يدرك معظم متابعي الأزمة اليونانية أن المسألة ليست اقتصادية محضة، وأن السياسة تلعب دورًا كبيرًا فيها، بدءًا من التوتر بين الشخصيات الرئيسية، كالمستشارة الألمانية أنغلا مركل ورئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس، وحتى الحسابات الجيوسياسية بين موسكو والاتحاد الأوروبي، ومخاوف انزلاق اليونان للنفوذ الروسي، وإن كان البعض يرى أن اليونان ستظل بمأمن عن الانهيار التام نظرًا لكونها جزءًا من أوروبا ثقافيًا وحضاريًا، فإن تلك في الحقيقة ليست مسألة مسلّم بها، بل إن السجال حولها ربما هو لُب الأزمات التي تعانيها أثينا منذ ظهورها ككيان مستقل واستقلالها عن الدولة العثمانية.

اليونان: الخريطة والإرث

إذا ما نظرنا إلى خرائط أوروبا القديمة سنجد شبه جزيرة البلقان كلها باسم “تركيا”، وذلك ببساطة لأن اليونان كبلد لم يكن لها وجود سياسي مستقل منذ دخول الرومان إليها وحتى مطلع القرن التاسع عشر، وأيضًا لأن اليونانيين على مدار تاريخهم رسموا هويتهم طبقًا للدين؛ باعتبارهم أتباع الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية، لا طبقًا للهوية القومية، وكان ارتباطهم حتى تلك الفترة هو بالإرث الروماني المسيحي لا الهليني القديم على عكس ما نظن، طبقًا لما تقوله مولي جرين أستاذ الدراسات الهلينية بجامعة برينستون.

ماذا حدث إذن؟ بدأ الأوروبيون إلى شمال اليونان وغربها أثناء عصر التنوير والنهضة في التنقيب عن الإرث اليوناني الكلاسيكي وأبدوا انبهارًا كبيرًا به في محاولة البحث عن إرث جديد للأفكار القومية والتنويرية، بعيدًا عن العصور الوسطى التي نبذو أساسها الديني، وبالتوازي كان اليونانيون، مثلهم مثل الشعوب القريبة من أوروبا كالعرب والأتراك والفُرس، قد بدأوا في التأثّر بالحراك الثقافي الجاري فيها، كما وجدوا في تقدير أوروبا لتراثهم القديم أساسًا صلبًا لرسم ارتباطهم بها.

أحد الثوار اليونانيين يرفع علم من أعلام الاستقلال في مدينة سالونا

كان تبلور القومية اليونانية بالطبع نتيجة لذلك الحراك الجديد، مما أدى لنشأة وعي هوياتي يوناني مرتبط بالتراث الهليني وأكثر انفصالًا عن التراث الروماني المسيحي، وهو ما استتبع قيام انتفاضات قومية متتالية للفكاك من الشرق بشكل عام والدولة العثمانية بشكل خاص، والاتجاه نحو الغرب، وقد كانت حرب الاستقلال التي خاضها اليونانيون في عشرينيات القرن التاسع عشر واحدة من الأحداث التي خلقت ترابطًا بين اليونانيين وأوروبا باعتبارها صحوة تنويرية من ناحية ضد إمبراطورية شرقية، ومن ناحية أخرى ملحمة قومية للبلد صاحب الإرث الهليني، وقد تطوع البعض في أوروبا للقتال أثناء الحرب، وأبرزهم الشاعر البريطاني لورد بايرون.

نجحت ثورة اليونانيين بالفعل، وتم إعلان دولة يونانية مستقلة عام 1832 اعترف بها العالم، وكان الإرث المؤسس لها هو الإرث الهليني البعيد عن المسيحية الأرثوذكسية، على الأقل طبقًا لمؤسسيها ومثقفيها، والذين حاولوا بعد الاستقلال توجيه اليونانيين نحو قبلتهم جديدة، بيد أن تغيير الثقافة التي استمرت لقرون طوال لم يكن سهلًا، كما أن الانتماء لأوروبا لم يكن يكفيه اعتزاز الأخيرة بتراث اليونان العريق، بل كان يتطلب اتفاقًا في مسائل السياسة والاقتصاد، وهو ما لم يحدث حتى اليوم، لتبدأ المشاكل بالتتابع على اليونانيين منذ ذلك الوقت إلى الآن.

