يتفق جميع المنظرين رغم اختلاف التعاريف على كون ثورات الشعوب متى أتت فهي تأتي استجابة لحاجة ما قد تلبيها كليًا أو جزئيًا، وقد تُفضي لعكس المُنتظر منها باعتبار أن الارتجاجات التي تُحدثها تفتح الباب أمام كل الفرضيات الممكنة، غثها وسمينها.

والثورة التونسية، فاتحة موجة الربيع العربي، لم تشُذ عن هذا الإجماع، إذ انبنت أساسًا على حاجة اقتصادية وهي مطالب التشغيل والعدل بين الجهات، وعلى حاجة سياسية وهي الحرية والكرامة.

اليوم، ورغم أن بعض النظريات لا تعرف الثورة على كونها لحظة تاريخية وإنما تُقدمها على أنها سيرورة  تنطلق مع الحدث القادح وتنتهي بتاريخ تحقيق أهدافها، وبعد مضي أكثر من أربع سنوات على تغيير رأس النظام، يمكن أن نلحظ التأثيرات الأولية لهذا الحراك الاجتماعي وانعكاساتها المباشرة على أكثر من صعيد، وقد يكون أهم الأصعدة ما يتعلق بالإنسان ذاته، فهو وقود الثورة وغايتها، تنطلق منه وتنتهي إليه.

الطبقة الوسطى في النسيج الاجتماعي التونسي

تشير بعض الدراسات الديموغرافية المختلفة إلى أن تونس تحتل المرتبة الأولى أفريقيًا من حيث نسبة الطبقة الوسطى التي تمثل 50 بالمائة، والطبقة الوُسطى تقنيًا هي مفهوم سياسي قبل أن يكون اقتصادي باعتبارها الوسيط بين رأس المال والعمل، وتتكون من جماعتين الأولى تتمثل في التجار وأصحاب الشركات الصغيرة والذين لا يؤهلهم دخلهم للانضمام لذوي النفوذ والجاه في الحياة السياسية، أما الثانية فهي الجماعات المختلفة من مهنيين مختلفين وخاصة من الموظفين.

ويعتبر بعض الخبراء أن الطبقة الوسطى محرك أساسي للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وقد تطورت منذ السبعينات حتى أنها وصلت في بعض الفترات إلى نسبة عالية قدرت ما بين 75 و80%، وساهمت الثورة والحراك الذي أنتجته في إدخال تغييرات في شكل الهرم السكاني اجتماعيًا، وأساسًا منطقة الوسط، إذ ساهم مناخ الحرية في بروز طبقة جديدة من رجال الأعمال كانوا بالأمس ضمن النصف الأعلى للطبقة الوسطى، كما أدى تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع المعيشة وتدهور القوة الشرائية في التحاق نسبة كبيرة من النصف الآخر بالطبقة الفقيرة أو المهددة بالفقر.

ويعود تلاشي وتآكل هذه الطبقة الأساسية في المجتمع التونسي لعديد من الأسباب لعل أهمها ارتفاع نسب التضخم التي باتت تلقي بظلالها على مستوى المعيشة، بالإضافة إلى تدهور النظام التعليمي وعدم التوازن في توزيع الدخل وتزايد الضغوط من جهة التداين الأسري.

ويعتبر أكاديميو علم النفس الاجتماعي أن توازن المجتمع يرتبط كثيرًا بالطبقة الوسطى لأنها منزلة بين منزلتين في التعريف الاجتماعي وهي تحب العمل وتقبل على التربية والتعليم بشكل متزايد على عكس الطبقات الفقيرة التي تعتبره غير مجدٍ؛ ما يجعل تآكلها تفريط في أهم مفاتيح التوازن الاجتماعي في البلاد.

تزايد نسبة الفقر

ووفق آخر دراسة لمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في تونس، ازدادت  نسبة الفقر خلال السنوات الأربع الماضية بنحو 30%، بعدما اختفت بعض شرائح الطبقة الوسطى، بسبب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد وارتفاع الأسعار.

وشملت الدراسة 5300 عينة، لتخلُص إلى أن الفقراء الجدد يمثلون نحو 30% من إجمالي عدد الفقراء في البلاد، الذين يقدّرون بنحو مليونين من أصل عشرة ملايين (مجمل عدد سكان البلاد)، وتُعرّف الدراسة الفقراء الجدد بـ"صغار الموظفين في الإدارات الرسمية والأساتذة في المدارس الابتدائية، والعمال والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري 700 دينار في الشهر (نحو 450 دولارًا).

ووفق ذات الدراسة، يتركز الفقر في ولايات الوسط الغربي، حيث يعيش 29.4% من السكان تحت خط الفقر، تليها ولايات الجنوب الغربي بنسبة 14.7%، ثم مناطق الجنوب الشرقي بنسبة 11.4%، ومناطق الشمال الغربي بنسبة 11.1%، في حين تبلغ نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر الأعلى في ولايات الشمال الشرقي 9.%.

