أصبح العالم كالكرة المشتعلة التي تحرق الأخضر واليابس، مازلنا لم ندرك حجم الأزمات السابقة، حتى نستيقظ على أزمات أخرى، فبعد أن احتلت أزمة اليونان الصحف والعناوين الإخبارية والتنبؤ بمشكلة اقتصادية جديدة، الآن يضرب التنين الصيني الاقتصاد العالمي، وسط مخاوف من أن يمر على العالم أزمة مالية عالمية جديدة.

فقد حذر جيريمي وارنر في تقرير له في "التلغراف" من أن ما يجري في الصين في الأشهر الأخيرة يشبه مقدمات الكساد الكبير الذي شهده العالم في نهاية عشرينيات القرن الماضي.

ولكن ما الذي يحدث في الصين؟

أرادت الحكومة الصينية منذ أكثر من عام أن تحقق معدلات نمو اقتصادية، فشجعّت السلطات، المؤسسات الخاصة المرتبطة بالتكنولوجيا والابتكار على تمويل سوق الأوراق المالية، فتدفّق صغار المستثمرين على هذه الأسهم دون القلق حقًا من القوة المالية والصناعية لهذه المؤسسات؛ ممّا خلق فقاعة سعرية مماثلة لما حدث على أسهم شركات الإنترنت في الولايات المتحدة في عام 2000.

ما زاد الأمر سوءًا أن الحكومة قد سمحت بشراء الأسهم بأموال مقترضة وممارسة "التداول بالهامش" مما زاد من المبالغ المعنية في الأسواق وسرع من ظاهرة الارتفاع في مرحلة الصعود حتّى كسر الثقة في منتصف يونيو وتسارع السقوط في الاتجاه المعاكس.

فبعد أن حقق مؤشر "شغنهاي المركب" ارتفاع تاريخي أكثر من 60% في بداية العام انخفض المؤشر أكثر من 30% خلال أقل من شهر منذ منتصف مايو الماضي تكبد فيها المؤشر خسائر تجاوزت 3 تريليونات؛ مما أدى إلى تدخل الحكومة سريعًا لوقف نزيف الخسائر.

ما هي الإجراءات التي قامت بها الحكومة الصينية؟

سارع بنك الشعب الصيني إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لوقف نزيف الخسائر، حيث قام بتخفيض معدلات الفائدة للمرة الرابعة منذ فبراير الماضي لتصل إلى 4.85% وتقليص الاحتياطي النقدي للبنوك التجارية، بالإضافة إلى وقف عمليات الطروحات الأولية لأسهم الشركات "الاكتتابات"، وكانت آخر الإجراءات التي قام بها البنك ضخُ نحو 50 مليارَ يوان في الأسواق المالية لتعويض عمليات البيع، بالاضافة إلى ضخ آخر بنحو 35 مليار يوان الأسبوع  القادم.

ولعل هذه الإجراءات التي اتخذها بنك الشعب في أسواق المال الصينية لم تحدث على مدار تاريخة جملة واحدة هكذا مما يشير إلى خطر حقيقي.

ولكن ما تأثير ذلك على المستوى المحلى والعالمى ؟

ترجع أهمية الصين بكونها العملاق الاقتصادي وأكبر مصدر في العالم ومتحكم في أسعار بعض المواد الأولية وهذا سيؤدى بدوره إلى حدوث اختلال في ميزان مدفوعاتها؛ فخسارة سوق الأسهم ستؤدي إلى تقليل المتوقع من أرباح الشركات وعزوف المستثمرين، صغار كانوا أو مؤسسات كبار، مما يؤدي إلى نقص الدخل والتأثير على الاستهلاك والاستثمار، وكون الصين هي أكبر مصدر في العالم فيمكننا أن نرى عجز الصين عن تلبية احتياجات السوق العالمي.  

فقدان الثقة في قدرة الحكومة على تنظيم النشاط الاقتصادي والمالي وسيخسر القائد الجديد للحزب الشيوعي الصيني شي جين بينغ الكثير إذا ما فقدت الثقة وسيخسر نموذج الحكم والاقتصاد الذي وضعه دنغ فعليته في إدارة الصين، ناهيك عن تحويله في اتجاه جديد.

أما على المستوى العالمي

بالتأكيد ستتعرض هونغ كونج إلى أزمة لأن السوقين لديهما قنوات نقل مباشرة؛ حيث يسمح للمؤسسات المالية في هونج كونج بالتوسط لشراء أسهم في شنغهاي، وأيضًا لأن العديد من الشركات الصينية مدرجة هناك، وستكون أسواق طوكيو وسنغافورة أقل تأثرًا حيث إنها لم تدرج الكثير من الشركات الصينة كما أنها تعد من الأسواق المنظمة جيدًا.

وستتأثر أسعار المواد الأولية وحجم الواردات الصينية، ولكن لحسن حظ الاقتصاد العالمي، لم تفتح أسواق الأسهم في شنغهاي وشنتشن على نطاق واسع للمستثمرين الأجانب وبالتالي لا يمكن أن يكون لها أي تأثير مماثل لانهيار بورصة نيويورك أو لندن حتى وإن كانت المبالغ المعنية التي شهدناها في الأسابيع الأخيرة مذهلة ولكن الأمر يتعلق بأموال موجودة ومستثمرة من قِبل جهات صينية.

ولكن هذا يجعل احتمالية حدوث هزة كبيرة في القطاع المالي في العالم كبيرة جدًا وخصوصًا عندما تفتح الصين أسواقها للعالم في ظل هروب كبار المستثمرين من الأسواق الناشئة والاتجاه إلى السوق الأمريكية التي تعاني أيضًا من مشكلة بسبب شركات الطاقة وانخفاض أسعار البترول.

مازالت الأزمة في البداية ومازالت الحكومة تحاول السيطرة عليها، هل تستطيع أن تتحرك الأزمة كي يضرب التنين الصيني الاقتصاد العالمي؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.