عادة معروفة سلفًا في مصر عند زيارة أي مسؤول لمؤسسة حكومية، هذه المؤسسة صاحبة الحظ العثر التي وقع عليها الاختيار ليمارس عليها نوع من الرقابة الحكومية تعلم بهذه الزيارة قبلها بأيام لتقوم بالاستعدادات الكاملة، من استجلاب لأكاليل الزهور والورد وتمهيد الأرض بالبُسط الحمراء في انتظار المسؤول الحكومي، حتى إذا غادر عاد كل شئ إلى سيرته الأولى.

هذا السيناريو لم يجدي هذه المرة في الزيارة المفاجئة التي نفذها رئيس الوزراء المصري "إبراهيم محلب" ووزير الصحة في حكومته "عادل العدوي" لمؤسستين طبيتين في مصر وهما معهد القلب ومعهد تيدور بلهارس، المؤسستان لم يكونا على أهبة الاستعداد لاستقبال هذا الوفد الرسمي بالسيناريو المحفوظ، يبدو أن خبر الزيارة هذه المرة لم يُسرب كالعادة إلى إدارة المؤسستين، فلم تصدر الأوامر إلى عُمال النظافة للعمل بجدية أكثر لمنع دخول حيوانات كالقطط التي صادفت رئيس الحكومة أثناء مروره في الأدوار، فضلا عن عشرات حالات المخالفات والإهمال في أكبر مؤسسات علاجية شعبية في مصر.

الأمر الذي نتج عنه توبيخ مسؤول على الهواء مباشرة أمام كاميرات الإعلام من قبل إبراهيم محلب رئيس الوزراء كما أُقيل مسؤول آخر بسبب هذه المخالفات، وهو أمر لم يعتده المصريون من قبل، وهو احتفت به أيضًا الدوائر الإعلامية المقربة من النظام، محاولة لترويج صورة جيدة عن رئيس الوزراء الذي يحمله رئيس الجمهورية الفشل في عامه الأول.

في الحقيقة أن ما حدث في هذه الزيارة لهو خير تكذيب عملي لتصريحات سابقة لوزير التعليم العالي في حكومة محلب الذي قال فيها أن مصر تمتلك مستشفيات عالية الجودة وبالغ في الأمر ووصفها بأنها أفضل من تلك الموجودة في بريطانيا، ولكن يبدو أن رئيس الوزراء ووزير الصحة لديهم رأي آخر.

المنظومة الصحية في مصر متردية منذ زمن بعيد وظهرت تجلياتها في الأوانة الأخيرة مع تجاهل الحكومات لكل استغاثات الأطباء العاملين في الحقل الطبي الحكومي المصري، وهو الأمر الذي استثار مجموعة من شباب الأطباء عقب زيارة محلب التي أثارت ضجة بعد تحميل الأطباء المسؤولية الكاملة عما ظهر أمام رئيس الوزراء ووزير الصحة من فساد وإهمال، دون أن يدان الوزير في شئ، وكأن الإهمال من الموظفين والأطباء في المستشفيات فقط، مع عدم وجود أي مسؤولية لوزير الصحة عن هذا.

وهو الأمر الذي دفع بعض من شباب الأطباء لتدشين صفحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لرفع صور الإهمال والفساد وغياب النظافة في العديد من مقار المؤسسات الصحية في مصر وغياب الإمكانيات المطلوبة، حتى لا يتفاجئ بهذا الأمر أي مسؤول رسمي في الدولة إذا ما قرر أن يذهب في زيارات مفاجئة، لتعمل هذه الصفحة على رفع واقع المؤسسات الطبية المصرية الحقيقي الذي يجهله رئيس الوزراء ووزير الصحة في حكومته، أو هكذا يدّعو.

الصحفة التي حملت اسم بالعامية المصرية "عشان لو جه ميتفاجئش" أخذت في الانتشار السريع بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، كما تفاعل معها العديد من الأطباء الذين نقلوا واقع مؤسساتهم الطبية التي يعملون بها ممزوجة ببعض من روايات الفساد والإهمال التي يواجهونها في المنظومة الصحية المصرية.


حصدت الصفحة أكثر من ربع مليون عضو معجب بمحتواها وذلك في أقل من ثلاثة أيام فقط من تدشينها، وقد أعلن المسؤولون عن إدارتها أن الهدف من إنشاء الصفحة هو رصد عيوب المنظومة الصحية في مصر، وذلك من أجل علاجها والسعي لمحاسبة المسؤولين الحقيقيين لصالح المواطن المصري قبل مطالب الاطباء، حيث شعر شباب الاطباء أن اللوم عليهم وحدهم في مسألة تردي الخدمات الصحية، وهو ما يرونه جور وظلم بحقهم، وفق ما نشرت الصفحة.

https://www.facebook.com/lawgehnosurprise/posts/1460795674218709

إذا قرر أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي أخذ جولة في الصفحة وفيما تنشره من محتوى فإنك سوف ترى ما لم يراه المسؤولون عن الصحة في مصر، فالقطة التي رأها رئيس الوزراء تتجول في المستشفى يبدو أنها ليست الأولى أو الأخيرة فهو عرف وتقليد حتى أصبحت في مستشفيات أخرى تخالط المرضى كالتي ظهرت في الصور التي بثتها الصفحة.

