مترجم من موقع سليت

شمال سيناء، مصر - تتناثر البقايا السوداء المتفحمة لجيفة بقرة ميتة في فناء رملي خلف منزل لم يبق القصف منه ولم يذر. وتلطخ آثار الدماء جدران غرفة رمادية حيث قضت أم في الثمانين من عمرها نحبها بنيران مدفعية دبابة مصرية كما يقول أبناؤها. وتشوه الثقوب التي أحدثها الرصاص جدران أحد المنازل حيث تظهر فتاة في التاسعة من عمرها وقد شق أخدود غائر وجنتها بفعل شظية أصابتها حينما فتحت طائرة عامودية مقاتلة نيرانها على منزلها. وهنا ترى بقايا نعل لطفل وصفحات مصحف محترق في حطام مسجد يقول أهل البلدة إن قوات برية وجوية دمرته تدميراً. 

رأيت بنفسي لغماً ينفجر تحت عربة جنود مصفحة بينما كانت تستدير عند إحدى الزوايا. ملأ الدخان المكان واقتلعت شجرة زيتون من جذورها. وأعلن فيما بعد عن إصابة جنديين اثنين بجراح. 

تلك هي بعض الإصابات التي خلفتها حرب الجيش المصري على "الإرهابيين" في القرى والبلدات الممتدة في شمال سيناء قريباً من الحدود مع غزة وإسرائيل. 

لقد صعد العسكر في سبتمبر من حملتهم التي استمرت ما يقرب من شهرين بهدف تخليص المنطقة من النشطاء المسلحين وذلك من خلال "المبادرة باتخاذ إجراء ضد الإرهابيين بدلاً من الاكتفاء بالرد على هجماتهم" كما قال الناطق باسم الجيش أحمد علي. 

فمنذ أن أطاح قائد الجيش الفريق عبد الفتاح السيسي بالرئيس محمد مرسي  في مطلع يوليو الماضي ما لبثت قوات الأمن المصرية تتعرض لأعداد متزايدة من الهجمات، أسفرت حتى الآن عن مقتل ما يزيد عن مائة من أفراد القوات الأمنية على أيدي مسلحين يستلهمون نموذج القاعدة في سيناء حسبما يقول العسكر في مصر. 

أوردت الصحف التي تديرها الدولة تقارير مفادها أن قبائل ومشائخ وسكان سيناء أعربوا عن ترحيبهم بالحملة العسكرية الآخذة بالاتساع، إلا أن مثل هذه المزاعم لا تكاد تجد عليها دليلاً في أرض الواقع. فالناس هنا، في القرى والبلدات التي تعرضت للهجمات، بما في ذلك المتعاطفون منهم مع العسكر، يرفعون عقيرتهم بالشكوى من أن الجيش يشن حربه بشكل عشوائي دون تمييز بين المدنيين والمسلحين. 

يقول القاضي عبد الهادي، وهو من قبيلة السواركة: "لقد كنت واحداً من الذين أيدوا الثلاثين من يونيو" وذلك في إشارة إلى الاحتجاجات الضخمة التي طالبت بعزل مرسي، مضيفاً: "كنت أظن أن الجيش سيكون أكثر مهنية في تنفيذ عملياته وبأنه سيستهدف فقط أولئك الذين اعتدوا عليه، ولكنه لم يكن كذلك، وقد بالغ الجيش في حملته هذه أينما مبالغة."

ما من شك بأن ما صرح به عبد الهادي يحتاج إلى جرأة كبيرة، وخاصة حينما يصرح بذلك لصحفي. فكل من تسول له نفسه توجيه نقد للحملة التي يشنها الجيش يمكن أن يعاقب عقاباً شديداً، هذا بالإضافة إلى أن الجيش يقيد حركة الصحفيين ويحول دون وصولهم إلى المناطق التي ينفذ فيها عملياته. مع العلم أنني واحدة من عدد قليل جداً من الصحفيين الغربيين الذين تمكنوا من دخول منطقة شمال سيناء منذ أن بدأت الحملة العسكرية في سبتمبر. 

