نحو 42 سجنًا و328 قسمًا للشرطة في مصر فضلًا عن عشرات من معسكرات الأمن المركزي وأماكن الاحتجاز السرية تكتظ في الوقت الراهن بما يتجاوز 50 ألف معتقلًا سياسيًا يعيشون أوضاعًا مزرية للغاية، وصل تكدس المعتقلين نسبة 400% في أقسام الشرطة، و160% في السجون بحسب تقارير جهات حقوقية تابعة للدولة المصرية، أوضاعهم متشابهه إلى حد كبير رغم توزيعهم على مختلف أماكن الاحتجاز بالمحافظات، فالأوضاع الإنسانية التي يعيشها 50 ألف مواطنًا تتقارب بشكل كبير في مدى قسوتها لما يلقوه من تنكيلٍ من الأجهزة الأمنية لانتماءاتهم السياسية بجملة القمع الممارس من قِبل السلطات في الداخل المصري.

سجن العقرب أحد تلك السجون التي زادت بها مآسي المحتجزين داخله، وإن كان الوضع الإنساني المتدني بالسجن قريبًا من غيره من السجون وأماكن الاحتجاز المصرية، إلا أنه يبدو أن الأجهزة الأمنية اختارته ليكون نموذجًا واضحًا على جرائمها، فالسجن مورس داخله كافة أنواع التنكيل والتعذيب التي سمعنا ولم نسمع عنها منذ أحداث 30 يونيو 2013، من التعذيب والضرب المبرح بالهروات والصعق بالكهرباء وتعليق المعتقلين من أيديهم لساعات في جدران السجن، مرورًا بالإهمال الطبي ومنع الدواء والغذاء والمسلتزمات الشخصية وحتى الأغطية والملابس،  مع منع تقديم الطعام للمعتقلين وتجويعهم، إلى التحرش الجنسي والاغتصاب الكامل، وغيرها من وسائل التنكيل التي أصبحت وردًا واجبًا  يمارس بشكلٍ دوري على المعتقلين.

السجن شديد الحراسة الواقع ضمن مجموعة سجون طرة جنوبي القاهرة على بعد 2 كم من بوابة سجون طرة الرسمية،  تصميمه الهندسي غريب عن باقي السجون المتعارف عليها، فالسجن محاط بسور يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار بالإضافة إلى البوابات المصفحة من الداخل والخارج، يتكون من 320 زنزانة مقسمة على 4 عنابر أفقية تأخذ شكل الحرف، يحوى مساحة 25 في 15 مترًا على شكل حرف (L) مخصصة للتريض لا تسخدم حاليًا لهذا الغرض، حيث يمنع التريض عن المعتقلين بالسجن، كما يوجد به نحو 20 زنزانة تأديب يُمنع فيها الإضاءة ولا يُسمع فيها الأصوات من الخارج، كل عنبر ينفصل بشكل كامل عن باقي السجن بفضل البوابات المصفحة والخرسانة المسلحة المانعة لانتقال الصوت، فلا يتمكن المعتقلون حتى من التواصل الصوتي عبر الزنازين.

فكرة السجن الذي اُفتتح قبل 22 عامًا، بعد استغراق بنائه عامين، كان اقتراح مجموعة من ضباط الشرطة العائدين من بعثة تدريبية بالولايات المتحدة الأمريكية، لاقت الفكرة حينها قبولًا كبيرًا لدى وزارة الداخلية الذي ترأسها ذلك الحين الوزير حسن الألفي وكان حبيب العادلي مساعدًا له لشؤون أمن الدولة، الذين سعوا لتنفيذ الفكرة كما حرصوا على أن يكون السجن ناجحًا في إخفاء المعتقلين، واستنطاقهم باعترافات بشتى الطرق.

روى معتقلون سابقون بالسجن أنه مكون من أربعة عنابر، حيث العنبران الأول والثاني يقعان في جانب والثالث والرابع في جانب آخر، وكل جانب متصل بمبنى أرضي وله عيادته الخاص وقائد من أعلى الرتب الشرطية. العنبر الثاني من السجن بالتحديد تم تخصيصه لقادة جماعة الإخوان المسلمين حاليًا، والرابع خصصته إدارة السجن للمحكوم عليهم بالإعدام الذين يتم تكبيل أيديهم وأرجلهم حتى داخل زنازينهم، وكذلك للمعتقلين لدواع أمنية والمنقولين لزنازين التأديب، أما العنبرين الأول والثالث فبهما المعتقلون من مختلف التيارات.

