ترجمة وتحرير نون بوست

جميعنا يتعرض لحوادث التعثر والسقوط، وفي حين أن تعثر الطفل وسقوطه هي تجربة تعليمية بالنسبة له، وتعثر الشخص البالغ هي مجرد عادة محرجة، بيد أن هذا التعثر والسقوط لكبار السن قد يكون حادثة خطيرة، وحتى قاتلة في بعض الأحيان.

في عام 2010، أفاد 13 مليون أمريكي بأنهم تعرضوا لحوادث سقوط، وفي كثير من الأحيان، كان هذه السقطات ناجمة عن التعثر على الرصيف أو على درج المنزل، ولكن بالنسبة للأشخاص ممن وصلوا إلى عمر الـ 65 عامًا وصاعدًا، فإن هذه الأرقام تزداد سوءًا، لتصل إلى نسبة واحد من كل ثلاثة أشخاص من هذه الفئة العمرية، يعاني من حوادث سقوط في كل عام، حيث تسفر هذه الحوادث عن حوالي 250.000 إصابة بكسور في الحوض، وأكثر من 25.000 حالة وفاة كنتيجة لإصابات الدماغ، وتقدر تكلفة الرعاية الصحية لعلاج هذه الحوادث بحوالي 34 مليار دولارًا سنويًا.

ولكن إذا كانت حوادث السقوط تشكل خطرًا عامًا، وخاصة بالنسبة لكبار السن، فهل هذه الحوادث حتمية ولا مفر منها؟ أم أن هناك شيء يمكننا القيام به حيال ذلك، كتحسين توازننا؟

لا بد لنا من الاعتراف أولًا أن عملية التوازن هي أصعب مما تبدو عليه، فمعظمنا قد يبدو محظوظًا بما فيه الكفاية لأننا نادرًا ما يجب علينا أن نفكر بوعي أثناء توازننا، ولكن حاول الوقوف على ساق واحدة لمدة 30 ثانية، بذات الطريقة التي قد تضطر لأن تفعلها إذا اشتبه ضابط شرطة بأنك تقود وأنت مخمور، ومن ثمّ أغلق عينيك، وانظر كيف تصعب عملية التوازن في هذه الحالة بشكل أكبر بكثير، هذا الاختبار هو جزء صغير من اختبار التوازن الذي يجريه الأطباء أو المدربين على لاعبي كرة القدم الأمريكية أو الهوكي لتقييم فيما إذا كان اللاعب قد تعرض لارتجاج في الدماغ.

بالنسبة لي، فقد اكتشفت ترنحي قبل بضع سنوات، حينما كنت أعمل على مقال يتحدث عن المشي لمسافات طويلة على ارتفاعات عالية، حيث أظهرت نتائج الدراسات أن عدد أخطاء التوازن التي يرتكبها الشخص في التجارب البسيطة، كالوقوف على قدم واحدة مع إغلاق العينيين على سبيل المثال، قد تشير إلى عوارض مرض الارتفاع، وفعلًا حاولت هذه الاختبارات في مكتبي في تورونتو الذي يقع على ارتفاع 249 قدمًا، واكتشفت أنني لا أمتلك توازنًا مثاليًا، وكشخص يمارس الرياضة في معظم الأيام، وجدت هذه النتائج مثيرة للقلق، وبدأت أتساءل، ما هو العنصر المفقود في النظام الرياضي الذي أتبعه؟

نحن بالعادة نقيّم اللياقة البدنية بمجموعة من الصفات المنفصلة، مثل القوة العضلية، التمرينات الرياضية، والمرونة وهلم جرا، وجميع هذه الصفات قد تكون معزولة عن بعضها، وقابلة للقياس والتطوير بشكل مستقل، وإن الأخطاء التي تعتور هذا النهج واضحة، فما هي الميزة أو القيمة التي تقدمها لنا قوة التحمل بدون توازن واستقرار يتيح لنا استخدام هذه القوة في العالم الحقيقي؟