بينما كنت أتحدث مع القاضي عبد الهادي حلقت في السماء فوق قرية "المقاطعة" المجاورة طائرتان عموديتان، ثم ما لبث أن تصاعد الدخان في الهواء. 

يقول الشيخ إبراهيم المناعي، رئيس ائتلاف قبائل سيناء وأحد أشد منتقدي السياسات التي ينتهجها النظام في مصر تجاه القبائل، إن ما لا يقل عن ٥٢ شخصاً قتلوا منذ بدأ العسكر حملتهم في يوليو، وأن من بين الذين قتلوا ستة عشر من النساء والأطفال. 

في مقابلة أجريتها مع الشيخ إبراهيم في قاعة اجتماعاته، قال لي: "إن البدو لم ينسوا أبداً الحروب العشوائية التي شنها محمد علي" - الذي حكم مصر من عام ١٨٠٥ إلى عام ١٨٤٨ - "ضدنا قبل ما يزيد عن مائة عام. ثم جاءت حملات الاعتقال والتعذيب التي شنها علينا الرئيس جمال عبد الناصر ثم من بعده الرئيس حسني مبارك. والآن جاء السيسي ليكمل السيناريو. الثقة مفقودة بيينا وبينهم ويستحيل أن تستعاد لمئات السنين بسبب هذه الأعمال الهمجية. وإذا ما اضطررنا للدفاع عن أنفسنا، فسنفعل." 

في اليوم التالي أخبرني الشيخ إبراهيم عبر الهاتف بأن الجيش قصف قاعة اجتماعاته ومنزليه. وفعلاً، تبين الصور التي أكد ولده صحتها، تحول المنزلين إلى ركام. 

وكانت المجموعة الإسلامية المسلحة "أنصار بيت المقدس"، والتي أعلنت مسؤوليتها عن العديد من الهجمات على أهداف تابعة لقوات الأمن المصرية والإسرائيلية خلال العامين الماضيين، بما في ذلك عملية التفجير الانتحارية الفاشلة التي استهدفت وزير الداخلية المصري في القاهرة الشهر الماضي - قد أكدت وقوع ضحايا بين المدنيين الأبرياء، إلا أن العسكر في مصر نفوا مسؤوليتهم عن ذلك. 

في مطلع سبتمبر الماضي ألقت السلطات الأمنية المصرية القبض على أحمد أبو دراع، وهو صحفي مقيم في سيناء، بسبب نشره تقارير عن هجمات شنها العسكر على النساء والأطفال والمساجد. يقول الجيش إن أبا دراع نشر أخبار ملفقة وبأن تقاريره تأتي ضمن "حرب إعلامية". وقد تم مؤخراً الإفراج عنه بعد أن صدر بحقه حكم بالسجن لستة شهور مع وقف التنفيذ بتهمة دخول منطقة عسكرية محظورة بدون إذن. وقد صرح إثر ذلك الناطق باسم الجيش بما يلي: "لم يحصل بتاتاً أن أقدم العسكر على تدمير مسجد واحد أو الهجوم على الأطفال والنساء في سيناء كما يزعم البعض."

وتارة أخرى، تثبت الوقائع على الأرض خلاف ذلك تماماً، فقد أجريت لقاءات مع ثلاثين شخصاً على مدى ثلاث ليال وأربعة أيام في سبتمبر في القريتين الحدوديتين "المقاطعة" و "المهدية" وكذلك في مدينة العريش كبرى مدن شمال سيناء. وحدثني الناس عن قتل وقصف عشوائي وعن تعرض ممتلكاتهم للسرقة وعن تدمير عدد من مساكنهم وأحد مساجدهم. 