قرنان من الأزمات

لعل مكمن كافة الأزمات السياسية والاقتصادية التي عانتها اليونان مع أوروبا هو الإحباط الذي يعيشه الأوروبيون تجاه اليونانيين، والذين صار جليًا أنهم ليسوا يونانيي اليونان القديمة التي قرأوا عنها في الكلاسيكيات الهلينية، بل شعب آخر بثقافة أخرى أبعد كثيرًا عن أوروبا المهمومة بالنظام والتقدم، وهو ما استتبع نوعًا من علاقة اختلطت فيها المحبة بالكراهية بين أثينا وأوروبا، فالمحبة نابعة من اتخاذ أوروبا لإرث اليونان كأساس كلاسيكي للحضارة الأوروبية كلها ومساعدتها اليونان في استقلالها عن العثمانيين، والكراهية نابعة من الازدراء الأوروبي الكامن تجاه اليونانيين لفشلهم في مجاراة ماضيهم العريق.

تلك الكلمات بالطبع هي مجرد كلمات أنيقة تخفي إحباط أوروبا تجاه فشل أثينا في اللحاق بها هي ليس إلا، ثم إن ماضي اليونان الهليني العريق الذي تقول أوروبا أن اليونانيين لم يرتقوا له هو في الحقيقة ليس سوى تصوّر أوروبا نفسها عن التقدم كما وجدته وأوّلته هي، وهو الذي جذب النُخَب اليونانية بالفعل، وشكل أساسي الدولة القومية اليونانية وخطابها الرسمي، لكنه لم يغير من طبيعة وثقافة الشعب اليوناني بشكل جذري كما كانت تأمل تلك النخب، وكما تأمل أوروبا حتى اليوم.

للمفارقة، خلقت تلك المعضلة سياسة أوروبية تجاه المنظومة الفوضوية نوعًا ما في اليونان قوضت من الديمقراطية في بلدها الأم، نتيجة عدم ثقة أوروبا في إدارة اليونانيين لشؤونهم بأنفسهم، فاليونان فور استقلالها وانتشار الفوضى فيها نتيجة غياب أي منظومة قومية تعوض غياب المنظومة العثمانية، تم البت في مصيرها السياسي في اجتماع للقوى الأوروبية في لندن، والذي أفضى إلى تنصيب أمير من بافاريا عليها، وهو أوتو فون ويتلسباخ.

من هنا يبدأ تاريخ الاستدانة اليونانية، حيث حلت الأزمة الاقتصادية حين أقرضت القوى الأوروبية الملك أوتو، والذي ثار عليه اليونانيون وحددوا من سلطاته وأجبروه على تكوين برلمان ودستور، ليدفعوا بالبلاد إلى اضطراب سياسي أدى إلى إفلاسها عام 1843 وعدم قدرتها على سداد ديونها، وهو ما بدأ بدفع الرأي العام نوعًا ما ناحية التعاطف مع القوة الروسية، والتي تحالفت معها اليونان بالفعل في حرب القرم في الخمسينيات ضد العثمانيين وفرنسا وبريطانيا، لتُفضي خسارة الروس إلى احتلال الأساطيل الأوروبية لبعض الموانئ اليونانية.

كاريكاتير لرئيس الوزراء خاريلاوس تريكوپيس بعد الأزمة المالية

في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر، نجحت اليونان في دفع ديونها، وتم تنصيب ملك آخر من الدنمارك عليها ليُشرف على رئاسة وزراء خاريلاوس تريكوپيس، والذي قام بمشاريع ضخمة في مجال البنية التحتية ولكنه اقترض بشكل كبير لينفذّها، مما دفع بلاده إلى إعلان العجز عن سداد ديونها مجددًا، وتدخل “اللجنة الدولية لإدارة الدين اليوناني” كما عُرِفَت لفرض الإصلاحات على اليونانيين والإشراف على اقتصادهم، بشكل مشابه لما يجري من قبل البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي اليوم.

“للأسف، لقد أفلسنا،” هي الكلمات التي قالها خاريلاوس آنذاك، ليصبح العام 1893 ثالث مرة تعلن فيها البلاد إفلاسها بعد 1843، و1827 حين فشل الثوار في رد ما استدانوه أثناء حرب الاستقلال من داعميهم في أوروبا، وهي مسيرة استمرت حين وقع الإفلاس الرابع عام 1932 أثناء الكساد الكبير، ثم مؤخرًا بالطبع بعد دخول اليورو والأزمة المالية 2008.

