أوباما الذي ما زال يعيش حالة من التخبط في تعامله مع القضية السورية والتي تعكس واقع الاختلاف داخل ادارته ومساعديه كان قد ظهر في الثامن عشر من نيسان/أغسطس 2011 - بعد قرابة 5 أشهر من بدء الثورة السورية- ليقول أنه قد حان الوقت على الأسد للتنحي"، هذا التصريح الذي كان محط قلق من بعض الأصوات القليلة من مسؤولي الادارة الأمريكية التي اعترفت بعدم وجود خطة استراتيجية للمساعدة أو القيام بشيء نوعيّ ازاء سوريا.

تخبط الادارة الأمريكية في تعاملها مع القضية السورية مرّ بكثير من أشكال التلكؤ والمؤتمرات الصحفية الفارغة من المحتوى والفراغ في بعض المناصب تخلله فترة من الجمود في أثناء الانتخابات الأمريكية التي أعادت أوباما مرة أخرى الى البيت الأبيض دون أي اضافة أو تغيير متوقع في الأداء وتغيير طفيف في الوجوه المرافقة له، جاء آخره تصريحه الشهير بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا دون تحديد تاريخ محدد وذلك بعد استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيميائية في الغوطة بريف دمشق في الحادي والعشرين من نيسان/ أغسطس من العام الحالي، والذي كان أشبه بقنبلة صوتية تبعها اتفاق تخلي نظام الأسد عن الأسلحة الكيميائية برعاية روسيا ثم فتح خطوط التواصل مع ايران الحليف والداعم الأكبر لنظام الأسد في اظهار لمدى التناقض الذي تعيشه الادارة الأمريكية وصدق اعترافات أصوات الادارة القليلة بعدم وجود خطة مع ارتفاع عدد القتلى الى ما يزيد عن 115 ألف قتيل.

وانعكاساً لما قامت وكالات التجسس باخبار الادارة الأمريكية لأكثر من عام، فان اعادة تقييم الواقع السوري الآن تفيد بأن حكومة الأسد لم تكن على وشك الانهيار كما كان مشاعاً، وأنها كانت صاحبة الحظ الأوفر في صراعها مع كتائب الجيش الحر وغيرها من الجماعات الاسلامية كجبهة النصرة وتنظيم القاعدة، حتى ان وتيرة الانشقاقات بدأت بالتباطئ كثيراً في الفترات الأخيرة اضافة الى الدعم الايراني الذي كان دائماً يعوض نقص قوات الأسد بالاسلحة والذخائر.

في المقابل، مع نقص ذخيرة الجيش الحر الواضح في ظل تصاعد المعارك ونقص الامداد بدأت الروح المعنوية تنخفض رافقها سيطرة للجماعات الجهادية على الأرض مثل جبهة النصرة والدولة الاسلامية في العراق والشام - والتي تتبع تنظيم القاعدة -  مما زاد تعقيد الخيارات أمام الادارة الأمريكية، نقاشات حل الأزمة والتدخل وتسليح المعارضة بدأت تأخذ شكلاً أكثر حدة وأطول وقتاً في الوقت الذي يمضي فيه اوباما معظم الوقت صامتاً أو " يمضغ العلكة " دون أي تعليق، في احدى المحادثات الخاصة مع أحد مساعديه قال : سوريا هي احدى المشاكل " الجهنميّة " التي قد تواجه أي رئيس، الخطر غير محدود وكل خيارات الحلول سيئة. 

جزء آخر من التخبط يظهر جليّاً في تأخر الادارة الأمريكية لأكثر من عام لترشيح بديل عن جيفري فيلتمان، الدبلوماسي الأمريكي المخضرم والناطق بالعربية والذي كانت مهمته تنسيق سياسات الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط والذي غادر مكانه في حزيران 2012، جلّ وقت ادارته كان على ما يسمى " مشروع ما بعد الأسد" والذي كان بمثابة خطة الانتقال السياسي في سوريا والتي بدأ العديد من مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية برفضها و اعتبارها ممارسة أكاديمية لا طائل منها قائمة على أن حكومة الأسد على وشك الانهيار في الوقت الذي تثبت الأحداث الجارية عكس ذلك.

الجدل داخل الادارة الأمريكية والقائم على سؤال مصلحة أمريكا من اخماد العنف في سوريا كان أكثر ما يحيط النقاشات، الخطر الايراني والذي تعتبر سوريا من أهم حلفائه ان لم تكن مركزاً استراتيجياً لها- والذي يناقض التناغم الأمريكي الايراني الاخير - قد تتحول لاحقاً الى مركز آخر للقاعدة والجماعات الجهادية - التي تعدّ عدواً آخر لأمريكا في المنطقة - في حال اسقاطها للأسد، والدعم بالأسلحة الفتاكة للمعارضة التي تراها أمريكا "معتدلة" قد يتحول الى أيدي جبهة النصرة وتنظيم القاعدة مما جعل أحد المسؤولين يقول: " سنكون وقتها بحاجة لسياسة الانكار ان حدث هذا الأمر"، ليتحول بعد ذلك نظر أوباما بعيداً عن التسليح الى برنامج تدريب قوات من الجيش الحر باشراف ضباط الـ CIA في المناطق الشمالية من الأردن لتستخدم هذه القوات لاحقاً في سوريا في برنامج تدريبي ما زال محاطاً بالكثير من السرية والغموض.

ورقة أخرى قُدمت الى وزارة الخارجية الأمريكية في منتصف العام الجاري تقول : " نحن باتجاه السيناريو الأسوأ بالنسبة لنا، مكاسب الثوار تتراجع والمعارضة المعتدلة تنهار، مساحات شاسعة غير محكومة والأسد قادر على الصمود الى أجل غير مسمّى وايران وحزب الله والميليشيات العراقية تعزز وجودها أكثر "، ومن ناحية أخرى .. في في جلسة مجلس الشيوخ لتعيين مرشح ادارة أوباما لادارة سياسات العمليات الخاصة في البنتاجون الشيوخ هذا الشهر، سُئل اذا ما كان برنامج تدريب القوات الخاصة المدار من قبل الـ CIA في الأردن قادراً على تغيير موازين القوى في سوريا فقال : لا .