في 1940، أي قبل عام واحد من الهجوم الياباني على بيرل هاربر وقرار الولايات المتحدة دخول الحرب العالمية الثانية، كانت البحرية الأمريكية قد بدأت في التفكير عما ستبدو عليه الحرب المحتملة مع الألمان.

قيادات البحرية كانوا قلقين تحديدا تجاه بعض قطع البحرية الألمانية التي أثبتت قدرة عالية في المعارك، حيث أن من المستحيل إيجادها بواسطة الرادارات العادية، كما أنه من الصعب إغراقها. وفي هذا الوضع الحرج، توجه وزير البحرية الأمريكية فرانك نوكس إلى بوز، فراي، وآلين هاميلتون، الشركة التي تتخذ من شيكاغو مقرا لها، والتي تُعد شركة جود يير للإطارات هي أشهر عملائها.
الشركة كانت قد استطاعت بالفعل صياغة أسلوب إستشارات جديد، ونشرت عددا من خريجي الجامعات المرموقة كمحللين لعملائها من الشركات الكبرى. وبالتعاون مع البحرية، استطاعت الشركة أن تطور حساسات لرصد الزوارق الألمانية التي أقلقت الأمريكيين، بل وتصميم خطة هجوم لصدها. بمعاونة المتخصصين في الشركة، وبنهاية الحرب، استطاع الحلفاء أن يُغرقوا معظم الغواصات الألمانية.

 ذلك المشروع كان بداية لتعاون طويل الأمد، استمر طوال الحرب الباردة، وحتى الآن. الشركة التي تُعرف الآن باسم "بوز آلين هاملتون" ركزت عملها أكثر وأكثر على العمل مع الحكومة الأمريكية. 
في ٢٠٠٨ انقسمت الشركة لتخرج منها شركة استشارات تجارية "بوز آند كو"،حيث صارت الشركة الرئيسية متعاقدا خالصا للحكومة وللاستخبارات المركزية الأمريكية.

مع نهاية مارس ٢٠١٣، وفي نهاية العام العاملي، تجاوزت أرباح الشركة ٥.٧ مليار دولار، لتصبح أكبر "شركات التجسس" دخلا في العالم، الشركة التي صُنفت على أنها من أفضل الشركات للعمل بها في ٢٠١١ بواسطة سي ان ان، أكثر من ٩٩٪ من أرباحها كانت عبر تعاقدات مع الحكومة الأمريكية، بما يقارب ٢١٩ مليون دولار أرباح صافية.  ربع هذا الربح على الأقل جاء من وكالات الاستخبارات الأمريكية.
في التاسع من يونيو من العام الجاري، قام متخصص الكمبيوتر في بوز آلين هاميلتون، البالغ من العمر ٢٩ عاما، إدوارد سنودن بكشف نفسه ليصبح أحد أهم مصادر المعلومات لعدد من التقارير الصحفية التي فضحت مدى تدخل وكالة الأمن القومي في الرقابة على الانترنت والهواتف.

الشركة التي كانت تعمل في الظلام على مدار العقود الماضية، ظهرت للعلن، وفي اليوم التالي لتسريبات سنودن، هبط سهم الشركة أربع نقاط ولم يتعاف حتى الآن.
 
لكي ندرك مدى تدخل بوز آلن في صناعة القرار الأمريكي، من المهم معرفة أن مدير الاستخبارات القومية، جيمس كلابر، مستشار أوباما الأعلى للاستخبارات، هو المدير التنفيذي السابق لبوز آلن. ناءب رئيس الشركة مايك ماكونيل، كان رئيس الاستخبارات القومية في عهد جورج بوش الابن، وقبل ذلك مدير وكالة الأمن القومي.

من بين ٢٥ ألف موظف يعملون في بوز آلين، أكثر من ثلاثة أرباعهم يمتلكون صلاحيات الاطلاع على بيانات سرية، وأكثر من نصف هؤلاء لديهم صلاحيات بالاطلاع على معلومات بالغة السرية، ضمن أعلى تصنيفات السرية. في ٢٠٠٣، تحدث نائب رئيس الاستخبارات المركزية السابق جون ديمبسي عن بوز آلن قائلا إنها "وكالة استخبارات الظل".