بين الاعتبارات الاستراتيجية والمالية

هي علاقة غريبة إذن، بين الفريضة السياسية الأوروبية التي تحتم التعامل مع اليونان كعضو في النادي الأوروبي، وما يستتبعه ذلك من وقوع عبء التصرّف كأمة أوروبية متقدمة ومنضبطة على كاهل اليونانيين، وبالتالي إقراض أوروبا لليونان بشكل يفوق حدودها على الرد مرارًا وتكرارًا لسد الفجوة بين هذا الهدف والواقع على الأرض، وتحقيق استراتيجية الإبقاء على البلاد في أحضان أوروبا بدلًا من اتجاهها نحو روسيا أو تركيا، بيد أنه مع صعود الألمان، تغيّرت تلك المعادلة قليلًا، لتعطي أزمة 2015 بُعدًا خاصًا مختلفًا عن كل أزمات الإفلاس السابقة في تاريخ اليونان الحديث.

خلال العقدين الماضيّين، تراجعت هيمنة بريطانيا وفرنسا على المسرح الأوروبي، مع هوسهما المعتاد بالحسابات الاستراتيجية والسياسية كقوتين استعماريتين سابقتين، وبرزت ألمانيا كقوة أولى في القارة باسطة نفوذها عبر الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، ونتيجة للغياب شبه التام لأي ماضٍ استعماري لها، ونهجها المحافظ والهادئ في بسط قوتها بسبب حساسيات الماضي النازي، انصب التركيز الألماني على نسج قوة برلين ليكون اقتصاديًا بالأساس، وهو ما أدى إلى هيمنة الحسابات المالية والنقدية الصارمة، وتراجع العوامل الثقافية والفكرية التنويرية التي جذبت اليونانيين يومًا ما لصالح اختزال التقدم في انضباط وإنتاج السوق الأوروبية ذات الملامح الألمانية.

لم يكن غريبًا إذن أن تقع المعاناة على كافة دول الجنوب المتوسطية التي وإن شاركت أوروبا ثقافتها وفكرها تحت هيمنة التنوير الإنجليزي والفرنسي، فإنها شعرت بالغُربة النسبية تحت قيادة الألمان المتزمتة ماليًا، وكان ذلك في حالة اليونان أشد من إسبانيا وإيطاليا والبرتغال بالطبع نظرًا للتاريخ الطويل، المذكور أنفًا، من مسألة الانتماء لأوروبا من عدمه، والعلاقات المعقدة بين أثينا وموسكو من ناحية، وبين الأتراك واليونانيين من ناحية أخرى.

فالأولى تشارك اليونان الكثير على المستوى الديني، بيد أن الارتماء في أحضانها ثقافيًا وسياسيًا سيكون شديد الصعوبة إن لم يكن مستحيلًا، أولًا لأنه سيقوض تمامًا من الديمقراطية الأثينية أكثر حتى مما يفعل الاتحاد الأوروبي بمؤسساته حاليًا، ومما فعل الملك أوتو يومًا ما، وثانيًا لأنه سيجلب بالتبعية عداوة مع الغرب كما تشي بذلك ذكريات حرب القرم، وهي عداوة لا تستطيع اليونان أن تدفع ثمنها.

أما الثانية، ورُغم الكُره على مستوى الروايات القومية بين الأتراك واليونانيين، وذكريات “الاحتلال” العثماني السيئة، فإن هناك الكثير من العوامل المشتركة على المستوى الثقافي، كما أن الآليات الاقتصادية التركية قد تكون مناسبة أكثر لليونانيين نتيجة التاريخ الطويل المشترك للشعبين، عوضًا عن منظومات الألمان، بل إن التراث العثماني في اليونان أحيانًا ما يُلام من جانب الأوروبيين على تخلّف اليونان الاقتصادي، كما تشي بذلك تصريحات رئيس المفوضية الأوروبية جيان كلود جانكر، حين قال بأن غياب أي نظام للتسجيل العقاري للأراضي اليونانية يؤدي لغياب الجمع الكفء للضرائب، وهي مشكلة تعود للحكم العثماني.