البقاء منتصبًا على القدمين ببساطة، هو تدريب كامل لتوازن الجسم في بعض النواحي، كون الإنسان يمتلك أجهزة توازن مليئة بالسوائل ضمن الأذن الداخلية تقوم برصد حركة الرأس ودرجة ميله، كما أن هناك أجهزة استشعار تعرف باسم مستقبلات الحس العميق أو "Proprioceptors" موجودة في عضلات وأوتار كامل الجسم، مسؤولة عن مراقبة التغييرات الداخلية في الجسم، التي تظهر بسبب حركة ونشاط العضلات، وتنقل هذه المعلومات للدماغ لملاءمة نشاط العضلات، كما أن القدمين تحتويان وحدهما على 11 عضلة صغيرة تستشعر حركات الامتداد؛ لذا، بغض النظر عن عدد حركات مد الساق وتدريبها التي تمارسها في صالة الألعاب الرياضية، لن يكون توازنك مستقرًا إلا إذا كان عقلك متناغمًا مع الإشارات الصادرة عن هذه المستشعرات، حتى أن ارتداء الجوارب يتداخل مع الإشارات التي تقوم بإرسالها هذه المستشعرات إلى الدماغ، مما قد يؤدي إلى التأثير سلبًا على توازنك.

إذا كان الوقوف ببساطة يؤدي إلى حدوث جميع هذه العمليات، فإن المشي هو عملية أصعب من ذلك بكثير، لأن كل خطوة هي في جوهرها، سقوط يتم السيطرة عليه، وفي العام الماضي، أظهر باحثون من جامعة ولاية أوهايو أنهم يستطيعون التنبؤ بدقة بالمكان الذي ستهبط فيه القدم، عن طريق مراقبة مسار الجزء العلوي من الجسم خلال الخطوة السابقة، ومن هذا المنطلق، فما يبدو وكأنه عمل بسيط، هو في الواقع عبارة عن عملية حسابية معقدة وشبه لحظية، تجري في دماغنا، وتؤمن لنا وضع قدمنا في المكان الصحيح بالضبط، مما يقينا من الوقوع بشكل عنيف على وجوهنا.

إن النهج الحالي المتبع لتذليل تحديات التوزان، يتمثل بإضافة تمرين إضافي للتحقق من التوازن؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، تنصح المبادئ التوجيهية الصحية بضرورة ممارسة تدريبات التوازن، خاصة لدى كبار السن الأكثر عرضة لخطر حوادث السقوط، وفي الدول الأوروبية مثل النمسا وإيرلندا والدنمارك، توصي بهذا التمرين لجميع كبار السن.

قد نقول بأن هذا النهج هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنه في الواقع لا يزال يقيّم التوازن كممارسة منعزلة، والدليل على ذلك هو أن النهج الأكثر امتزاجًا مع باقي وظائف الجسم، يحوز فوائد أكبر؛ فبالنسبة لكبار السن الذين يسعون للاستمرار بالعيش بشكل مستقل، من الواضح أن القدرة على القيام من على الكرسي والمشي في أنحاء الغرفة، يتطلب تنسيقًا عظيمًا ما بين القوة العضلية وجهاز التوازن والنشاط الرياضي، وهذا التناسق هو أكثر أهمية من تقييم أي عنصر من عناصر اللياقة البدنية كل على حدة.

الأهم هو أن التحديات التي يطرحها موضوع التوزان لا تقتصر على مجرد التحديات البدنية، كون أحد التحذيرات الرئيسية التي قد تشير إلى أنك أكثر عرضة للتعرض لحوادث التعثر والسقوط الناجمة عن فقدان التوزان، هو ميلك للتوقف عن السير أثناء تحدثك، فهذا التصرف هو إشارة إلى أن المطالب المعرفية التي يتطلبها البقاء واقفًا على قدميك تعمل على تشكيل حمولة زائدة على دماغك.

أشارت مجموعة كبيرة  من البحوث إلى أن ممارسة الرياضة بطريقة ترهق مهارات التنسيق والرشاقة والتوازن لديك، وهي مجموعة المهارات التي تنضم تحت وصف واحد يسمى بالمهارات الحركية، تعيد توصيل دماغك بطرق مختلفة بشكل جذري عمّا يفعله مجرد ممارسة التمرينات الرياضية أو تدريبات القوة بشكل منفصل، كما أوضحت النتائج أن تحسين هذه المهارات الجسدية، قد يساعد أيضًا على تعزيز الأداء الإدراكي.

