حكم البعثيون سوريا والعراق منذ العام 1963 واستمر حكمهم في العراق حتى عام 2003 إبان الغزو الأمريكي للعراق، واستمر مستقرًا في سوريا إلى العام 2011 حتى قيام الثورة السورية، خلال الأربعين سنة المشتركة من حكم البعث لدولتين من كبرى دول المشرق العربي لم تتفق الدولتان في شيء أبدًا.

رغم أن الدولتين تٌحكمان من حزب واحد ولديهم داعم وحليف مشترك وهو الاتحاد السوفيتي سابقًا وروسيا لاحقًا، إلا أن النظامين الحاكمين لم يخطوا أي خطوة تجاه الوحدة أو الاتحاد أو على الأقل التنسيق المشترك تجاه القضايا المشتركة رغم أن من أدبيات وشعارات البعث الأساسية مفهوم الوحدة القومية التي لم يسع لها نظام الأسد أو صدام حسين نهائيًا.

المُطلع على تاريخ البعث في سوريا والعراق يدرك حقيقة أن البلدين كانا في صراع دائم وكان كل منهما يدعم معارضة الآخر وخصومه، فدعمت العراق إخوان سوريا ودعمت سوريا المعارضة العراقية بل ودعمت إيران في حربها ضد العراق، وعمل كل منهما على إسقاط الآخر، حيث شهدت القمة العربية المنعقدة في الدار البيضاء مايو 1989 المشادة هي الأعنف بين الزعماء العرب حتى وصل الأمر بالرئيسين الأسد وصدام إلى التهديد علنًا بإسقاط كل منهما الآخر.

ولعل المُطلع على التفاصيل يدرك أن الأسباب الرئيسية لعدم اتحاد الكلمة والصف بين طرفي البعث في سوريا والعراق أن البعث ما كان إلا شعارات جوفاء تتردد من أفواه الحكام الفعليين لسوريا والعراق، فلم يكن للبعث منهج عملي لتحقيق شعاراته في الوحدة والحرية والاشتراكية بل تسلط أشخاص غير مؤمنين بفكر الحزب على قياداته التنظيمية والرسمية مستعملين البعث مطية لحكمهم مخالفين قواعد الحزب وشعاراته، فقد احتل العراق دولة الكويت في اعتداء على دولة عربية قومية وسوريا تحالفت مع إيران ضد العراق في خرق آخر لمبادئ الحزب القومية، وتضاربت مصالح البلدين في لبنان وفي القضية الفلسطينية خلال الثمانينات من القرن العشرين ووصل حد القطيعة والتحارب بين البلدين إلى مشاركة سوريا عسكريًا في حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي.

لكن ما إن سقط نظام البعث في العراق ودخلت إيران بقوة الحشد الطائفي لتسيطر العراق حتى أصبحت سوريا والعراق مطية في يد إيران، فالنظام السوري كان حليفًا إستراتيجيًا وقديمًا لإيران في الشرق الأوسط ويُعلل ذلك بسبب قرب الطائفة العلوية التي ينتمي لها الرئيس الأسد في سوريا من الشيعة في إيران، ما لم يستطع البعث ولا السوفييت فعله فعلته إيران فقد انتقلت العلاقة بين العراق وسوريا من العداء والتحارب إلى الود والتقارب والتنسيق المشترك على كافة الأصعدة العسكرية والأمنية والسياسية، بعدما كانت مصالح البلدين تتعارض في لبنان أصبح حليفهم المشترك حزب الله وكذلك في اليمن عمل البلدين على دعم الحوثيين بالسلاح والتدريب في معسكرات خاصة في سوريا والعراق، بل إن العراق في بداية الثورة السورية ضد نظام الأسد أصبح ممرًا لمرور السلاح والمقاتلين الشيعة من إيران وأفغانستان إلى سوريا وحتى في العراق أصبحت المليشيات الشيعية العراقية تدعو للجهاد في سوريا وتنقل المقاتلين إليها بتنسيق ودعم كامل من الحكومة المركزية العراقية.

ولعل القارئ يقول إن العراق، إيران وسوريا لم تجمعهم إيران بقدر ما جمعهم التشيع والإيمان العقائدي بدولة الولي الفقيه، لكني أخالف هذه الرأي بعدة أوجه فالعلاقة بين العراق وسوريا رغم جمعها على يد إيران إلا أنها لم تخل من فترات تعكير وتوتر كما حصل في عهد نوري المالكي الذي اتهم نظام الأسد بضرب العراقيين بالمفخخات والجهاديين عبر تسهيل عبورهم للعراق من سوريا، لكني أرى أن النظامين السوري والعراقي القديم في عهد صدام أو الحديث في عهد ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق كانا بحاجة إلى حليف خارجي يدعمها وفي غياب الدور السوفييتي بعد تفككه وضعف الدور الروسي أيضًا وانسحاب الدور الأمريكي في عهد الديمقراطيين بعد احتلال العراق، وهنا ظهر دور إيران في الجمع بين الطرفين ودعمهما سياسيًا وعسكريًا ليكونا عناصرها القتالية والدفاعية في آن معًا على جبهة الصراع في الشرق الأوسط، وعاد القطرين العربيين سوريا والعراق للحشد للمعركة بنفس طائفي شيعي ونكهة قومية فارسية بعدما تغنوا بالبعث والعروبة والاشتراكية لأربعين سنة مضت.