شماعة الإرث العثماني الشرقي

لوحة من مدينة سالونيك في أواخر الفترة العثمانية

يشير الكثيرون دومًا إلى علاقة اليونانيين المضطربة مع دفع الضرائب، واعتبار التأخر عن سداد ديونهم جزءًا من ثقافتهم السياسية، كسمة أساسية ورثوها عن الحقبة العثمانية، حيث كان التنصل من الضريبة آنذاك جزءًا من معارضة السلطة العثمانية، وهو ما أوجد بالتبعية تقليدًا لا يحرص على جمع الضرائب بشكل كفء لا يزال مستمرًا، حتى بعد أن أصبح سلطان اليونانيين بأيديهم في أثينا لا في إسطنبول، وهي حُجة قد تبدو منطقية، لكنها غير كافية كما يقول مؤرخو الدولة العثمانية الذين يرون فيها الكثير من الاختزال.

على الرُغم من ذلك، يبدو وأن الحُجة وجيهة جدًا من المنظور الأوروبي، فهي تعزز من محاولة تصوير الثقافة اليونانية الحالية بكونها غير معبّر عن اليونان الأصيلة (كما تراها أوروبا)، وتضغط في نفس الوقت على المسألة القومية في اليونان لعلها تكون حافزًا للإصلاح الاقتصادي والمالي المرجو في بروكسل وبرلين، كما تجعلنا نرى إحدى روابط اليونان بالشرق باعتبارها جزءًا من تخلّفها في تعزيز لانتماء اليونان الغربي بشكل عام، وهو انتماء خاضع للمساءلة مثله مثل الانتماء الغربي لتركيا كما رأته نخبة الأتراك في مطلع القرن العشرين، حتى ولو لم تكن اليونان بلدًا مسلمًا.

ليس غريبًا إذن أن تنتشر مع توابع الأزمة المالية اليونانية الكثير من الصور النمطية عن اليونانيين في بلدان أوروبا  باعتبارهم شعب من الكسالى، خاصة في الإعلام الألماني، والذي انتقد بشدة أي مِنَح مالية جديدة لأثينا نظرًا لإساءة استخدامهم للمال، وكأن ألمانيا هي ربة المنزل التي لا تثق في رزانة أبنائها، وهو ما يراه المتعاطفون مع أثينا إفراطًا في الصرامة المالية من قبل برلين، وإن كان سجال “هل هو كسل اليونانيين أم صرامة الألمان” سجالًا وجيهًا، فإن أقل ما يُقال أن هناك فروقًا في علاقة الاقتصاد بالثقافة بين البلدين تصعّب كثيرًا وجودهما بعُملة واحدة، علاوة على كل الإشكاليات الحضارية الأخرى بينهما.

- كم أحب أنقاض الآثار اليونانية القديمة

- لقد كان هذا بنكًا بالأمس!

لم يكن هناك ما يدل على مدى تركيبية العلاقة بين اليونان وبقية أوروبا أكثر مما جرى وقت الاستفتاء، والذي تحول إلى مسألة ثقافية أكثر منها مالية واقتصادية، فمُعظم من قالوا نعم مالوا إلى انتماء اليونان الأوروبي ومخاوف الوقوع في مدار النفوذ الروسي، في حين رفض من قال لا، ليس فقط التقشف الألماني، ولكن ربما تصوّرات الأوروبيين نفسهم عن اليونانيين، والتي تُعَد جزءًا من هذه الأزمة وسابقاتها.

“على عكس الشعوب التي تمتلك ترف رفض الأنماط الغربية نظريًا، تجد اليونان نفسها وقد وضعت أوروبا على كاهلها واجب الانضمام لحضارة غريبة على اليونانيين بادعاء أن أسلافهم هم من وضعوا حجر الأساس لها، وحتى لو كانت اعتقادات أوروبا وتأويلها للتراث اليوناني في محلها بالفعل كقاعدة للحضارة الغربية، فإن اليونانيين على ما يبدو قد فقدوا منذ زمن طويل اتصالهم بذلك التراث، بل وربما فقدوا أيضًا القدرة على مواكبة الحضارة الغربية كتجلٍ له،” هكذا كتب قسنطنطين تسوكالاس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة أثينا، “لقد كانت فكرة اليونان القومية والأوروبية أجنبية ومستوردة بشكل كامل.. فاليونانيون طالما نظروا لأنفسهم كشعب غربي نظريًا، ولكن شرقي عمليًا."