“ستكون تلك الحكومة حكومة جديدة، فهي ليست حكومة ائتلاف كسابقتها، ولا مجال فيها للحلول الوسط، وستكون قدرتها على تلبية المطلوب منها واحدة من أبرز ما سيعيد ثقة وإيمان الناس باالسياسة، أن يروا بأنفسهم أن ما صوّتوا من أجله يحصلون عليه بالفعل، وهو ما ننوي القيام به.”

بهذه الكلمات، أعلن رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ديفيد كاميرون بدء أعمال حكومته الجديد التي انعقد اجتماعها الأول اليوم في 10 داوننغ ستريت، وهي أول حكومة محافظة بالكامل منذ 18 عامًا، حين كان جون ماجور رئيس الوزراء، ولكنها بالطبع أكثر أهمية، إذ أنها تتولى مجموعة من الملفات شديدة الحساسية في فترة حرجة من تاريخ بريطانيا، أبرزها ما يلي.

الاتحاد الأوروبي: الخروج أم البقاء؟

بمجرد بدء أعمال الحكومة الجديدة، أشارت مصادر عدة مقربة من الحكومة إلى أن كاميرون ينوي تقديم الاستفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي إلى 2016 بدلًا من 2017، وهو ما قالت المصادر أنه تشجّع له بعد الاكتساح غير المتوقع في الانتخابات، لا سيما وأن كاميرون يريد تفادي 2017 الذي ستجري فيه انتخابات الرئاسة في فرنسا، والانتخابات العامة في ألمانيا.

من ناحية أخرى، يُبقي كاميرون على الطاولة حل الوصول مع أوروبا إلى صيغة جديدة تناسب لندن، وهو ما رفضته أوروبا باستمرار برغبتها في إجبار بريطانيا على التزامات أوروبية عدة، بيد أن فوز المحافظين الكبير، وما يشير له من رغبة الناخب الإنجليزي بالفعل في الابتعاد قليلًا عن أوروبا، ستدفع بروكسل إلى محاولة الوصول جديًا إلى صيغة تُرضي لندن، وهو ما تتوقعه الحكومة البريطانية الآن بموقعها القوي.

جورج أوزبورن، وزير المالية، وساجد جاويد، وزير الأعمال، سيكونا في القلب من هذا الملف، لا سيما وأن التشابك الاقتصادي بين أوروبا وبريطانيا هي المسألة التي تؤرق الطرفين، وهم لذلك سيسعيان للوصول إلى اتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي قبل موعد الاستفتاء لتتمكن حكومتهما من إقناع الناخبين بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، والذي ترغب به بالطبع معظم الشركات البريطانية.

رفض الخطة الأوروبية لتوطين المهاجرين

بمجرد إعلان بقائها كوزيرة للشؤون الداخلية، أعلن ثيريسا ماي تمسّكها بموقف بلادها الرافض لاستقبال اللاجئين رُغمًا عنها في إطار الاتفاق الذي يحاول به الاتحاد الأوروبي توزيع مسؤولية إيواء اللاجئين على بلدان الاتحاد طبقًا لمستويات المعيشة فيها وحالتها الاقتصادية، وهو ما سيعني بالطبع أن تتكفل لندن بجزء كبير منهم.

بوضوح، صرّحت الوزارة بأنها سترفض استقبال أي لاجئ بموجب خطة إعادة التوطين الأوروبية الطارئة التي تم اقتراحها هذا الأسبوع، وأي اتفاق بهذا الشكل في المستقبل، قائلة أن بريطانيا تقع في مقدمة الدول التي تفتح أبوابها لللاجئين، ولكنها ترفض أن يتم ذلك بشكل يصبح معه التزامًا أوروبيًا، وتفضّل أن تبقى سياساتها في هذا الصدد ملكًا لها.

شطب قانون حقوق الإنسان الأوروبي وكتابة وثيقة بريطانية خاصة

في نفس السياق الأوروبي، ينوي حزب المحافظين شطب قانون حقوق الإنسان لعام 1998، والذي مررته حكومة حزب العمال بقيادة طوني بلير لإدماج بنود الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في القانون البريطاني، ويتم بموجبه تجريم أي خرق لتلك المبادئ الأوروبية على الأراضي البريطانية، وتوقيع عقوبة من المحاكم الموجودة فيها على الجهة التي ارتبكت الجرم.

