ظهر رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس خالد مشعل، في بيروت صباح يوم الثلاثاء الماضي عبر شاشات دائرة تليفزيونية مغلقة حيث القى كلمة في ندوة اللجنة العالمية للقدس تحدث فيها عن عمليات التهويد التي تتعرض لها المدينة وايضا محاولات تقسيم المسجد الأقصى والإهمال العربي لهذه الجرائم الاسرائيلية.

كان قد أُشيع في الأوساط اللبنانية أن يُطل مشعل من بيروت، من الضاحية الجنوبية، من معقل محور "الممانعة والمقاومة"، إلا أنه تحدث من العاصمة التركية حيث كان يقابل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مع رئيس استخباراته هاكان فيدان. 

كان مشعل يتحدث من أنقرة، ونقلت قناة الميادين اللبنانية المدعومة من إيران، والمعروفة بتوجهها المعادي للثورة السورية كلمة مشعل مباشرة على الهواء، فيما لم تنقلها قناة المنار التابعة لحزب الله. مشعل الذي فاجأ الحضور بالحديث عن الأزمة السورية في مؤتمر عن القدس، بدا وكأنه يريد فتح الملفات المختلف عليها، ربما للوصول إلى حل ما، والحل هنا يعني -قطعا- الحل الذي تفضله إيران.

مشاركة حملس في ورشة العمل حول القدس في بيروت بجانب وفد حزب الله تعطي دلالات واضحة على نفس التوجه الذي تنتهجه الحركة الآن، التقارب مع الحلف القديم بعد تعثر الربيع العربي في مصر بعد الانقلاب العسكري، وفي سوريا بعد ما يبدو أنه اتفاق غربي إيراني روسي على إبقاء سوريا في يد الأسد لحين إيجاد بديل آخر غير الثوار الإسلاميين.

لم يعط مقربون من حزب الله أي دلالة غير اعتيادية على مشاركة الحزب في ورشة العمل إلى جانب «حماس». وأشاروا إلى أن الحزب «يشارك في كل المؤتمرات المتعلقة بالقدس في لبنان والعالم بصرف النظر عن المنظمين ويتخذ مسافة واحدة مع جميع الأطراف، فالمهم أن فلسطين تجمعنا».

وقد فاجأ مشعل الحضور عندما وجه رسالة صريحة حول موقف حماس من الأزمة السورية عندما قال أن " من حق شعوبنا العربية والإسلامية، وهي شعوب عزيزة طالما احتضنتنا ودعمتنا وما قصرت في قضيتنا، من حقها أن يكون لها نضالها الوطني من أجل حريتها وكرامتها ونهضتها وديمقراطيتها ووقوفها ضد الفساد والاستبداد، ومن صميم قلوبنا نتمنى أن تنال هذه الشعوب العزيزة مطالبها وحقوقها بسلام ولكن بعيدا عن الدماء وعن الاستقطابات والصراعات الطائفية والعرقية وعما يمزِّقُ الصف الوطني في كل بلد وبعيدا عن التدخلات الخارجية في بلادنا. وندعوها في ذات الوقت إلى استحضار المعركة الأساسية ضد إسرائيل التي تمثل الشر الأكبر والعدو الحقيقي المشترك لنا الذي يهددنا جميعا."
هذه الرسالة التصالحية الواضحة مع النظام السوري تثير العديد من ردود الفعل والتفسيرات في اوساط النظام السوري والمعارضة لانها تعكس تغيرا كبيرا في موقف حماس من الازمة السورية.

وكالة أنباء موسكو كانت قد نشرت خبرا الأسبوع الماضي مفاده أن مشعل سيزور إيران قريبا. الوكالة الروسية ربما تكون قد حصلت على تلك المعلومات من الطرف الروسي المقرب من طهران، إلا أن حماس لم تؤكد أو تنف تلك الأخبار.

وكانت صحيفة "رأي اليوم" الإلكترونية التي يرأس تحريرها عبد الباري عطوان ومقرها لندن، نقلا عن مصادر دبلوماسية في بيروت ان وفدا كبيرا سياسيا وعسكريا من حركة حماس زار طهران قبل بضعة ايام برئاسة السيد محمد نصر عضو المكتب السياسي لحركة حماس والتقى المسؤولين الايرانيين المسؤولين عن ملف المقاومة.

الوفد الفلسطيني وجد تفهما كبيرا من المسؤولين الايرانيين لمطالبه إلا أن المصادر لم تؤكد إذا ما كانت طهران قد تعهدت باستئناف الدعم المالي والعسكري للحركة .

ايران عرضت ان تعود حركة حماس الى سوريا مجددا، لكن السلطات السورية قالت انها ترحب فعلا بعودة قيادة الحركة جميعا الى سوريا باستثناء خالد مشعل رئيس المكتب السياسي. 

الوضع الذي تعانيه حماس هو الأسوأ منذ سنوات، فقد اضطر وزير الاقتصاد في حكومة حماس علاء الرفاتي للقول بأن حكومته تواجه مصاعب في تسديد الرواتب الشهرية لموظفيها، الذين يبلغ عددهم قرابة 50 ألف موظف تبلغ رواتبهم نحو 22 مليون دولار شهريا. 
يأتي هذا العجز بعد الحصار الخانق الذي تقوم به سلطات الانقلاب العسكري في مصر على قطاع غزة ضمن عمليتها الضخمة في سيناء، بالإضافة إلى تقليص كبير للدعم الإيراني لحماس بسبب موقفها المعلن من الثورة السورية والذي خرج على إثره قيادات الحركة وعناصرها خارج سوريا.

المعادلة لا تحتوي فقط على حماس وإيران وسوريا، فالأطراف الأخرى مثل قطر التي تستضيف قيادات حماس، والسعودية التي تتقاطع معها في الرغبة في الإطاحة ببشار الأسد، لا يمكن أن يصمتا إزاء توجه حماس الجديد. ربما لا تدعم السعودية حماس بأي شكل سياسي أو عسكري أو حتي مالي، إلا أن الوضع يختلف إلي حد ما في الدوحة التي يقيم بها رئيس المكتب السياسي لحماس مع العديد من أفراد الحركة بشكل دائم.

توجه حماس الجديد يجب أن يُراعي الموقف الأخلاقي من الثورات، فالموقف الذي تبنته حماس بعد الرد الوحشي من قبل النظام السوري على التظاهرات السلمية التي اندلعت في بلاده منذ مارس آذار من العام 2011 لا يمكن أن ينفصل عن موقفها من بقية الثورات التي حدثت في المنطقة. وتراجع حماس عن موقفها من النظام السوري بشكل براغماتي قد يعني تراجعا عن مواقفها المشابهة التي اتخذتها من قبل، وهو ما يضع حماس في موقف صعب للغاية.
حماس تبدو الآن الحلقة الأضعف في المعادلة الإقليمية، وربما تدخل تركيا لتملأ الفراغ الذي خلفه ابتعاد إيران عن الحركة، إلا أن حسابات أنقرة لا تختلف كثيرا في تعقيداتها عن حسابات حماس.