ترجمة من الفرنسية تحرير نون بوست

قبل سنة، استقبلت قرية جوميلاك لوغران خمس عائلات سورية لاجئة، فروا من الحرب الطاحنة التي تعصف ببلدهم، هذه البادرة تعد حركة نبيلة للتعبير عن التضامن، كما أنها مثلت فرصة لتنشيط الحياة داخل هذه القرية الصغيرة.

 كل صباح يتجمع الأطفال في ساحة مدرسة جوميلاك لوغران حول مدرستهم، ليرددوا الأناشيد المنعشة التي تتغنى بجمال الطبيعة والأجواء المرحة، تعشق ميادة هذه الأناشيد التي حفظتها عن ظهر قلب، وحتى عندما تعود للبيت تواصل ترديدها على مسامع أمها التي لا تفهم دائمًا ما تردده ابنتها، هذا اليوم جاء دورها لتقف وتقوم بالإخبار عن التاريخ وعد زملائها الحاضرين، تقف ميادة وهي غارقة في كنزتها الرمادية وتحاول رفع صوتها وهي تعد الأطفال بإصبعها: واحد اثنين ثلاثة، تسأل المدرسة: من المتغيب اليوم؟ فتجيب الفتاة الصغيرة ذات الأربع سنوات بابتسامة تملؤها الثقة: إنهم نوي وليا.

قبل سنة، لم تكن ميادة تعرف أي كلمة فرنسية، فهي على غرار الملايين من السوريين هربت من جحيم الحرب وبحثت عن ملجأ، حتى استقرت هي ووالديها وأخيها نائل رفقة أربع عائلات أخرى هنا، في شمال مقاطعة درودوني.

وتقول سيلين دارديلاك، مديرة المدرسة: أنا لا أعرف شيئًا عن ماضي هذه الفتاة، لاأزال أتذكر اليوم الذي وصلت فيه هذه العائلات فجأة للقرية، كانت ميادة والأطفال السبعة الآخرين صامتين لا يستطيعون التواصل مع أحد في المدرسة، فبدأنا أولًا بإرسال الابتسامات والتواصل بالحركات، لم نقم بفصلهم عن بقية التلاميذ فقد كانوا أذكياء وتمكنوا من تعلم كل ما يلزم مثل الآخرين".

ويقول باسكال ميرلي، مدرس الصف الأول، إنه لا يستطيع أن يدعي أنه يدرك المعاناة التي مر بها هؤلاء التلاميذ، ويقول بكل بساطة أنهم عندما جاؤوا لم يكونوا يعرفون شيئًا غير الحروف العربية والكتابة من اليمين لليسار، كما أن بعضهم انقطع عن الدراسة خلال فترة اللجوء المؤقت في مصر، وقد قام هذا المدرس بشرح الأمر لبقية التلاميذ، وقال لهم إن هؤلاء الأطفال هم لاجئون تم استقبالهم في القرية، ولكنه يؤكد مرة أخرى أن لا أحد هنا يمكنه تخيل مدى بشاعة الحرب وقسوة اللحظات التي عايشها هؤلاء الأطفال.

في اليوم الأول، وقف هذا الرجل الأربعيني ذو الابتسامة العريضة حائرًا، ففي السنوات الماضية تعود على العمل مع أطفال أجانب من إنجلترا وهولندا، وتمكن من تدبر أمره معهم، ولكن أمام هذا الطفل السوري الذي وقف يرمقه بعينين سوداوين كبيرتين، لم يدر كيف يبدأ "وضعت قلمًا جافًا بين يديه، وطلبت منه كتابة أسماء زملائه الجدد، حتى بالأحرف العربية، ومع نهاية اليوم عاد كل واحد منهم لبيته محملًا بورقة تصوير، لقد نجحنا في كسر الجليد".

