هي المنطقة التي تشهد أسرع معدلات احترار على الأرض في السنوات الأخيرة، والتي يذوب فيها الجليد بسرعة لم يتوقعها العلماء، والذين قالوا منذ حوالي عقد بأن فصل الصيف في القطب الشمالي سيكون خاليًا من الجليد بحلول العام 2070، ثم عدّلوا الرقم بعد سنوات إلى 2035، ليصبح أخيرًا 2020، بعد أن فقد بحر القطب الشمالي أكثر من نصف مساحته في العقود الثلاثة الماضية، وثلاثة أرباع حجمه.

ماذا يمكن أن يحدث حين تذوب الثلوج بالكامل في القطب الشمالي لتلك الأسابيع الطويلة؟ أنشطة كثيرة، وليس فقط على مستوى الأفراد، ولكن الدول والشركات الكبرى أيضًا، فتضاؤل مساحات الثلوج يتيح التنقيب عن النفط والغاز والمعادن بشكل أيسر، كما يفتح الباب أمام خط جديد للملاحة الدولية يربط اليابان وروسيا بأوروبا والولايات المتحدة دون الحاجة إلى بقية محيطات الأرض.

القطب الشمالي ببساطة سيتحوّل تدريجيًا إلى بحر متوسط جديد ستشهد معه المنطقة نموًا تجاريًا وحركة تبادل واسعة بين كافة البلدان المطلة عليه، وهي الولايات المتحدة (عن طريق ولاية ألاسكا، ووحجمها تقريبًا حجم ليبيا)، وكندا، وروسيا، وأيسلندا، وفنلندا، والدنمارك (عن طريق ولاية جرينلاند، الأكبر من أوروبا الغربية لأسرها)، بالإضافة إلى السويد والنرويج واليابان كجزء من الدائرة القطبية وإن لم يطلوا على البحر مباشرة.

هل تمتلك دائرة القطب الشمالي ما يكفي إذن من موارد لتجذب كل هؤلاء إليها وتخلق طفرة اقتصادية جديدة؟ بالطبع، وهو السبب في بداية التنافس الذي تشهده منذ حوالي عقد بين الدول الموجودة فيها، إذ يضم القطب الشمالي ما يكافئ 10٪ من الإنتاج العالمي للنفط، و25٪ من الإنتاج العالمي للغاز، وهي ثروات بدأت شركات كبرى، مثل شركة شِل في ألاسكا، وشركة كايرن الإسكتلندية في جرينلاند، في التنقيب عنها، وبالمثل بالطبع تفعل جازبروم الروسية في سيبيريا بالتعاون مع إكزون موبيل وإي إن أي ENI.

تنافس بارد جدًا

بدأت “اللعبة الكبرى” في القطب الشمالي عام 2007، حين رفعت روسيا علمها في إحدى مناطق الدائرة القطبية، لتشعل جدلًا حول نطاق سيادة كل بلد من المطلين على البحر، ولتبدأ كل منها في تعزيز قوتها البحرية في تلك المنطقة، لا سيما القطع البحرية التي تمتلك إمكانية إزاحة الثلوج، وبالنظر لكون معظم تلك البلدان من الدول الديمقراطية والنامية اقتصاديًا (باستثناء روسيا)، وغير راغبة في الدخول في صراع مفتوح، تم تأسيس مجلس القطب الشمالي للبت في النزاعات الحدودية في الشمال، وقد حل المجلس الكثير منها بالفعل، مثل النزاع بين النرويج وروسيا حول جزر سفالبارد.

على ما يبدو إذن أن الجو البارد في الشمال يسلقي بظلاله على التنافس القائم، والذي سيكون أبرد من الحرب الباردة كثيرًا، وسيشبه بشكل كبير السجال الصيني الأمريكي الجاري الآن، والذي لا يُغني عن الاعتماد الاقتصادي المتبادل والقوي، ففي عام 2011 وقعت دول القطب الشمالي معاهدة لمهمات البحث والإنقاذ، ثم بدأت العمل في 2013 على إطار لتنظيم الصيد التجاري، والتصرّف حيال أي تسّربات نفطية، بل إن بعض الدول تشارك سفن تكسير الثلوج الخاصة بها الآن مع غيرها لاكتشاف المنطقة بشكل أوسع.