تقوم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ بالإشراف على تطبيق الاتفاقية في البلدان الموقعة عليها، وهي اتفاقية تتغير بالطبع وفق إرادة غالبية أعضاء الاتحاد، والذين عادة ما تسير توجهاتهم بعيدًا عن بريطانيا الوحيدة الآن في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يرفضه الكثيرون في بريطانيا، مطالبين بوجود وثيقة بريطانية خاصة لحقوق الإنسان، وشطب لقانون 1998.

تقع تلك المهمة على عاتق وزير العدل مايكل جوف، لا سيما وهي موجودة صراحة في برنامج حزب المحافظين، بل ويبدو أن الحكومة تريد تنفيذها على عجالة لتكون جزءًا من مهمات البرلمان الجديد فور انعقاده، على عكس ما توقع كثيرون بأن تتأخر تلك المسألة حتى يصبح لدى المحافظين بديلًا كاملًا لكيفية شطب القانون القديم، لا سيما وأنه سيزيد من علاقة أوروبا ببريطانيا تعقيدًا.

ما هو إنجليزي وما هو إسكتلندي

بينما تسير إسكتلندا في طريقها نحو تصوّرها لبريطانيا كاتحاد مكوّن من أربع بلدان، لا أمة واحدة كما يقول كاميرون، يبدو أن حكومة المحافظين تنوي هي الأخرى أن تدفع قدمًا نحو تعزيز لموقع إنجلترا ككيان منفصل في الاتحاد بالنظر لنتائج الانتخابات التي عززت من الانقسام بين إسكتلندا وإنجلترا، والمسألة الرئيسية هنا ستكون منع نواب البرلمان الإسكتلنديين من التصويت على المسائل الخاصة بإنجلترا.

تقوم تلك الحجة بشكل أساسي كرد على رغبة الإسكتلنديين في الاحتفاظ بشؤونهم الداخلية كلها للبرلمان الإسكتلندي، وهو ما يرى الكثير من الإنجليز أنه غير عادل بالنظر لاحتواء مجلس العموم البريطاني على 59 عضوًا من إسكتلندا يحق لهم التصويت على شؤون إنجلترا، وهو ما اقترح ديفيد كاميرون تغييره في إطار تلبية مطالب نقل السلطات من لندن إلى أدنبره، ليكون للإنجليز أيضًا شؤونهم الخاصة، وهو ملف سيكون ضمن مهام مايكل جوف.

البي بي سي

تُعرَف البي بي سي ككيان كبير مملوك للحكومة، وهي تقدم خدماتها منذ عامين عن طريق دفع كل منزل في بريطانيا لرسوم اشتراك تبلغ 145.5 جنيه إسترليني سنويًا، كوسيلة لتوفير الدعم المالي لها للبقاء كما هي، وتشغيل الإمبراطورية التفلزيونية والإذاعية التي تمتلكها ككيان تابع للقطاع العام، وهو أمر لا يعجب المحافظين بالطبع، الذي يفضلون مؤسسات عامة صغيرة.

تعيين جون ويتينغديل، البرلماني المحافظ الذي كان مسؤولًا عن لجنة الثقافة العامة في البرلمان الماضي، وأوكل له مراجعة الوثيقة الخاصة بالبي بي سي تحديدًا، جاء كضربة قوية من ديفيد كاميرون للبي بي سي، والتي مالت كما يتهمها المحافظون لصالح حزب العمال في تغطيتها للانتخابات لكي تستفيد من سياساتهم الأقرب للقطاع العام.

أبرز مقترحات ويتينغديل هي إلغاء رسوم الاشتراك السنوية، وهو قرار سيؤدي بالطبع لخفض حجم البي بي سي، وقد يؤثر على دورها في المجال العام البريطاني كما يقول نقاد سياسة المحافظين تجاه المؤسسة الإعلامية الأعرق في العالم، وهي استراتيجية يبدو وأن حزب المحافظين يريد اتباعها أيضًا مع مؤسسات عامة كبيرة أخرى مثل خدمات الصحة الوطنية، والتي تأسست بشكلها الحالي على يد رئيس الوزراء العمالي كليمنت أتلي، ويحاول المحافظون منذ عقود خفض حجمها ودورها لصالح تعزيز كفائتها.