رغم أن هذا المدرس يتجنب طرح الأسئلة حول ماضي هؤلاء التلاميذ، فإن هناك إشارات لا يمكن تجاهلها حول الظروف التي مروا بها، في البداية نظم طاقم التدريس جولة في المدرسة برفقة مترجم لتعريفهم بكافة المرافق المتوفرة، تساءل أحد الأولاد بحيرة: أين الماء؟ فأجابه باسكال أنه يكفي الضغط على الزر الموجود فوق الحنفية حتى ينزل الماء، وكان ذلك حدثًا مهمًا بالنسبة إليه، رغم أن وجود الماء في الحنفيات يمثل أمرًا عاديًا هنا.

خلال فترة الراحة، تلعب ميادة وشقيقها بالدراجة ثلاثية العجلات وبالكرة، صحبة بقية الأطفال، يركضون ويلعبون بالأرجوحة والمزلجة، وخلال هذه الأوقات الشيقة يبدأ الأطفال بالتواصل والتحدث والتعاون على إنجاز بعض الأشياء، في هذه المدرسة الصغيرة تتميز العلاقات الإنسانية بالمتانة؛ لأن الإدارة اضطرت لتجميع مستويات عدة في قسم واحد ليبلغ عدد التلاميذ عشرين، وهو العدد الأدنى للأطفال في كل قسم، وبناء على هذا الإجراء تُدّرس الأقسام التحضيرية الأربعة في قسم واحد.

خلال ساعة الغداء، يجتمع المدرسون في مكتب المديرة لتناول الطعام ومناقشة أمورهم، لم يتوقف الهاتف عن الرنين منذ الصباح بسبب المشاكل العائلية التي تكثر في هذه القرية، أحد التلاميذ تشاجر والداه ولذلك لن يحضر الحصة المسائية، وتقول المديرة "هنالك قصص مؤلمة هنا، حالات طلاق ومشاكل حضانة، وأمام كل هذه التعقيدات التي تعودنا عليها، يبدو التعامل مع هؤلاء الأطفال السوريين أمرًا سهلًا وغير متعب".

بعد قليل، خلال تناول الغداء، كان الجميع يتناقش حول إمكانية رسوب بعض التلاميذ في هذه السنة، ولكن لا يوجد أي طفل سوري معني بهذا الأمر، ويقول المدرس باسكال "إنهم ينعمون بالدفء العائلي، ونحن نشعر أنهم واعون بالفرصة التي أُتيحت لهم لبدء حياة جديدة في فرنسا، ولذلك يُظهرون رغبة كبيرة في النجاح ويبدو آداؤهم مبشرًا جدًا".

في الجانب الآخر من الشارع، يوجد الرجل الذي جعل كل هذا ممكنًا، إنه إيف كونجي عمدة القرية، الذي ما إن سمع أن السلطات تبحث عن قرى تقبل استضافة لاجئين سوريين حتى سارع بتقديم طلبه، وهو يقول إن هذه هي المرة الأولى التي يعيش فيها تجربة مماثلة، فهو متعلق جدًا بجذوره الريفية، وخدم في السابق ضمن الجيش الوطني، كما يصف هذا العمدة قراره بأنه "قرار طبيعي على اعتبار أن فرنسا هي أرض كرم الضيافة".

هذه المناسبة كانت في الحقيقة فرصة لضرب عصفورين بحجر واحد، فهي حركة نبيلة للتضامن كما أنها فرصة نادرة لإحياء القرية التي يكاد يلفها النسيان، فالسيد كونجي يعلم أنه مع وجود هؤلاء الأطفال يمكنه تجنب قرارًا وزاريًا بغلق مدرسة القرية، كما أنه أصبح يطالب باستقدام طبيبًا مختصًا، لتعويض الطبيب الذي يوشك على الخروج للتقاعد، دون وجود من يعوضه.

وقد تم اختيار جوميلاك لوغران وقرية لا كوكي المجاورة ضمن عدة قرى ستستقبل اللاجئين، ضمن حدث لم تشهده فرنسا منذ حرب كوسوفو في سنة 1999، فقد أعلن فرنسوا هولاند، وديوان حماية اللاجئين والمهجرين عن إرسال بعثة إلى مصر في فبراير من سنة 2014، بعد أن حددت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بالتعاون مع السفارة الفرنسية بالقاهرة، خمس عائلات سورية تحتاج للحصول على اللجوء، وتم تحضير الملفات بشكل سريع وتذليل كل العقبات الإدارية والقانونية.

