بمساحة تبلغ تقريبًا ضعف مساحة قطر، وبتعداد سكاني لا يتجاوز المليون، تقع جيبوتي في واحدة من أهم المواقع الاستراتيجية، بعد أن رسم حدودها الاستعمار خصيصًا لذلك، لتصبح إلى اليوم مهبط القوى الكبرى بالمعنى المجازي، وربما بالمعنى الحرفي أيضًا، حيث تُعَد أراضيها نقطة هبوط وانطلاق هامة للطائرات الأمريكية التي تحلق فوق اليمن والصومال وتقصف أهدافها دون طيار، وهي طائرات ستتمتع بحقوق التواجد على أراضي جيبوتي لعشر سنوات بعد تجديد عقد القاعدة الأمريكية “كامب ليمونييه” مؤخرًا، وهي قاعدة هامة لواشنطن على ما يبدو إذ قررت الانصياع لمطالب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة بدفع ضعف الإيجار السابق.

بالإضافة للأمريكيين، يدفع الفرنسيون والألمان واليابانيون ملايين الدولارات إلى البلد الصغير منذ سنوات لاستخدام المنشآت الموجودة على أراضيه، وتأمين تجارتهم المارة عبر مضيق باب المندب، والتي تتعرض بين الحين والآخر لهجمات القراصنة المنتشرين في القرن الأفريقي، مما يضمن على ما يبدو دخلًا جيدًا للنظام في جيبوتي، والذي لا يملك سوى موقعه على ما يبدو كميناء استراتيجي ليدر الدخل لمواطنيه.

مؤخرًا، انضمت الصين لتلك القائمة الطويلة من المستفيدين الدوليين، وليس فقط لأسباب اقتصادية وتجارية، ولكن لدوافع استراتيجية تحرّكها منذ سنوات نحو بناء شراكات وطيدة مع البلدان الصغيرة المطلة على المحيط الهندي، وجيبوتي في ذلك مثلها مثل ميانمار وسريلانكا وباكستان وبنغلادش الذين فتحوا أبوابهم منذ سنوات أمام النفوذ الصيني، ليحصلوا على دفعة من الاستثمارات الصينية مقابل ترسيخ الصين لنفوذها التجاري في المحيط، وهو نفوذ سيأتي بالأساس على حساب الولايات المتحدة، القوة البحرية الأولى في العالم.

جيبوتي: الصين تضرب عصفورين بحجر

تتمتع أفريقيا بموقع هام في الاستراتيجية الصينية العالمية بشكل عام، لا سيما وهي المنطقة الوحيدة المفتوحة على مصراعيها للتنافس الاستثماري حيث لا تزال بانتظار انطلاقها الاقتصادي الذي لم يأت بعدها، وهو ما يدفع الصين منذ سنوات لضخ المليارات إلى القارة، ليصل التبادل التجاري بين بلدان أفريقيا والصين إلى حوالي مائتي مليار دولار العام المقبل، وهو ما يفوق تجارة القارة مع كل من أوروبا والولايات المتحدة.

بالإضافة لذلك، تقع جيبوتي في موقع استراتيجي للتجارة العالمية، وهو ما يجعلها جزءًا من استراتيجية صينية أخرى مهتمة بالتواجد القوي في المواقع الاستراتيجية والغنية بالثروات الطبيعية، وهو ما تفعله الصين مع الجزائر، الغنية بالغاز والنفط، ومع إثيوبيا ونيجيريا الصاعدتين اقتصاديًا على طرفي القارة الشرقي والغربي، بالإضافة إلى بلدان أخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية.

بالفعل، انضمت جيبوتي لقائمة الشراكات مع الصين العام الماضي بتوقيع اتفاقية دفاعية وأمنية مع بكين تمت عن طريق وساطة وزير الدفاع الصيني المعروف تشانغ وانتشوان، العقل المدبر للاستراتيجية الصينية في بحر جنوب الصين، والذي يشهد توسّعًا تدريجيًا للصين في السنوات الأخيرة، وهي اتفاقية احتجت عليها واشنطن بالطبع، لا سيما خطة بناء قاعدة عسكرية صينية في منطقة أوبوك.