العجيب أنه على الرغم من ذلك السجل الحافل بالعمل لصالح الولايات المتحدة كشركة وطنية أمريكية، تفيد تقارير حديثة نسبيا، وفي بعض الأحيان تقارير عمرها سنوات، بأن دولا ومؤسسات عربية عدة تعاقدت مع بوز آلن هاملتون لـ"حماية بياناتها".

ففي ١٨ سبتمبر ٢٠٠٣، وبعد خمسة أشهر فقط من بدء حرب العراق التي شنتها الولايات المتحدة، والتي كان لبوز آلن دورا ضخما فيها بطبيعة الحال، وقع "عمرو موسى"، الأمين العام للجامعة العربية في ذلك الوقت، عقدا لتطوير جامعة الدول العربية مع بوز آلين!

فقد كشفت وثائق من محاضر اجتماعات الجامعة العربية، أن مجلس الجامعة وافق على التعاقد مع مركز أبحاث بوز آلن هاملتون لتطوير الجامعة، حيث حضر وفد من كبار مسئولى بوز آلن هاملتون للجامعة العربية فى زيارة سرية لم يعلن عنها، ووقع معهم "موسى" عقد تطوير جامعة الدول العربية، وقد نُصّ في العقد المكتوب في صفحتين على أن يحصل بوز آلن هاملتون على 204 آلاف دولار.
فتح السيد عمرو موسى خزائن الجامعة العربية لشركة الجاسوسية الأكبر والأوثق علاقة بالمخابرات الأمريكية، مقابل ٢٠٤ ألف دولار، يدفعها هو!
وبعد ستة أشهر، عرضت بوز آلن هاملتون تقريرها النهائي ممهورا بعبارة "سري للغاية" إلا أن التقرير تم تسريبه ونشرته جريدة الشرق الأوسط على ثلاث حلقات في مايو ٢٠٠٤.

جامعة الدول العربية كانت الأولى بالنسبة لدول عربية أخرى، ففي مايو الماضي ، وقبل قرابة عشرة أيام من تسريبات إدوارد سنودن، أعلنت الحكومة الكويتية تسليم مقاليدها لشركة بوز آلن هاميلتون. حيث أعلنت الشركة عن تعاقدها في شراكة مع الكويت لتدعيم قدرات الكويت في التأمين على الإنترنت!

الشركة قالت في بيانها أنها ستدعم تأمين المعلومات في قطاعات كويتية حيوية مثل الطاقة، والخدمات البنكية والمالية، الصحة، الاتصالات ومشاريع البنية التحتية الرئيسية مثل النقل والمواصلات.

التعاقد مع الكويت سبقه تعاقد مع حكومة قطر لتوفير خدمات مشابهة، فضلا عن التعاون الوثيق مع الحكومة الإماراتية حيث تتخذ بوز آلن هاملتون من أبو ظبي مقرا رئيسيا لها في الشرق الأوسط تخدم به عملاءها المنتشرين في العالم العربي وشمال إفريقيا.

الحكومة السعودية كذلك سبقت الكويت، فالأمير عبدالله بن بندر بن عبدالعزيز، رئيس "البلاد للاستشارات"، هو شريك بوز آلن في المملكة العربية السعودية، حيث يستضيف بعض اللقاءات في قصره الخاص والتي تجمع قيادات السعودية بمدراء بوز آلن.
على موقع الشركة الإلكتروني، يمكنك معرفة أن الشركة تعمل كذلك مع حكومات مصر وعُمان ولبنان، حيث تعرض الشركة خدماتها بفخر لجذب مزيد من العملاء في المنطقة التي تبدو متشوقة للعمل جنبا إلى جنب مع الاستخبارات الأمريكية لحماية بياناتهم.