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، الإيطالية فردريكا موغريني، إلى عدم اتخاذ خطوات شكلية مثل كل مرة يعود فيها موضوع الهجرة غير الشرعية للواجهة، “لقد تعهدنا كثيرًا جدًا بعد حوادث عدة بأن تكون هي الأخيرة، وهو ما لم يحدث بالطبع.”

خطوط الهجرة الرئيسية إلى أوروبا (الأزرق: وسط المتوسط؛ الأزرق الفاتح: جنوب إيطاليا؛ الأحمر: غرب المتوسط؛ الأصفر: شرق المتوسط؛ القاني: غرب البلقان)

على الناحية الأخرى، صرّح وزير الداخلية الألماني، توماس دي مازيري، أن اللوم يجب أن يوجّه للمسؤولين عن شبكات تهريب المهاجرين ووضعهم بهذا الشكل في مراكب الهجرة مقابل الحصول على أرباح خيالية، حيث تُقدّر تكاليف مركب كهذا بحوالي عشرة آلاف دولار، في حين يقوم كل مهاجر بدفع حوالي ألف دولار، مما يعني حصول المهرّبين على أكثر من نصف مليون دولار من مئات الركاب، ليحققوا أرباحًا عالية دون اكتراث بأرواحهم.

على نفس الخط، وجه وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، سهامه نحو المهرّبين بشكل رئيسي، محمّلًا إياهم مسؤولية قتل المئات بوضع أكبر عدد منهم في تلك المراكب، والزج بهم إلى “تلك الرحلات المميتة”، كما وصفها، داعيًا إلى شن حملة لمواجهة المهربين وضرب شبكاتهم لتقليل أعداد الغرقى والمهاجرين بشكل عام.

تُعَد ردود أفعال السياسيين بالطبع مختلفة بعض الشيء عن المنظمات الإغاثية والدينية نظرًا لحساسية مسألة الهجرة في تلك المرحلة من تاريخ أوروبا، والواقعة بين مطرقة السكان المتجهين بشكل متزايد نحو الشيخوخة، وسندان الحاجة إلى الهجرة دون تأثير ذلك على ثقافة وتراث بلدان القارة، وهو ما يعزز من التيار اليميني في دول شمال وغرب أوروبا، لا سيما وأن البعض يعتقد أن الاهتمام بالإغاثة سيُرسِل رسالة للمهاجرين مفادها أن الهجرة غير الشرعية ناجحة، في حين دعا آخرون إلى نقل المهاجرين إلى مواطنهم الأصلية بعد إنقاذهم، لا تركهم على سواحل أوروبا.

ما إن كانت القمة الأوروبية التي ستنعقد ستغيّر من تعامل أوروبا مع هذه المسألة هو أمر ستكشفه الأسابيع المقبلة، بيد أن العام 2015 على ما يبدو سيكون مهمًا للإجابة، ولو جزئيًا، على مسألة الهجرة وأبعادها الإنسانية والسياسية في القارة العجوز، خاصة مسؤولية الإنقاذ التي تقع على عاتق الاتحاد الأوروبي.