يقبع بالسجن حاليًا ما بين 150 : 200 معتقل سياسي من قيادات من المعارضة المصرية على رأسهم قادة في جماعة الإخوان المسلمين وعدد من المتهمين في الضلوع في عمليات نوعية ضد النظام، وذلك بحسب تصريحات خاصة من أسر المعتقلين داخل السجن، تعيش تلك الأسر معاناة متضاعفة حيث إنها ممنوعة من الزيارة منذ نقل ذويهم للعقرب، إذ من المفترض أن تكون مسموحًا بها كل أسبوع دون تصريح؛ ما يضطر أسر المعتقلين إلى استخراج تصريحات لزيارة استثنائية  للقاء ذويهم بالسجن، لكن تلك الميزة متاحة مرتين فقط بالشهر. 

تستعد أسرة المعتقل بالسجن للزيارة من الرابعة فجرًا، حيث تخرج من منزلها على أمل الوصول للسجن في السادسة أو السابعة صباحًا لضمان الوقوف في بداية طابور الزيارة إلى أن يتم فتح باب السجن في الثامنة، فالاستعداد المبكر للزيارة يعود لسياسة السجن في إتاحة الزيارة لأول 15 تصريحًا بالطابور فقط، لتعود باقي العائلات بخفي حنين أملًا في محاولة استخراج تصريح آخر بعد 15 يومًا، أما بالنسبة لمن حالفهم الحظ في تسجيل الزيارة ينتقلون من البوابة الرئيسية بسيارة تقلهم حتى باب سجن العقرب خلال منطقة صحراوية ليقوموا بتسجيل الزيارة منتظرين فرجًا يأتيهم سريعًا في ظهر اليوم في أفضل الأحوال إن لم يأتيهم عشاءً وذلك للدخول لرؤية المعتقلين.

الفوز في نهاية المطاف بلقاء الأسر بمعتقليهم يأتي بعد المرور بتفتيش ذاتي مهين لأشخاصهم وللمستلزمات التي يحضروها للمعتقلين من طعام يقوم الضابط المكلف بتفتيشيه بتقليبه بيده أو إلقائه على الأرض بشكل همجي فلا يسمح بدخول أكثر من ربع قطعة من الدجاج أو قطعة صغيرة من اللحم لا تتجاوز عشرة جرامات مع وجبة طعام واحدة، كما يُمنع الدواء عن المرضى من المعتقلين حتى بعد تفريغه للتأكد من أنه دواء حقًا، فالأهالي يعيشون معاناتهم الأولى في الإهانة التي يلقوها حتى رؤية ذويهم، ومعاناتهم الثانية تتمثل في الزيارة ذاتها حين يروي المعتقلون لهم عبر أسلاك حديدية وألواح زجاجية أشكال التعذيب والتنكيل الممارسة بحقهم، فزنازين المعتقلين صودرت منها كافة المستلزمات والأسرة وحتى الأغطية والأدوية، ليبقى المعتقل في زنزانته بملابسه التي يرتديها فقط إن لم تصادر هي الأخرى.

تروي عائشة خيرت الشاطر، نجلة القيادي بجماعة الإخوان المسلين خيرت الشاطر المعتقل بالسجن مع ولده سعد الشاطر، أن التشديدات بالسجن زادت في الفترة الأخيرة حيث منعت الزيارة عن أغلب المعتقلين رغم استخراجهم تصاريح لها وذلك قبل أكثر من ثلاثة أشهر، وأكدت الشاطر أن مع بداية شهر رمضان صادرت إدارة السجن الساعات من المعتقلين حتى لا يتمكنوا من تحديد وقت الإفطار والسحور، حيث إنها كانت سبيلهم الوحيد لمعرفة مواعيد تناول الطعام خلال الشهر داخل زنازين لا تدخلها إضاءة الشمس، كما أن "كافتيريا" السجن التي كانت مصدر طعام بالنسبة للمعتقلين حيث يشترون طعامهم منها عبر النقود التي تتركها أسرهم بالأمانات أغلقت هي الأخرى.