علاوة على ذلك، بدأت أيسلندا في تقديم رحلات طيران عابرة للبحر القطبي، منطلقة من العاصمة ريكيافيك إلى مدينة القديس بطرسبرغ في روسيا، كما تجري خطط الآن لتنفيذ خطوط اتصالات تربط شمال آسيا بأوروبا وشمال الولايات المتحدة، وهي مناطق تضم البلدان الأكثر نموًا في العالم، من الاقتصادات المتقدمة التقليدية في الغرب إلى اليابان والصين، والتي ستستفيد بالطبع من الحصول على طريق أقصر للتجارة والتنقل والاتصالات بينها.

الحسابات الإقليمية

تُعَد معظم الدول المطلة على القطب الشمالي جزءًا من التحالف الغربي بشكل واسع، ولا يتوقع أن تتمكن روسيا منفردة من النجاح في الهيمنة منفردة في تلك المنطقة، أضف لذلك أن محاولات الصين التواجد في الشمال لا تقابلها موسكو بالترحاب نظرًا لتوجسها من التمدد الاقتصادي الصيني في منطقة سيكون أفضل أن تظل محصورة بين الغرب والروس، وهو قلق تشاركه إياها اليابان، وهي جزء من مجلس القطب الشمالي، وتشترك مع روسيا في الكثير من المصالح فيما يخص الاستراتيجية في آسيا بشكل عام أكثر مما يبدو، خاصة وهي تمتلك تكنولوجيا متطورة ستعوّض النقص الذي تعانيه روسيا في تطوير سفن قادرة على الحركة في القطب الشمالي.

بالإضافة لذلك، تُعَد العلاقات بين كندا والولايات المتحدة هي الأخرى نقطة خلاف رئيسية بين دول المجلس، إذ توجد العديد من المسائل العالقة فيما يخص الحدود بين البلدين، أبرزها الممر الشمالي الذي يمر عبر جزر كندا وإلى الشمال، والذي تعتبره كندا جزءًا من مياهها الإقليمية، في حين تعتبره واشنطن مياهًا دولية، وهي أزمة معرّضة للتفاقم بالنظر لكون الولايات المتحدة واحدة من الدول غير الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS.

عدا ذلك، لا يبدو أن الولايات المتحدة ستواجه متاعب كثيرًا في خلق منظومة متوازنة بينها وبين الروس، وقد تكون العقبة الوحيدة في تعزيز مكاسبها، إلى جانب الخلاف مع كندا، هي أي خلافات سياسية قد تنشأ مع دول إسكندنافيا، فالسويد، الدولة الأبرز في شمال أوروبا، ليست عضوًا بالناتو، وفنلندا كذلك، وهو ما قد يحد قدرة واشنطن على فرض سياساتها الأقل انفتاحًا على الروس بشكل عام من نظيرتها الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بالتحركات العسكرية، والتي ستحتاجها الولايات المتحدة عاجلًا أم آجلًا لتوجيه رسالة لموسكو بأنها موجودة في الشمال.

***

في المُجمَل، وبعيدًا عن انتقادات أنصار البيئة التي قلما تجد طريقًا لها بين السياسيين والمختصين بالحسابات الاستراتيجية، يبدو وأن المنطقة ستشهد بالفعل بدء المغامرات الاقتصادية، والتي ستنصب في الفترة المقبلة على استخراج ثرواتها لتعزيز الوضع المالي وأمن الطاقة للدول المطلة على البحر القطبي، بالإضافة إلى خطوات أولية نحو وضع بنى تحتية أساسية مثل خط اتصالات وبناء موانئ للتنقل في الصيف حيث يقل الجليد وتسهل الحركة، وهي تحركات ستحتاجها كل دول المنطقة وستتجه من أجلها لترسيخ التعاون فيما بينها في إطار مجلس القطب الشمالي، دون أن تغفل التنافس الاستراتيجي الحتمي، لا سيما بين موسكو وواشنطن، والذي سيكون على الأرجح شديد البرودة في منطقة باردة جغرافيًا، وباردة سياسيًا أيضًا بوجود دول إسكندنافيا وكندا التي يهمها الاستقرار الاقتصادي أكثر من سواه.