ليست سوريا والعراق فقط من تدمر الحرب فيهم الآثار والمعالم التاريخية التي حُفظت على مدار قرون حتى رآها العالم المعاصر، لتأتي الأقدار إليها بمقاتلي داعش لتكتب نهاية مأساوية لها أمام أنظار هذا العالم، فآثار اليمن هذه الأيام تلقى نفس المصير ولكن ليس على يد أفراد تنظيم الدولة الإسلامية إنما عبر قصف طائرات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية دون أدنى تورع من ذلك.

العرب يدمرون آثارهم وتاريخهم بأيديهم والعجيب أن الغرب هو من يستنكر ذلك، قصف جوي مستمر منذ ما يزيد عن الشهرين على المناطق اليمينة المختلفة، تضررت منه عدة مناطق أثرية وثقافية تاريخية في اليمن، كان آخرها مشاهد تصاعد الدخان من قلعة القاهرة في مدينة تعز، والتي تقع على السفح الشمالي لجبل صبر، هذه القلعة التي يعود بناؤها إلى شمس الدولة توران شاه أخو القائد الإسلامي "صلاح الدين الأيوبي" الذي اتخذها عاصمة لملكه عام 1173م، أما عن السعودية فإنها تبرر استهدافها للقلعة بأن الحوثيين يستخدمونها لأغراض عسكرية.


كارثة إنسانية أخرى أصابت اليمن في تاريخه عندما شن سلاح الجو السعودي خمس غارات على سد مأرب التاريخي القديم، إذ أصابت الغارات المصرف الجنوبي للسد بأضرار واسعة في منطقة صرواح غرب مأرب، السد الذي يعتبر واحدًا من أهم المواقع الأثرية في اليمن على الإطلاق وأحد أبرز المعجزات الهندسية لتاريخ شبة الجزيرة العربية، فالسد يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد في مملكة سبأ التي لم يعد يتبقى من حقبتها التاريخية الكثير من الآثار مثل هذا السد، استُهدف السد بسبب القتال الدائر بين جماعة أنصار الله الحوثي من جانب مدعومة بقوات موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح وبين ما تسمى بالمقاومة الشعبية المدعومة سعوديًا بالغطاء الجوي.

https://youtu.be/2suXKWHw9kc

العديد من المواقع الأثرية اليمنية التاريخية مهددة بالقصف السعودي في أي لحظة، فقد تحدث نشطاء عن تعرض مدينة صنعاء القديمة للخطر وهي مدينة تراثية عالمية حسبما صنفتها "اليونيسكو" سابقًا، حيث يوجد بها العديد من المزارات السياحية التي تعرضت للقصف بالفعل كمسجد الإمام الهادي وقصر غمدان، بخلاف ما أعلن في تقرير حكومي داخلي عن الغارات السعودية التي ألحقت أضرارًا بالغة بـ12 معلمًا أثريًا بينها 4 مدن تاريخية، بحسب الهيئة العامة للآثار والمتاحف في اليمن.

هذه الأخبار المتواردة دعت إيرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو، للتصريح بأنها تدعو الجميع إلى حماية التراث الثقافي الفريد في اليمن، معربة عن قلقها من التقارير التي تؤكد تعرض معالم أثرية هامة في اليمن إلى القصف، بالإضافة إلى إعرابها عن الأسى خاصة حيال الأخبار المتعلقة بغارات جوية على مناطق مكتظة بالسكان مثل مدينتي صنعاء وصعدة، وقالت "بالإضافة إلى التسبب في معاناة إنسانية رهيبة، تدمر هذه الهجمات التراث الثقافي الفريد في اليمن، والذي يعتبر مستودعًا للهوية في اليمن، وتاريخ الشعب والذاكرة وشهادة استثنائية لمنجزات الحضارة الإسلامية".

فيما أكد رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف باليمن مهند السياني، أن المعالم الأثرية اليمنية التي تضررت من قصف التحالف العربي كثيرة وقد عدد السياني أبرزها في: (مسجد عبد الرزاق الصنعاني في سنحان، دار الحسن في دمت، ومتحف عدن، قلعة القاهرة بتعز،ومسجد الإمام الهادي بصعدة، حمام البخاري جوار مسجد الهادي، قصر غمدان، مدينة صعدة القديمة، مدينة براقش في الجوف، مدينة صرواح في مأرب، بالإضافة إلى قرية فج عطان الأثرية بصنعاء)، مؤكدًا أن هذا بعض ممن وصل الهيئة من بلاغات، مشيرًا أنه ربما قد تضررت مناطق أخرى دون وجود بلاغات بذلك.

تدمير المواقع الثقافية محظور بموجب عدد من المعاهدات الدولية في حالة النزاع المسلح، بما في ذلك ما ورد "اتفاقية اليونيسكو" عام 1954 بشأن "حماية الممتلكات الثقافية"، وهو ما تقول المنظمات الدولية إن السعودية لا تأبه به حتى الآن، في حين تنادي منظمات دولية مهتمة بالتراث بضرورة اتخاذ العالم لإجراءات للمساعدة في حماية ما تبقى من تاريخ مشترك بين شعوب العالم.

تدمير المواقع التراثية في اليمن مستمر منذ الإطاحة بالرئيس اليمنى على عبد الله صالح، حيث تضررت العديد من المواقع بالفعل، لكن القصف السعودي العشوائي كان أكثر تأثيرًا وتهديدًا على بقاء هذه الآثار الإنسانية، وهو ما دعى الجميع للمناداة بضرورة التدخل لوقف تجاهل السعودية للنداءات الدولية بشأن الكف عن استهداف المواقع الأثرية في اليمن، وقد حذرت هيئة الآثار اليمنية من هذه الاعتداءات على المواقع التاريخية والأثرية والمتاحف واصفة إياها باستهدافها الإنسان اليمني، مؤكدة أنها كهيئة معنية بالآثار والمتحاف في اليمن تحتفظ بحقها القانوني حيال هذه الممارسات باعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم وقعت في حق الشعب اليمني وليس فصيل بعينه.