مثل الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي في فيينا بتاريخ 14 يوليو أحد أهم التحولات الإقليمية منذ عقدِ ونصف من الزمن في منطقة الشرق الأوسط، فبعد اسقاط طالبان نتيجة هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ثم اسقاط النظام العراقي في عام 2003 أصبحت ايران هي أقوى اللاعبين الإقليميين في المنطقة وأكثرها اثارة للجدل، فالبرنامج النووي الإيراني كان هو الملف الخارجي الأهم بالنسبة لإسرائيل أولًا، وكان أحد أبرز الملفات المهمة لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك الحال بالنسبة لدول الخليج الذي تعتبر ايران أحد أكبر الأخطار الإقليمية حتى أنها تهندس معظم تحالفالتها الخارجية بناءً على ذلك، فهل كان الاتفاق ظاهره الهزيمة وباطنه النصر أم العكس ؟

يمكن تقييم الاتفاق بشكل واضح بعد فهم مكانة وموقع المشروع النووي لدى ايران، فالمشروع النووي كان هو مرتكز الطموح الايراني الإستراتيجي، وهذا المشروع لم يكن مجرد آداة للتفاوض كما يقول البعض بل كان أحد أهم مشاريع ايران الاستراتيجية، وهذا الرأي سيكون مقبولًا فيما لو كانت ايران لم تبدأ بعد بهذا المشروع أو بدأت به بدايات متواضعة، بينما واقع الحال يشير لحجم الجهد المبذول في تخصيب اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزي وبناء وتحصين المفاعلات النووية وما يستنزفه ذلك من الاقتصاد الايراني –والذي تعرض لعقوبات قاسية كانت هي من الدوافع الرئيسية للتخلي عنه لاحقًا- وبالتالي فإن التراجع عن البرنامج النووي يُمثل كيًا للطموح الايراني، ووأدًا لأحد أهم مشاريع ايران القومية .

على الجهة المقابلة فإن أمريكا لم تقدم أي تنازل "استراتيجي" لإيران، بل وفي توضيحاتها اللاحقة حول طبيعة الاتفاق أكدت على لسان اوباما التزامها بتحالفاتها مع أصدقائها في المنطقة-إشارة لدول الخليج-كذلك على مواجهة سياسات ايران اللا أخلاقية في قضايا المنطقة كسوريا مثلًا، وهذا يعني أن الاتفاق ألزم ايران كتابيًا بنصوص واضحة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، وكذلك في حظر بيع السلاح إليها خمسة سنوات فيما يتعلق بالأسلحة التقليدية وثمانية سنوات فيما يتعلق بالصواريخ البالستية، بينما ترك ما هو مطلوب من أمريكا ضبابيًا ومتعلقًا بالتطورات السياسية في المنطقة، باستثناء رفع العقوبات الاقتصادية –والتي هي بالأساس حق ايراني منع عنها في وضح النهار- .

ورغم أن البعض يرى بأن بمقدور ايران اعادة بناء المشروع النووي بجانبه العسكري بعد خمسة عشرة عامًا إلا أن هذا الأمر ليس بتلك السهولة المتصورة، لأنه في تلك الحالة ستعود ايران لنقطة الصفر أولًا، ولكون اقتصادها سيرتبط بشكلٍ عضوي في الاقتصاد العالمي والسوق العالمية خصوصًا في مجال النفط والغاز ثانيًا -وهذا أحد أسباب دوافعها لتوقيع الاتفاق أصلًا- وستتخلى رويدًا عن اقتصاد الحرب –والذي شكل لها نقطة قوة فيما يتعلق بمواجهة العقوبات الدولية- وستصبح متأثرة بأي عقوبات جديدة تفرض عليها بشكل أكثر فعالية، مما سيمنعها من التفكير بتحدي الدول الكبرى في هذه القضية، مما سيضعها في خيارين، إما العودة لنقطة الصفر التي تخلت عنها قبل خمسة عشرة عامًا، أو المضي قدمًا وعدم اعادة بناء المشروع النووي كما كان .

كما أن النظر لإيران كلاعب اقليمي مهم، وطرف أساس في المنطقة الشرق أوسطية لم يكن بحاجة لاتفاق أصلًا، فبعد احتلال العراق وأفغانستان-ودور ايران في ذلك-بدأت الإدارة الأمريكية تتعامل مع ايران كلاعب لا يمكن تجاهله، وبدأت تغض النظر عن مصالح ايران خصوصًا في العراق وأفغانستان، وبالتالي لا يمكن القول بأن ايران حققت مكاسبًا سياسية تتمثل باعتراف أمريكا بمصالحها وغض النظر عنها مقابل التنازل عن البرناج النووي، لأنه وكما وضحت سابقًا فإن هذا الاعتراف حصل ضمنيًا بعد احتلال العراق وإلى الآن .

حتى هذه المصالح التي احترمتها امريكا، ودور ايران في المنطقة كل هذا يقع على عاتق ايران في المقام الأول دون أي التزام أمريكي بضمان وجودها بعكس الحالة الإسرائيلية-حيث تلتزم أمريكا بحماية المصالح الإسرائيلية وضمان تفوقها في كافة النواحي-مما يعني أن هذه المكاسب عرضة للضياع في حالة وجود ردة فعل منظمة من قبل العرب في سوريا والعراق واليمن-وهذا ما بدا واضحًا في اليمن على أقل تقدير- .

ويبقى السؤال، إن كان الاتفاق يمثل تنازلًا ايرانيًا فادحًا، أو بمعنى أدق هزيمة منمقة ومهذبة، فلماذا تجرعت ايران السم بتوقيعها على الاتفاق ؟

ويمكن فهم الإجابة من خلال فهم طبيعة الدور الإيراني ونظرة المنطقة العربية له-والتي كانت من المفترض أن تشكل رافعة للمشروع النهضوي الايراني-بعد الدور السلبي واللاأخلاقي لإيران في العراق وأفغانستان أولًا، ثم وقوفها الفج ضد التطلعات الثورية العربية خصوصًا في سوريا واليمن ثانيًا، وكذلك دورها في تنمية الصراع المذهبي المدمر في الدول العربية ثالثًا، مما جعل ايران تفقد العمق العربي، وتدخل في صدام مدمر ومكلف معه، مما دفعها للاتجاه غربًا-وهذا ما حصل تاريخيًا مع تركيا بعد الثورات العربية ضدها-بعكس تركيا في الفترة الأخيرة حيث ازداد التوجه الشرقي لديها بسبب القبول العربي الشعبي بدورها الإقليمي، مما جعل الاستمرار في المشروع النووي صفقة خاسرة بكل المقاييس، فلا اقتصادها قادر على تحمل أعباء هذا المشروع، ولا هو قادر على تحمل أعباء مشروعها السياسي في المنطقة العربية .

وكملاحظة أخيرة، كانت مقاومة الحركات السنية في العراق للإحتلال الأمريكي وافشال حملته العسكرية عليه، وكذلك الدور البطولي للتنظيمات العربية-حزب الله/حماس-في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية دورًا مهمًا جدًا في منع أي حملة عسكرية سواء كانت أمريكية أو اسرائيلية ضد ايران، وقد كان بمقدور ايران أن تستفيد ايجابيًا من هذا التفاعل العربي، وأن تتضامن معه وتقف بجانب تطلعاته-والتي هي بالأصل مثل تطلعات الثورة الإيرانية ومبادئها-لا أن تقدم مصالحها الخاصة على مصالح المنطقة ككل .