ليصبح  سبيلهم الوحيد للبقاء على قيد الحياة تناول طعام السجن المتكون من قليل من الأرز أو العدس المُعجن أو المحروق يقدم لهم في أيديهم بجوار رغيف خبز أو أقل عليه آثار من جُبن، وهذه الكمية هي طعام اليوم بأكمله لكل معتقل يأكلها حين يتبين له وقت الإفطار والسحور، كما أن الطعام الذي يُمنع أحيانًا يقدم دون ملح ما تسبب بآلام في الأسنان والعظام للمعتقلين، كما أن المرضى منهم بأمراض مزمنة يتم التعنت معهم في إدخال الأدوية أو صرفها، كما يُحرم البعض من القيام بإجراء عمليات جراحية، لنتأكد أن تهديدات إدارة السجن المتكررة للمعتقلين بالقتل البطئ أو التصفية المباشرة ليست مجرد كلام وأنها بدأت في تنفيذ خطوات عملية لتحقيق ما صرح به عدد من ضباط السجن لقيادات الإخوان بأن مصيرهم سيكون كمصير قادة الإخوان الـ 9 الذين تمت تصفيتهم قبل أكثر من أسبوعين داخل شقة سكنية بأكتوبر، إذ تقوم إدارة السجن باللعب على وتر القتل والموت كنوع آخر من التعذيب النفسي.

لفتت نجلة خيرت الشاطر كذلك إلى أن زيارة المحامين مُنعت هي الأخرى منذ مطلع شهر رمضان، ومنذ ذلك الحين وانقطع اتصال الأسر بالمعتقلين وانقطعت معرفة أخبارهم إلا القليل الذي يصلهم من خلال جلسات محاكماتهم، وإن علمت إدارة السجن بإخبار أي من المعتقلين شيء عن أوضاع السجن للمحامين خلال جلسات المحاكمة يتم نقله لعنابر التأديب، وأشارت إلى أن الكهرباء والمياه تًقطع عن المعتقلين منذ حادث مقتل النائب العام طيلة 23 ساعة في اليوم، كما أكدت نقل إدارة السجن القيادي بجماعة الإخوان محمد طه وهدان إلى عنبر الإعدام رغم أنه لم يصدر بحقه حكمًا عليه بعد، والقيادي محمد سعد عليوة الذي نقل إلى عنبر الدواعي الأمنية.

أما منظمة هيومن رايتس مونيتور الحقوقية نقلت عدة أشكال من أنواع التنكيل والتعذيب التي يلقاها المعتقلون مؤخرًا على لسان أحدهم، إذ قالت المنظمة في بيان لها نشرته قبل أيام إنها تمكنت من التواصل مع أحد معتقلي عنبر H1، ونقلت عنه ما يتعرضون  له من ضرب مبرح بالعصي والهروات، وصعق بالكهرباء يزيد في الأماكن الحساسة وكذلك تعليق للمعتقلين لساعات طويلة في الحائط، كما تحدثت المنظمة في بيانها عن تعرض عدد من المعتقلين للاغتصاب الكامل فضلًا عن التحرش الجنسي للعشرات، ونلقت على لسان المعتقل قوله إجبار إدارة السجن لعدد منهم على الجلوس على أربع كالحيوانات وقاموا بوضع العصي في دبر المعتقلين كنوعٍ جديدٍ من الإذلال والتنكيل، كما أشار البيان إلى تلقي المعتقلين تهديدات باغتصاب زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم أمام أعينهم أثناء الزيارة حال حديثهم عن أوضاع السجن.

معتقلو السجن قدموا العديد من الشكاوي للمجلس القومي لحقوق الإنسان الممول من الدولة، وصلت إلى 10 شكاوى بعضها تجاهله المجلس من الأساس ولم يتعامل معها بجدية، وشكاوى أخرى يكون الرد عليها بأن المجلس لن يستطيع أن يقدم أي شيء حيالها، الأمر الذي يجعل وضع هؤلاء المعتقلين في هذا السجن أشبه بكونهم في مقبرة لا يعرف عنها شيء ولا تخضع لأي رقابة.

كانت هذه جولة في أحد أشد السجون المصرية حراسة وكذلك أشدها تنكيلًا وقمعًا لمن يحمله حظه العثر أن يكون أحد المعتقلين بداخلها.