يقول العالم الاقتصادي الكوري وأستاذ اقتصاد التنمية بجامعة كامبريدج هاجي وون تشانغ من كتابه "23 شيئًا لا يقولونها لك عن الرأسمالية": إن أحد المفاهيم المتداولة الآن عن أفريقيا هو أن قدرها ألا تنمو وتنهض وذلك لأسباب منها: مناخها الاستوائي الموبوء بالأمراض، وجغرافيتها القطرية حيث العديد من الدول ليس لها موانئ بحرية، وغناها بالموارد الطبيعية ما يجعل أهلها كسالى يتفشى فيهم الفساد، وهي منقسمة عرقيًا؛ ما يعيق إدارة أهلها، ضعف مؤسساتها، وأخيرًا مشكلة الثقافة حيث لا تشجع الثقافة الأفريقية على العمل الجاد أو التعاون أو الادخار".

هل يمكن أن تصبح الثروة لعنة؟ نعم، إنها أفريقيا القارة البائسة التي تتحقق فيها معادلة: ثروات طبيعية هائلة = فقر مدقع، وتتمثل الثروة هنا في الموارد الطبيعية المختلفة التي تزخر بها القارة الأفريقية لكن التي تشكل لعنة حقيقة هي الموارد الثلاثة الأساسية (النفط، الماس والكولتان بالإنجليزية: Coltan)

لعنة الكولتان

ما لا يعلمه معظم الناس أن هذا المعدن هو المكون الأساسي الذي تُصنع منه الهواتف النقالة الموجودة بين أيدينا الآن بالإضافة إلى عدد كبير من الأجهزة الإلكترونية منها الحواسيب المحمولة، ويذكر أن تصدير هذه المادة قد كان سببًا في حصد كثير من الأرواح في حروب طاحنة للسيطرة على أماكن التنقيب عن هذا الخام المعدني الهام للغاية الذي يتواجد معظمه في الكونغو مما نتج عنه ما يقارب 4 ملايين وفاة، وحاليًا رواندا وأوغندا تصدران الكولتان المسروق من الكونغو لدول الغرب (خصوصًا أمريكا)، حيث يستخدم هناك في الصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل صناعة الهواتف الخلوية، محركات الدي في دي، البلايستايشن، وغيرها.

لعنة الألماس

والأمر ذاته ينطبق على معدن الألماس، فإن أحد الأسباب المعروفة للصراع  أيضًا هو سعي كل طرف من أطراف الصراع للاستيلاء والسيطرة على مناجم الألماس في البلاد، وهو السعي الذي يمثل غاية ووسيلة في الوقت ذاته، فمن ناحية تمثل السيطرة على تلك المناجم مصدرًا للقوة والسطوة والرفاهية، ومن ناحية أخرى، تمنح إمكانات قوة يمكن توظيفها في شراء الأسلحة والأتباع وتمويل الحرب.

ويتركز الألماس في دول مثل السيراليون، بتسوانا، أنجولا، جنوب أفريقيا الكونغو الديمقراطية، ناميبيا، وساحل العاج، حيث تقوم بإنتاج 40% من إجمالي الألماس عبر العالم وهي القارة التي تتصدر السوق العالمي للألماس.

لعنة النفط

تعد أفريقيا أكبر القارات التي تضم دولاً منتجة للنفط؛ حيث يوجد بها 21 دولةً منتجة، ونصيب أفريقيا من الإنتاج العالمي حاليًا هو 12.5%، كما أنها تمتلك تقريبًا 10% من الاحتياطي العالمي للنفط، حسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية: تتركز الثروة النفطية بالقارة في دول نيجيريا والجزائر ومصر وأنجولا وليبيا والسودان وغينيا الاستوائية والكونغو والجابون وجنوب أفريقيا.

كان مركز الثقل في إنتاج النفط في أفريقيا هو الشمال حتى سبعينات القرن الماضي، ثم انتقل بعد ذلك إلى الغرب، خاصة منطقة الشريط الساحلي ما بين نيجيريا وأنجولا، والتي تستأثر الآن بـ 70% من إنتاج النفط في أفريقيا.

على الرغم من ظهور النفط في أفريقيا بهذه الكثرة في السنوات العشرين الأخيرة، فإن إحدى فضائح هذا الانتعاش تتمثل في أنه خلق فرص عمل في الولايات المتحدة وأوروبا بأكثر مما خلق في تلك البلدان الأفريقية".

إن توافر هاذه الموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط في البلدان الفقيرة والسائرة في طريق النمو تشكل لعنة على شعوبها، وذلك بسبب تأثير عائدات النفط سلبًا على مدى نجاح تلك الدول، التي وجدت نفسها فجأة تحصد مئات الملايين من الدولارات بلا جهد، أي أن البلد - بفضل العائد الضخم الآتي من البترول - تتحول من الإنتاج إلى الاستيراد شبه الكامل من الخارج، ومن ثم الإنفاق ببذخ، وعندما ينخفض الوارد من ثمن النفط تدخل الدولة في أزمة حقيقية سواء في المنتجات الزراعية أو الصناعية، وعلى سبيل المثال فإن الغابون كانت تكتفي ذاتيًا من "الموز"، وبعد اكتشاف النفط أصبحت تستورده كاملاً من الكاميرون المجاورة، إنه نوع من الفشل في إدارة الموارد.

في المقابل يعتبر نعمة في الدول الغربية المتطورة ذلك أن 5% فقط من المليارات التي يتم استثمارها في مشروعات النفط الأفريقية كل عام تنفق في تلك البلدان، في حين أن الباقي يذهب إلى تطوير آلات الاستخراج، صناعة السفن، ومد خطوط النقل وغيرها.

وهناك إحصاءات قدمها مركز مكنزي للاستشارات الاقتصادية الذي بيّن أن 69% من البشر الذين يعانون فقرًا مدقعًا، أي الذين دخلهم اليومي لا يزيد على 1.25 دولار يوميًا، وهو أقل حتى من المعدل العالمي، يعيشون في دول ثرية بالنفط والغاز والمعادن.

وختامًا يقول تُوم برجيس الصحفي البريطاني في كتابه السرقات الممنهجة لثروات أفريقيا إن هذه المعضلات الحياتية في أفريقيا كثيرا ما تندلع في دولة اقتصادها أساسه الصناعات الاشتقاقية مثل النفط والتعدين بحيث الفساد يستشري في اقتصاد كهذا لأن دخل الدولة مصدره ليس الضرائب، لذا فإن الحاكم ليس مجبرًا على مواجهة المساءلة المحلية، هكذا اقتصاد يركز الثروة في أيد قليلة، ويؤدي في نهاية المطاف إلى صراعات على السلطة، أي الحروب والانقلابات".