وفي شهر مايو سافر العمدة إيف كونجي بنفسه للقاء العائلات في مصر: "أريتهم قرية جوميلاك على خريطة فرنسا، ولكنهم كانوا يعرفون فقط باريس وبوردو ومرسيليا، لذلك احتجت لأن أشرح لهم كيف هي الحياة في الريف".

وبعد وصولها لميناء رواسي، استقلت المجموعة حافلة متجهة نحو درودوني، ووصلت عند منتصف الليل، أثناء هبوب عاصفة ممطرة، ومع أولى خيوط الفجر استكشفت العائلات وأطفالها المنازل الخشبية الصغيرة المشيدة على جانب الطريق، هذه المنازل المتواضعة الموجودة على حافة القرية هي سكنهم الجديد، ورغم وجود بعض الصحفيين الذين كانوا حاضرين في المطار، جرت العملية في كنف السرية، وحتى سكان جوميلاك لم يعرفوا ما حدث إلا في اليوم التالي، وهو أمر لم يحبذه بعضهم لرفضهم وضعهم أمام الأمر الواقع.

هل جئت لرؤية السوريين؟

في هذه القرية التي تضم 1200 ساكن، يمكن قضاء يومًا كاملًا دون ملاقاة شخص، ولكن الجميع يعرفون بعضهم، ووصول السوريين كان غداة الانتخابات البلدية، ولذلك يقول البعض إن إيف كونجي تكتم على خبر اقتراب قدوم السوريين ولو أعلن ذلك في وقت مبكر لما فاز بالانتخابات.

تعيش السيدة ميشال تيلو خارج القرية في مزرعة تقع على المرتفعات، وتعمل في خدمة الأرض مع ابنتها، كما تستقبل بعض الزوار في غرفة معدة للكراء، وعندما يأتي صحفي ليسكن عندها، لا تتوهم هذه الفلاحة أنه جاء لإجراء تحقيق حول الأمراض التي تصيب بقراتها، تقول خلال جلوسنا معها على طاولة الفطور: هل جئتم لرؤية السوريين الموجودين عندنا؟ بصراحة الأمور لا تجري بتلك البساطة التي قد يدعيها البعض، فأهل القرية يشعرون بالحيرة بسبب تضارب المعلومات، الإشاعات أمر مزعج فعلًا، فسوريا بلد بعيد جدًا وقد اختلطت علينا أخبار الحرب والمتشددين وتنظيم الدولة، في ظل هذا التعامل الإعلامي الذي يخلط كل المفاهيم والوقائع، لقد وصل تأثيرها إلى هنا.

كل القرية تشعر بالصدمة بعد وصول اللاجئين ولكنها لا تفضل الانغلاق على نفسها، وللتعرف على الوافدين الجدد، شكل العمدة مجموعة تجوب الشوارع وتشجع الناس على حسن استقبالهم وجمع بعض الألعاب والملابس لمساعدتهم على الاندماج، ولحسن الحظ اكتظت قاعة الاجتماع، والجميع جاء ليقدم مساهمته.

ومنذ لحظة وصولهم، تم التكفل بهذه العائلات ومنحها الإحاطة الكاملة، من خلال توفير المنازل الخشبية، دروس اللغة الفرنسية، المنحة العائلية، التغطية الصحية، والمتابعة من قِبل مكتب التشغيل، الجميع يريد إنجاز العمل بأسرع وقت، ولكن ظهرت بعض المشاكل المتعلقة بحاجز اللغة، ثم معادلة الشهادات العلمية.

من بين الاشخاص الذين تم استقبالهم في جوميلاك، يوجد فني مختص في الكهرباء، جزار، مدرسة لغة إنجليزية، طبيب نفسي، وطبيب جراح، وهذا الأخير كان الوحيد من بينهم الذي يتكلم الفرنسية، ويعلق عليه العمدة آمالًا كبيرة لإعادة إحياء العيادة الطبية المُهملة في القرية، فمنذ سنة 2009 أصبح الطب العام اختصاصًا طبيًا مستقلًا، مما يعني أن الجراح مثلًا يُمنع من تقديم الاستشارات الطبية العادية، ولذلك كان على الطبيب السوري ماهر عاشور أن يقوم بمعادلة شهادته العلمية ليتمكن من ممارسة مهنته في فرنسا، ومباشرة إثر ذلك، عثر على فرصة عمل ولكنها كانت على بعد 500 كيلومترًا.