أحد هذه الدراسات، والتي تم نشرها في عام 2011، أُجريت من قِبل علماء الأعصاب من جامعة جاكوبس في مدينة بريمن في ألمانيا، واستمرت لمدة عام كامل، وتضمنت 44 شخصًا من كبار السن، حيث تمت مقارنة مجموعة قامت بالمشي لثلاث مرات في الأسبوع، مع مجموعة قامت بتدريبات التنسيق، وهي سلسلة من التمارين تستخدم ألواح التوازن، الكرات، حبال القفز، وغيرها من المعدات، بما في ذلك عناصر مثل رد الفعل على الأجسام أو الأشخاص المتحركين.

من الناحية النظرية، كانت نتائج المجموعتين جيدة، فعند مقارنتهما مع مجموعة ضابطة قامت بإجراء تمارين رياضية تتمثل بالتمتد والاسترخاء فقط، تبين أن نتيجة الاختبارات المعرفية لدى كلا المجموعتين متماثلة، بما في نتائج اختبارات سرعة الإدراك الحسي والتحكم التنفيذي، علمًا أن دراسات أخرى توصلت إلى ذات النتائج باستخدام مجموعة تمارين التنسيق والتوازن مثل الحواجز التدريبية، قذف الكرات في السلال، وتعلم مهارة رمي الكرات في الهواء والتقاطها.

ولكن ما كان مثيرًا للاهتمام هو ما توصلت إليه الدراسة من أن المكاسب المعرفية تحدث بطرق مختلفة اعتمادًا على طريقة ممارسة الرياضة، ففي حين أن التمارين الرياضية وتدريبات القوة تطلق موادًا كيميائية في الدماغ تعزز نمو الخلايا العصبية وتبقيها على قيد الحياة، فإن تمرينات التوازن والتنسيق استدعت عمليات معرفية ذات مستوى أعلى، ساعدت على زيادة عدد نقاط الاشتباك العصبي التي تربط الخلايا العصبية.

هذه النتائج تعطينا سببًا آخر للقول بأن ممارسة تمارين التوازن لوحدها لن يحقق لنا الغاية المنشودة، كون حداثة الطرح، وعدم القدرة على التنبؤ، وليس التكرار، هو العنصر الأساسي الذي يبقي الدماغ بحالة عمل مستمرة؛ ففي دراسة حديثة أجراها باحثون من الدنمارك وفنلندا وألمانيا، تم من خلالها مقارنة مجموعة من 15 رياضيًا مدربين على رياضات التحمل، مثل العدائين أو المتزلجين لمسافات طويلة، مع مجموعة من الراقصين المدربين على المهارات الحركية ولاعبي الجمباز والمتزلجين، قام الباحثون بجمع بيانات لتقييم لدونة القشرة الحركية لدى المشاركين، وهو مقياس يدلل على قدرة الدماغ على تغيير توصيلاته كاستجابة للمؤثرات الجديدة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرياضيين (العدائين والمتزلجين لمسافات طويلة) يستخدمون عضلات الساق بشكل متكرر أكثر من المجموعة الأخرى، بطريقة يصبح معها الدماغ ينتقل إلى مرحلة الممارسة الآلية لهذا الاستخدام، وبناء عليه، بينت النتائج، أن اللدونة في منطقة الدماغ التي تتحكم في عضلات الساق لا تختلف ما بين مجموعة الرياضيين وغير الرياضيين، ولكن على النقيض، أظهرت المجموعة الثانية (الراقصين ولاعبي الجمباز والمتزلجين)، الذين لم تتحول تحركاتهم إلى مرحلة الممارسة الآلية في الدماغ، لدونة أعلى بشكل كبير في باقي مناطق دماغهم، لأن خلاياهم العصبية كانت معدة لتعلم المهام الحركية الجديدة.

أخيرًا، من الملاحظ أن تدريبات التوازن والتنسيق التي تم استخدامها في الدراسات المعرفية السابقة، تبدو وكأنها نوع من الألعاب، فسواء كنت ترقص أو تلعب التنس، فإن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات شريكك في اللعب، يعني أن هذه التدريبات لا يمكن أن تتشابه ما بين بعضها، وربما المتعة التي نحصل عليها من اللعبة الجيدة مع شريكنا، ليست مقتصرة على المكافأة، بل إن هذه اللعبة هي مؤشر على أننا منخرطون بالنشاط بكامل قدرتنا، جسديًا وعقليًا، وهذا ما يمكننا أن نطلق عليه اسم التوازن الجيد.

المصدر: نيويورك تايمز