في نفس الوقت يصعد الجيش المصري من إجراءاته لوقف التجارة غير القانونية عبر الأنفاق بين سيناء وغزة. يقول المتضررون من هذه الإجراءات إنهم كانوا سيرحبون بها لو أن مصدر دخل بديل قدم لهم، ولكن ذلك لم يحدث، وطالما استمر الحال على ذلك فإن الناس سيشتاطون غضباً وسيتعمق لديهم الإحساس بالقنوط والإحباط، كما يقولون. 

قابلت شخصاً اسمه خالد، طلب مني ألا أذكر اسم عائلته خشية أن يتعرض لمزيد من التنكيل على أيدي الأجهزة الأمنية، وذلك بعد أن دمر الجيش لعائلته منزلين داخل مدينة رفح على بعد ٢٠ متراً من أقرب نفق إلى غزة، فلم يبق من المنزلين سوى كومة من ركام حجري رمادي اللون. قال لي خالد: "إذا تعذر الحل السياسي فسنبدأ في رؤية العمليات الانتحارية على الحدود. وإذا لم تتحقق التنمية، فإن المنطقة بأسرها ستنفجر."  

المزاج السائد هنا هو الرعب، فالناس - كما أخبرني كثيرون منهم - في غاية الخوف من العمل مع الجيش خشية أن يجازفوا بالتعرض للاغتيال على أيدي الجماعات المسلحة، وهم في نفس الوقت يخشون حمل السلاح في وجه جيش مدجج بكافة الأسلحة النوعية. 

في الرابع من أكتوبر، أصدرت السلفية الجهادية، وهي مجموعة جهادية تتخذ من سيناء مقراً لها، بياناً هددت فيه بقتل كل من تجد أنه يمد قوات الأمن المصرية بالعون والمساعدة. وحسبما نشر موقع إنترنيت متخصص في التقارير والتحليلات المتعلقة بالإرهاب اسمه "صحيفة الحرب الطويلة" يتخذ من العاصمة الأمريكية واشنطن مقراً له، ورد في بيان السلفية الجهادية النص على أنه "لن يكون من نصيب العميل الخائن إلا السيف."

بينما تكتظ قاعات الدراسة بالتلاميذ في القاهرة، تقول الأمهات على بعد ١٥٠ ميلاً في شمال سيناء بأنهن لن يرسلن أطفالهن إلى المدرسة طالما استمرت الحملة العسكرية. هذا مع العلم أنه تقرر تأجيل بدء الفصل الدراسي لهذا العام حتى التاسع عشر من أكتوبر بسبب سوء الأوضاع الأمنية. أخبرتني فوزية، وهي أم بدوية لأربعة أطفال طلبت عدم الإفصاح عن اسم عائلتها: "أخشى الخروج للإتيان بالزي المدرسي وبالقرطاسية لأطفالي. أخشى على السائق وعلى نفسي، إذ لا توجد ضمانة بأننا لن نتعرض للإصابة."

أحد أفظع المشاهد التي وصفتها فوزية لي كان ما حدث حينما حلقت طائرات الجيش العمودية على مستوى منخفض فوق رجل يقود دراجة نارية في قرية المهدية ثم فتحت عليه النيران وأردته قتيلاً. 

قالت لي: "لولا أن الوضع كان في غاية الخطورة لسارعت إلى إسعافه. بل كلما سمعنا أزيز الطائرات العمودية تحلق فوق رؤوسنا نفر نجاة بأرواحنا."

وبينما كنا نتحدث حلقت طائرتان عموديتان في السماء فوق قرية المقاطعة المجاورة، ثم ما لبث أن تصاعد الدخان الأسود في الهواء. لم يكن بوسع سكان المهدية سوى التخمين بشأن ما كان يجري لأنه لم يكن يتسنى لنا التواصل مع أحد من سكان المقاطعة إثر الأغلاق التام لشبكات الهاتف والإنترنيت. 