محمد علي: موظف يحكي قصته مع الثورة

أثناء زيارة فريق نون لمدينة تطاوين في أقصى الجنوب التونسي (531 كيلومترًا عن العاصمة تونس)، التقينا بالسيد محمد علي، وهو موظف عمومي أربعيني، جالسناه في مقهى شعبي مستغلين انفراده بطاولته وقهوته وانفرادهما به؛ سألناه عن الثورة وعن معيشته اليومية فكان لنا معه حديث بسيط في لغته عميق في معانيه.

محمد علي ببشرته السمراء التي ثبتتها شمس الجنوب الوعرة، هو مثال لرب العائلة التقليدي في تونس، بجراية وحيدة باعتبار زوجته لا تعمل، وبكفالته لثلاثة أطفال، بالنسبة له الثورة "فتح رباني" أرجع له بعضًا من الأمان والحرية واحترام الذات بعد أن كان كل تونسي حتى وقت قريب يخشى أذن الجدران.

ورغم تثمينه لمكسب الحرية، اشتكى جليسنا من تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، خاصة وهو الذي كان يُمنّي النّفس بأن غروب "قطاع الطرق"، نسبة لأصهار الرئيس المخلوع بن علي، سيُؤدّي لاسترجاع الأموال المنهوبة من خزينة الدولة والتي سيصله منها ريعها ولو بعد حين، فحتى الزيادات في الأجور كانت "بمثابة ذر للرماد في العيون باعتبار أن الدولة تعطيك فلسًا باليمنى وتأخذ منك عشرة باليسرى، حسب توصيفه.

زكرياء: رجل أعمال شاب فتحت له الثورة أبوابًا مغلقة

بالنسبة لزكرياء، وهو مستثمر شاب من قراء نون الأوفياء والذي كان دليلنا في زيارتنا لتطاوين، فللثورة فضل في فتح الآفاق وفي إشعال شموع الأمل.

زكرياء اليوم وهو الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره والمنحدر من عائلة تنتمي للطبقة الوُسطى يريد أن يتميز في أكثر من مجال، وبعد تجارب متنوعة كموظف في شركات محلية وأجنبية خاصة، قرر أن يخوض تجربته الخاصة من خلال العمل لحسابه، ويعتبر أن الثورة خلقت نوعًا من العدل المفقود في النظام السابق لأن الفساد عدو الاستثمار، فأصهار بن علي ما كانوا يفوتون مشروعًا ناجحًا دون فرض إتاواتهم العائلية عليه غصبًا وباستعمال سطوة الدولة جورًا.

زكرياء نموذج من مجموعة كبيرة من الطاقات والكفاءات التونسية التي ورغم الصعوبات الإدارية والهيكلية للبلاد والتي لم تُذلّل بعد، شجعتهم الثورة من أجل تفعيل الطموح لديهم، وهو ما أثبتته آخر الدراسات التي تحدثت عن ارتفاع عدد المليونيرات والمليارديرات بعد الثورة؛ بحسب مؤسسة New World Wealth في تقريرها الصادر منذ سنتين يوجد في تونس 6500 مليونير و70 مليارديرًا.

لم تولد الطبقة الوسطى في تونس كنتيجة طبيعيّة للتنظيم الاقتصادي للمجتمع، بل تكوّنت في إطار هندسة اجتماعية لعب فيها القرار السياسي دورًا أساسيًا، إذ دفع توجه البلاد نحو الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات النظام البورقيبي إلى التفكير في بناء قاعدة اجتماعية يرتكز عليها تكون قادرة على منحه نوعًا من الاستقرار، خصوصًا بعد فشل "تجربة التعاضد" في نهاية الستينيات وكان بناء هذه الطبقة ضروريًا لتمكين الصناعة المحلية حديثة العهد من سوق داخلية تتيح لها تسويق إنتاجها.

واليوم، تونس ليست أحسن حالاً وتبدو الحاجة لتثبيت الطبقة الوسطى ضرورية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي، فرغم تشجيع الشباب على الاستثمار، تتمحور أغلب الأنشطة حول الخدمات ذات القيمة المضافة المحدودة التي لا تنفع في سياق البناء الاقتصادي.

إثقال كاهل الطبقة الوسطى قد يكون حلاً سهلاً على الورق لكنه قد يفضي لتحركات اجتماعية عنيفة تعيد البلاد إلى نقطة الصفر، وهو ما يطرح بقوة ضرورة مضي الساسة لعمق المسألة وفتح ملف العدالة الجبائية بجدية، الأمر الذي قد يعدل في عديد الموازنات متى توفرت الجرأة اللازمة.