أما عن الإمكانيات المتاحة فالصور تظهر أن بعض المستشفيات والمؤسسات الطبية لا تصلح للاستخدام الآدمي من فرط الإهمال وعدم النظافة في صروح طبية مفترض أنها تُعالج المرضى ولكن يبدو من هذه المنظومة الصحية أنها تزيد من آلام وأمراض من يدخلونها بهذه الصورة.

البعض أبدى رأيه في هذه الصور وقال إنها الواقع الأليم الذي يلا يراه المسؤولين في مصر وذلك بسبب عدم التحامهم مع الشعب، فهؤلاء المسؤولين من وجهة نظره لا يستخدمون هذه المرافق من الأساس وهي مقتصرة على الفقراء من الشعب لا أكثر، أما الوزراء وأبنائهم فلهم المستشفيات الخاصة التي لا تعرف هذه الصور مطلقًا، ولا يعرفها هؤلاء الوزراء بالتبيعة.


وهذا ما يؤكده رد الفعل الأولي الذي صدر من وزارة الصحة المصرية على هذه الصور التي نشرتها الصفحة، حيث علق حسام عبد الغفار المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية، على الصفحة المتداولة "عشان لو جه ميتفاجئش" وما ورد بها من وقائع الإهمال بالمستشفيات  بقوله: "أن الصفحة بها مبالغات لم تحدث"، مؤكدًا أن الوزارة ستتابع كل ما ينشر بها للتأكد من صحته، وهو الأمر الذي ردت عليه إدارة الصفحة بأن جميع الصور حديثة، وتم التقاطها من جانب أطباء مصريين يعملون بمستشفيات حكومية  بجميع محافظات الجمهورية وأن هذه الصور ليست من دول أخرى كما تعتقد الوزارة.

حيث يرى شباب الأطباء بفكرتهم هذه أن مشكلة منظومة الصحة في مصر تعاني منذ زمن بداية من النقص الحاد في الإمكانيات مرورًا بالأجور المتدينة التي يتلقاها الأطباء في المؤسسات الطبية الحكومية، مؤكدين أن الأطباء لا يعلمون إلا وفق الإمكانات المتاحة لديهم في هذه المستشفيات.


هذه المشاهد تعيد للأذهان المقطع المصور الذي بثه نشطاء على الانترنت لسيدة مصرية تلد على قارعة الطريق أمام مستشفى كفر الدوار العام بمحافظة البحيرة، بعدما قالت أسرتها أن طبيبًا من داخل المستشفى رفض توليدها طبيعيًا وأصر على عملية قيصرية للحصول على مزيد من الأموال، سبقت هذه الواقعة قيام الإسعاف في مستشفى طنطا الجامعي بإلقاء مريض وسط القمامة أمام بوابات المستشفى، وهي مخالفات كانت على مرأى ومسمع من الحكومة لكن رئيس الوزراء أصر على أنه متفاجئ من الوضع.

المادة 18 من الدستور المصري تنص على أن "لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب"، كما يشار إلى أن المنظومة الصحية في مصر لا تنال سوى 5% من الإنفاق الحكومي وهي نسبة مخالفة للتي أقرها الدستور الذي وضع عقب الانقلاب العسكري، وهو الدستور نفسه الذي يُجرم الامتناع عن تقديم العلاج لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة، ولكن ما أكثر حالات الامتناع عن تقديم العلاج للفقراء في مصر.

الأمر الذي تحدثت عنه منظمة الصحة العالمية العام الماضي في تقرير لها أوردت فيه أن جانبًا من القصور في الرعاية الصحية في مصر يتمثل بشكل رئيسي في نفقات العلاج الكبيرة التي تطلبها المستشفيات الخاصة من المرضى، بما يجعلها خارج القدرة المالية للفقراء، يقابله الإنفاق الحكومي الضئيل على المستشفيات العامة التي هي أقل كفاءة من الخاصة.

من جانبها أيدت نقابة الأطباء وجهة نظر الصفحة وتعجبت النقابة على لسان المتحدث الرسمي باسمها "حسام كمال" من اندهاش رئيس وزراء مصر إبراهيم محلب مما رأه، حيث هاجم كمال زيارة محلب وافًا إياها أن هدفها الـ "شو الإعلامي" والتنصل من العواقب الوخيمة التي أصابت المنظومة الصحية في مصر على يد الحكومة.

الصفحة أصبحت مبادرة مثيرة للجدل، كما اتخذت مثالا للرقابة الشعبية، فقد استنسخت الصفحة في عدة مجالات خدمية أخرى في مصر بتدشين صفحة تحمل نفس الاسم لكن في قطاعات أخرى كقطاع التعليم، وهي بادرة مقلقة للحكومة المصرية وللنظام الذي يقع في مأزق الآن بسبب الضغط الاقتصادي والسياسي عليه، وهي تعد آلية احتجاجية جديدة لفضح الفساد والإهمال داخل الحكومة على نطاق واسع.