يومًا بعد يوم، تزداد المعضلة اليونانية تأزمًا، لا سيما اليوم، الثلاثين من يونيو، حيث كان من المفترض أن ترد الحكومة اليونانية 1.6 مليار يورو لصندوق النقد الدولي من ديونها، ولكنها ستتخلف بالطبع عن الالتزام بذلك نظرًا لتعسر موقفها المالي، مما يؤدي لتوابع كارثية ربما على الجدول الزمني المفترض أن تلتزم به، حيث يجب عليها أن ترد 9.7 مليار يورو هذا العام على دُفعات، بافتراض تقديم الاتحاد الأوروبي للمعونة الاقتصادية اللازمة في صورة سيولة نقدية للبنوك اليونانية، لتتمكن الحكومة من تحقيق ميزانية تتيح لها رد ديونها.

بالطبع، يعتمد تقديم أوروبا للدعم الاقتصادي على قابلية الطرفين للوصول لاتفاق مالي جديد، وهو أمر بعيد المنال هذه الأيام نظرًا للطريق المسدود الذي دخلت فيه المفاوضات بين رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس ووزير ماليته من ناحية، ورئيس المفوضية الأوروبية جيان كلود جانكر ورئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد من ناحية أخرى، والتي وصلت إلى حد التراشق بالألفاظ بشكل غير مباشر.

في الأيام الماضية، وصلت الأزمة لطرح الحكومة برنامج التقشف الأوروبي الذي ترفضه للاستفتاء الأحد المقبل في اليونان كنوع من الضغط على المؤسسات الأوروبية، والتي ستضطر للتعامل مع رفض اليونانيين لبرنامج كهذا كنتيجة ديمقراطية لا يمكنهم تجاهلها، وبدورها قالت قيادات أوروبية عديدة في محاولة للضغط على الناخبين اليونانيين أن رفض البرنامج سيكون بمثابة رفض السوق الأوروبية برمتها والخروج من اليورو.

في حال خرجت اليونان من اليورو بالفعل، ستزداد احتمالات ألا تتمكن من دفع ديونها ربما لسنوات، وستكون تلك أول مرة في تاريخ صندوق النقد الدولي، وأول مرة لأي دولة في النظام الاقتصادي العالمي القائم والمعروف بنظام بريتون وودز، أن تعلن عن عدم قدرتها على سداد ديونها، وربما إفلاسها، فماذا سيحدث إذن إذا تحقق سيناريو كهذا؟

ماذا بعد العجز عن سداد الديون

بالطبع، لن تكون تلك أول مرة في التاريخ الحديث تعلن فيها دولة إفلاسها أو عجزها عن سداد ديونها، فلطالما واجه ملوك أوروبا نفس الخطر نتيجة التمويل المبالغ فيه لحملاتهم الاستعمارية والتجارية، مثلما حدث مع ملك إسبانيا فيليب الثاني في القرن السادس عشر، والذي شهد عهده ذلك النوع من العجز أربع مرات، كما أن اليونان نفسها قد شهدت على مدار القرنين الماضيين فشلها في الالتزام برد ديونها سبع أو ثماني مرات، ولكن ما الذي يحدث بالضبط حين يتوقف بلد ما عن دفع ما عليه؟

حين يفشل بلد ما في دفع ما عليه من ديون في الوقت المحدد، يُقال أنه في حالة عجز عن السداد أو Default، وهو ما يكافئ تقريبًا الإعلان عن الإفلاس على المستوى الوطني، والعجز عن السداد في حالة الدول يختلف كثيرًا عن نفس المفهوم بين الشركات، فالشركة التي لا تسد ديونها تقوم الجهة الدائنة بالاستحواذ عليها، أما الدولة ككيان ذي سيادة فيكون صعبًا الاستحواذ على سنداتها.

الخطوة الأولى التي يتخذها أي بلد مُدان بعد العجز، هو محاولة الوصول لإعادة هيكلة لديونه عن طريق التفاوض مع الأطراف الدولية المعنية، والتي قد تؤدي لإعادة تقدير قيمة الديون وربما تخفيضها طبقًا لتحولات السوق، أو إلى تمديد الجدول الزمني المطروح لسداد الديون، لتتمكن الدولة المعنية من إعادة تنظيم ميزانيتها، وفي حالة اليونان بالطبع فإن التمديد سيتضمن اتفاقًا مع أوروبا لمساعدتها على ذلك، إلا أن التمديد أحيانًا ما يتم رفضه نظرًا لهبوط قيمة السندات مع الوقت.

يكمن جزء من المعضلة أيضًا في التعقيد الذي يحدث حين تعلن دولة ما عن عجزها، إذ يتجه مواطنوها والمستثمرون فيها لسحب أموالهم من البنوك وتحويلها للخارج تحسبًا لهبوط قيمة العملة المحلية، في حين تقوم الدولة في المقابل بإغلاق البنوك، كما فعلت اليونان الأحد الماضي، ووضع قيود على حركة رأس المال لتفادي نفاد الأموال من البنوك وتعويم العملة، وبدورها تقوم الأسواق العالمية بالرد عن طريق الاستمرار في الإقراض بأسعار مرتفعة أو ربما الامتناع عن الإقراض جملة واحدة.

في الواقع، وكما تقول سوابق تاريخية عدة، في معظم البلدان التي أصابها العجز، لم يتوقف الإقراض، ولكن الجهات التي تقدم الأموال غالبًا ما تطلب مقابلًا في المستقبل لتقديمها لدولة تعاني من أزمة اقتصادية، وهو ما يُعَد نوعًا من العائد الإضافي لها نظير المخاطرة التي خاضتها بإقراض دولة شبه مُفلِسة.

***

حتى الآن، لا توجد جهة دولية قانونية واضحة للبت في مسائل العجز على مستوى الدولي، وهو ما يفسر لماذا تمثل تلك الأزمات معضلة كبيرة للنظام العالمي، وتعاني منها بشدة الدولة التي تخوضها، ورُغم أن معاييرًا جديدة قد تم إرساؤها مؤخرًا للإقراض لحماية كل من الدول المديونة والجهات الدائنة، إلا أن حوالي 900 مليار دولار من الديون موجودة بالفعل وفق المعايير القديمة، وتقوم الجهات المعنية فيها حتى اليوم بمفاوضات طويلة تمتد لسنوات وعقود لإنهائها بسلام.

اليونان على سبيل المثال، وإذا ما وصلت كما يرجح البعض لجدول زمني جديد، سواء بقيت أو خرجت من اليورو، ستظل تدفع ديونها على الأرجح حتى 2030، بل وربما 2057، ولكن لن تعلن إفلاسها بنفس الطريقة التقليدية التي تعلن بها الشركات إفلاسها، لا سيما وأنها بلد مهم للسوق الأوروبية، وبموقع جيوسياسي حساس، مما يجعل كافة الأطراف حريصة على عدم الوصول للإفلاس الرسمي، أما وإن وصلت إليه بالفعل، فستكون تلك سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ النظام العالمي المعاصر، وسيكون علينا الانتظار والمشاهدة لما ستؤول إليه تجربة كهذه.