فارس، هو لقب فخري يُستخدم كمنحة من الملك أو عاهل البلاد لأشخاص معينين دونًا عن غيرهم كجائزة؛ لقيامهم بخدمات مميزة أفادت البلاد، أو القيام بإنجاز متفرد يستحق الثناء.

وفي فترة العصور الوسطى تلازم ذلك اللقب مع حزمة معينة من الشيم والأخلاق النبيلة، حيث أصبح هناك هوس عند كتّاب ذلك العصر والعصور التي تلتها في تعريف تلك المُثل التي كان يتكأ عليها الفارس لاستحقاق ذلك اللقب، وظهرت شخصيات عديدة جسدت ذلك، مثل دون كيشوت وغيره من الفرسان الذين أصبحت أخلاقهم أساسًا للكلمة التي نستخدمها الآن، ألا وهي "أخلاق الفرسان".

أليكس فيرجسون، بوبي روبسون، بوبي تشارلتون، ديفيد بيكهام وغيرهم من الشخصيات الرياضية، التي تم تقليدها بوسام الفروسية في بريطانيا وصار يسبق اسمها اللقب "سير"؛ أربع عشرة شخصية رياضية لا تملك بالضرورة مقدار ما قدمه محمد أبوتريكة حتى الآن في المجال الرياضي كلاعب أو خارج الملعب، من أثر أدى إلى اعتباره ظاهرة مصرية يجتمع على حبها الجميع في مصر.

لست هنا في مقام ذكر إنجازات محمد أبوتريكة الفردية أو الجماعية على المستوى الرياضي، والتي أنصح من يريد أن يعرفها بمطالعة صفحة ويكيبيديا الخاصة به، حيث سيجدها في نهاية الصفحة، والتي لن يجد مثلها في جعبة أي لاعب مصري آخر، حيث وصلت شهرة "الساحر" الجارفة إلى مشجعي البلدان الأفريقية، التي قلما تتسع معرفتها الكروية لحمل لاعب أفريقي، يلعب فقط داخل بطولات القارة المحلية بل والإعجاب به.

فباستثناء بعض "الغطسات" المعدودة داخل منطقة الجزاء، وهو مصطلح يستخدم في وصف قيام اللاعب بالسقوط أرضًا للحصول على خطأ دون وجه حق، يمكن اعتبار حياة أبوتريكة تجسيدًا عمليًا لأخلاق الفرسان؛ فكان أبوتريكة مثالًا يُحتذى به في الأخلاق الحميدة خارج وداخل الملعب، وحينما تم إعطائه لقبًا كان "أمير القلوب"، وهو لقب عاطفي بامتياز، لا يمت للمهارة الكروية بصلة.    

"تريكة" كما يحلو للبعض أن يُطلق عليه، هو من القلائل في عالم كرة القدم الذي سلم من كراهية مشجعي الفرق المنافسة، بل وتخطى ذلك عندما وقف وصفق له الجمهور الجزائري بحفاوة بالغة في الجزائر ذات مرة، وهم الذين يُعرفون بتنافسهم الشديد مع المصريين في مجال كرة القدم.

كان الفارس أبوتريكة دائمًا ما ينشغل بالعمل الإنساني، وهو جانب نادرًا ما يبرز بنفس الطريقة في حياة اللاعب المصري مثلما حدث مع أبوتريكة،  طالت أياديه الفقراء، ولاعبي قطاعات الناشئين غير القادرين بالنادي الأهلي، ومستشفى 57357 الخيري، وقاد العديد من الحملات الدعائية الخيرية، ومنها حملة التبرع بالدم التي قامت بها وزارة الصحة عام 2007، وتعدت أعماله الحدود المصرية؛ حيث قام بالاشتراك في العديد من برامج الأمم المتحدة الخيرية منها برنامج الغذاء العالمي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبعيدًا عن العمل الخيري المؤسسي قام أبوتريكة في 2013 بالتبرع لبناء مسجد بمدينة "كوماسى" الغانية، حتى يتمكن المواطنون المعتنقون للديانة الإسلامية في المدينة من ممارسة الشعائر الدينية.

لم تشفع تلك السيرة الذاتية العطرة لأبوتريكة عند النظام الحالي في مصر، بأن يتم تكريمه مثلما يحدث لقرنائه في بريطانيا، أو يتم إعطاءه وسامًا أو جائزة تقديرية، وتسليط الضوء عليه ليكون قدوة للشباب - وهو هدف في رأيي من أهداف الرياضة الأساسية لا ما نراه الآن من المتاجرة بالتعصب وحمية الانتماء للأندية المختلفة - بل طالته يد البطش وتم التحفظ على إحدى شركاته بحجة أن شريكًا بها ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وهي تهمة أصبحت توزع جزافًا في الفترة الأخيرة.

ربما لا يحتاج أبو تريكة أن يتم تقليده وسامًا لكي يُعرف في المجتمع بوصفه فارسًا، يكفي مراقبة ردود أفعال الناس في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وبغض النظر عن الانتماء لنوادٍ بعينها، أو حتى الاهتمام برياضة كرة القدم؛ لكي نقرر أنه تقلد هذا الوسام بالفعل في أعين الناس ونفوسهم، إن محمد أبو تريكة فارس، قبل أن تكون هناك مؤسسات تمنح هذا اللقب أو غيره.