مصطفى حميد إمام سلفي ملتحي يعمل محققاً في أكبر محكمة إسلامية غير رسمية في العريش، لم يبت في بيته طوال الشهر الماضي، بعد أن تعرض زميلان له، وهما من أبرز القضاة السلفيين، للاعتقال قبل ذلك بأيام واتهما بالتحريض على العنف ضد القوات الأمنية. 

أما شادي المناعي، وهو عضو في أنصار بيت المقدس، إحدى المجموعات المتطرفة المعدودة في شمال سيناء، فلم يره أحد منذ أكثر من عشرين يوماً حسبما أخبرني بذلك أخوه. وكان الجيش قد قصف منزل عائلته في عدة مناسبات. 

يقول المحللون إن ظاهرة الجماعات المسلحة نمت جزئياً بسبب سنوات من إهمال الدولة لاحتياجات محافظة شمال سيناء التنموية وجزئياً بسبب القمع الشديد الذي تمارسه قوات الأمن ضد الناس الذين يشكون من تعرضهم للاعتقال والحبس بلا تهم ومن ممارسة التعذيب داخل السجون ومن سياسات حكومية أقصت القبائل البدوية وعزلتها عن بقية المجتمع المصري، الأمر الذي أدى مع مرور السنين إلى أن يعبر الناس عن تظلماتهم السياسية وبشكل متزايد من خلال دعوات أيديولوجية.

ليلة وصولي إلى هنا، تعرض صحفيان مصريان، اعتقد خطأ أنهما يعملان لصالح قناة الجزيرة المملوكة لدولة قطر، إلى الضرب والاعتقال من قبل الشرطة والجيش داخل الفندق الذي كانا ينزلان فيه في مدينة العريش. حيث أن السلطات المصرية تتهم قناة الجزيرة بالانحياز لصالح مرسي والإخوان المسلمين. ويعتقد الشيخ إبراهيم، رئيس ائتلاف قبائل سيناء، بأنه إنما تم استهداف منزلي عائلته لأنه انتقد الجيش في مقابلة له مع قناة الجزيرة.

ضحية أخرى من ضحايا هذا التوتر المتصاعد فيما يبدو شخص اسمه نعيم، يبلغ من العمر ثلاثين عاماً، وهو من أبناء قرية المقاطعة. وتارة أخرى، طلب نعيم وعائلته ألا أفصح عن اسم العائلة خشية تعرضهم للأذى. أخبرني نعيم وأمه حصة بأن ستة ضباط من الجيش المصري اقتحموا منزلهم وعاثوا بمحتوياته تخريباً ونهباً يوم ٢٢ سبتمبر، وأخذوا معهم جهاز كومبيوتر اللابتوب الخاص به، وسندات ملكية المنزل، وجهاز تلفزيون، وأنبوبتي غاز، وأدوات التجميل الخاصة بزوجته وبعض حليها من الذهب وبعض النقود. كما استولوا على مياه الشرب المبردة من الثلاجة وحينما انفجر طفلا نعيم التوأم البالغان من العمر ستة أشهر سارع الجنود إلى وضع الوسائد على وجهيهما لتكميمها وإسكاتهما. ثم أضرموا النار في المنزل وتركوه يحترق حتى أضحى رماداً. اتضح لي فيما بعد أن منزله والمرآب الذي يستخدمه ورشة لإصلاح السيارات كانا اثنين من المباني التي رأيت الدخان الأسود يتصاعد منها في اليوم السابق، وحينما زرته كانت بقايا جدران منزله ماتزال مضرمة. وجدت فيما بعد، أن روايات سكان القرية حول مثل هذه السلوكيات لقوات الجيش تصل حد التواتر. 

قال لي نعيم: "لماذا يفعلون ذلك بنا؟ ألا يعتبروننا بشراً؟ فقط نريد أن نفهم. هل يريدون طردنا من بلدنا؟ إذا كان هذا ما تريدون، أخبرونا، لكن لا تفعلوا ذلك بهذه الطريقة."