اليوم هو يوم السبت، يعود والد ميادة ونائل أخيرًا للبيت، فالطبيب ماهر عاشور لا يرى عائلته إلا في نهاية الأسبوع ولذلك لا يريد تضييع دقيقة من وقته، في هذا البيت الخشبي الصغير ينصب الاهتمام أولًا على الواجبات المدرسية، حيث يخصص يوم السبت للغة الفرنسية والأحد للعربية، يفحص ماهر الكراسات بكل دقة، لقد حصل نائل على العلامة الكاملة خلال هذا الأسبوع في مادة القراءة، وهو ما جعل والده يشعر بالفخر: لقد خسرت كل شيء في هذه الحرب، ولكني أتطلع لأبنائي بكل أمل، والدراسة تمثل فرصتهم الوحيدة في المستقبل.

ويعتبر العمل قيمة جوهرية بالنسبة لماهر للحفاظ على كرامته، إنه يحتفظ في ذاكرة حاسوبه الشخصي بتسجيل لحصة تلفزية لحلقة تلفزيونية أجرتها القناة الثالثة الفرنسية يوم قدومهم، تظهر فيها لحظات وصولهم، وقيام الأهالي بجمع اللعب والملابس لاستقبالهم بشكل جيد، ولكن ماهر يشعر بالانزعاج من هذا الأمر، لأنه لا يريد أن ينظر إليه الفرنسيون كشخص متشرد يطلب المعونة، "نريد أن نعمل ونندمج ونتكلم الفرنسية، لا نريد أن نعيش على المساعدات".

بعد إنهاء الدروس تنطلق العائلة للتسوق في المدينة المجاورة، يجب القيادة لمدة ساعة على الأقل للوصول لأقرب مدينة، ولكن الأسعار في مراكز التسوق هناك أقل غلاءً من القرية، كما يمكن العثور على اللحم الحلال، في السيارة يريد ماهر الاستمتاع ببعض الموسيقى الشرقية، ولكن نائل البالغ من العمر سبع سنوات يريد الاستماع لأنشودة فرنسية.

أثناء السير عبر الغابة يتذكر ماهر أحداث شارلي إيبدو ويقول "لقد شعرت بالخوف في المستشفى الذي أعمل به، بسبب مظهري وكلامي الذي يدل على أننا من الشرق الأوسط"، ولكن زوجته ريم تؤكد أن الأمور تسير بشكل جيد، رغم أنها فضلت تغطية رأسها بقبعة شتوية عوضًا عن ارتداء الحجاب حتى لا تلفت الأنظار.

ويستمد ماهر الكثير من طاقته من ريم، فهي التي دفعته لقبول فرصة العمل في مكان بعيد، وهي تقوم بمتابعة دروس الفرنسية والاهتمام بالأطفال كل يوم بهدوء وثقة لافتين، وهي تأمل أن تتمكن في يوم من ممارسة مهنتها كطبيبة نفسية هنا في فرنسا، وفي انتظار ذلك تجتمع العائلة، على الأقل بعيدًا عن وقع القنابل والصواريخ والتهديدات اليومية.

خلال الشهر القادم سينتهي عقد عمل ماهر دون أن يتم تجديده، فالمستشفي شكره على عمله، خاصة وأنه أجرى حوالي خمسين عملية معقدة، ولكن الإجراءات التقشفية لا تسمح بمواصلة هذا الانتداب، لذلك انطلق هذا الجراح سلفًا في البحث عن عمل جديد، فهو يريد أن يتمكن من إهداء عائلته منزلًا جميلًا في الريف، ولم لا قضاء عطلة على شاطيء البحر.

المصدر: صحيفة سلايت الفرنسية