لم تُثمر بالطبع اعتراضات الولايات المتحدة نظرًا للعراض الصيني المغري، والذي اشتمل على شراء شركة “تشاينا مِرشانت” القابضة China Merchant Holdings، نصيبًا كبيرًا من ميناء جيبوتي المحوري للاقتصاد في البلاد، والذي ستنفق عليه الشركة حوالي 185 مليون دولار، بالإضافة إلى تطوير كافة منشآت الميناء عن طريق شركة هندسة البناء الصينية المملوكة للدولة برأس مال 420 مليون دولار، علاوة على بناء مطارَين دوليَّين، وسكة حديد تصل البلاد بأثيوبيا، الاقتصاد النامي والباحث عن حليف تجاري مطل على البحر الأحمر.

الصين والتحالف اللاديمقراطي

بالإضافة إلى موقع جيبوتي الهام للتجارة الأفريقية المحورية لدور الصين في الاقتصاد العالمي، والاستراتيجي لتوطيد دور الصين في الخريطة الدولية وخريطة المحيط الهندي بالتحديد، تُعَد جيبوتي واحدة من سلسلة من الدول الاستبدادية، أو غير الديمقراطية (سمها كما شئت)، التي تهتم بها بكين دون سواها في دبلوماسيتها نظرًا للثقافة السياسية المشتركة التي تتمتع بها معها، ورغبتها في ترسيخ شراكتها السياسية والاقتصادية مع هذه الدول سهولة عبر الروابط الشخصية مع قيادات تلك البلدان، على العكس من الدول الديمقراطية والتي تصعُب فيها الهيمنة بالطريقة التي تنتهجها بها الصين.

لا يدلل على ذلك أكثر من سلسلة الاستثمارات الصينية الأخيرة في العديد من تلك البلدان، والتي ركزت على البنية التحتية كجزء أساسي وصلب لا غنى عنه في اقتصاد أي بلد، وهي صفقات غالبًا ما اشتملت على عقود جانبية ببناء مساحات خاصة للقادة والزعماء، كما حدث في السودان على سبيل المثال، وهي سياسة يعززها احتفاء الصين المبالغ فيه بزعماء تلك الدول الاستبدادية الصغيرة منوع من الدعم المعنوي لتلك النظم، وهو دعم لا تقدمه الدول الغربية بسهولة بالطبع.

فعلى العكس من الدول الغربية، والتي تقع بشكل متزايد تحت ضغوط الجماعات البيئية تارة، وثم أنصار الديمقراطية وحقوق الإنسان تارة أخرى، لا تكترث الصين كثيرًا لا للبيئة ولا للمجتمعات المحلية في المناطق التي تعمل بها، وهو ما يجعل استثماراتها مناسبة تمامًا لتحقيق الربح السريع، كما تشي بذلك نماذج التواجد الصيني في نيجيريا والسودان وميانمار، والتي بدأت مؤخرًا فقط في الانفتاح على استثمارات آخرى مثل الهند واليابان وأوروبا بعد أن أدركت مخاطر الاعتماد على الصين دون سواها، لا سيما وأن استثماراتها لا تُحدِث الأثر المرجو على رفع مستويات المعيشة كما تقول دومًا النظريات الخاصة بفتح الباب للاستثمار الأجنبي للأسباب المذكورة.

ماذا ستفعل واشنطن إذن؟

من ناحيتها، تدرك واشنطن أن جيبوتي لا تزال حليفها الأساسي، وأنها تملك الكثير من الأوراق للضغط، خاصة وأن دورها الاقتصادي لا يزال يفوق دور الصين الجديد على الساحة، وأن النمو الحادث في الاقتصاد الأمريكي سيتيح لها توفير ما تريد للاستمرار في كسب هذا الحليف الصغير في صفها، أضف لذلك أن كل أصحاب النفوذ في جيبوتي هم جزء من التحالف الغربي بشكل عام، مثل اليابان وفرنسا وألمانيا، وهم قادرون بالطبع على تقديم أكثر مما تقدمه الصين.

المسألة الوحيدة التي ستكشف عنها الأيام، هي ما إن كانت تلك البلدان ستفتح الباب قليلًا أمام تقديم مزايا لنظام إسماعيل عمر جيلة لإبعاده عن تحالف الصين المُغري للدول غير الديمقراطية، وهو أمر مرجح على الأقل فيما يخص سياسة واشنطن، والتي تتمتع بسوابق كثيرة في هذا الأمر كما تشي سياساتها مع دول الخليج.