عبد الفتاح السيسي

لو عدنا للوراء قليلاً، وشاهدنا تسجيلات وحملات الدعاية التي قام أنصار الجنرال خلالها بتسويق الدستور الذي دشنوه، سنجد كيف كانوا يبشرون الشعب بأعظم دستور في تاريخ مصر بل والعالم، وأنه لم يأت غيره بمثل هذه الحقوق والحريات والمؤسسية والاستجابة لطموحات ثورتين، خلافًا لـ "دستور الإخوان" الذي يحوي كل الشرور.

ثم كان لهم ما أرادوا، وقاموا بتمرير الدستور الذي يفخرون بنسبة تصويته العالية، والتي جاءت في جانب منها نتيجة ضعف المشاركة من ناحية وأن من ذهب هم المؤيدون، وتحت تأثير آلة الدعاية وحالة الاستقطاب، والنظر إليه أنه اللبنة الأولى في تثبيت أولى دعائم أركان النظام القديم الجديد وصورة مصر أمام العالم الذي لم يحسم قطاع كبير منه، وقتها، موقفه من جدلية "ثورة 30 يونيو" و"الانقلاب العسكري".

غير أنه بمجرد خروج الجنرال السيسي من وراء الستار كحاكم فعلي مع بقية جنرالات المجلس العسكري منذ 3 يوليو 2013، وتولي السلطة بشكل مباشر ومعلن، تغيرت النغمة، وبات ثمة حملة دعائية ممنهجة تعمد إلى تعبئة الرأى العام ضد الدستور، والإصرار على أنه يجب تغييره لتفادي ما به من عوار وأهواء قام بها أصحاب الأجندات الذين كانوا بالأمس وطنين مخلصين وشركاء ثورة 30 يونيو.

وتزداد وتيرة كيل الاتهامات للدستور وتشويهه هذه الفترة، من قِبل شخصيات عليها ألف علامة استفهام ومن دائرة الجنرال، ما يعني ببساطة أنها لا تتصرف من عندها أو تطوعًا، خاصة أن ثمة خطابًا موحدًا، ورغم أن الدستور دون المستوى الذي يضمن دولة مدنية ديمقراطية حديثة تترسخ فيها مبادئ دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، وكُتب بأهواء الجنرال ورجاله ولصالحهم مثلما فعل الإخوان تمامًا، مع مجموعة من الشعارات عن الحرية والعدل الاجتماعي تتناقض مع الأساس الاستبدادي داخله.

وبات "أعظم دستور" وهو ذات وصف الإخوان لدستورهم، يُوصف أنه "معرقل للإنجازات ويهدد الاستقرار، ويقيد صلاحيات الرئيس الذي نثق فيه وحده، وأنه غير واقعي بتخصيص نسب في الموازنة للتعليم والصحة ورعاية الفلاح".

هذه الأصوات التى تتعالى في وسائل الإعلام الموجهة الحكومية والخاصة ليست إلا صدى لرغبات الجنرال الذي لم يخف في تصريحاته الأخيرة ضيقه بالدستور، ووصفه بأنه طموح أكثر من اللازم، وكُتب بنوايا حسنة ، أي أنه غير مناسب وغير واقعي، فيما سبق ووصف عبد الله السناوي أحد الكتاب الموالين له والمقربين منه هذه المرحلة بأنها تشهد وضعًا لا دستوريًا وتجميدًا للدستور وخروجًا عليه، وهو تعبير دقيق عن واقع الحال في مصر في هذه الحقبة السوداء.

وهذا الموقف له ما يبرر، حيث غسيل الأدمغة للجماهير للقبول بما لا يجب قبوله وبجريمة العبث في دستور على سوءاته لم يطبق أصلاً، والذي يصح وصفه بـ "الاستبدادي العسكري" بما يحويه من جرائم في حق الوطن والمواطن.

حيث حانت ساعة الحقيقة وكشف الأقنعة، مع الاقتراب من استحقاق الانتخابات البرلمانية التى جرى تأجيلها كثيرًا، حتى يتم تهيئة الأجواء لسيطرة الجنرال على مفاصل الدولة، بما يسهل له عملية توجيه مسار البلاد، وكل المؤسسات بما فيها البرلمان، وتحديد من يجب أن يدخل ويكون في زمرة الموالين، ومن ينبغي أن نسمح له بمعارضة من داخل النظام كما كان الحال طوال الوقت، مع استمرار جدلية الاستقطاب والصراع بين المدني والديني، بين "الثوري" و"الفلول"، وتحديد أولويات عمل البرلمان الغائب منذ حوالي 4 سنوات، وجعل أجندته يتصدرها تعديل الدستور، وليس مراجعة ورفض قرارات الجنرال التي صنع منها قوانين في غفلة من الزمن تنحاز ضد حقوق وحريات المصريين.

ولاشك أن كل تفصيلة في مواقف وخطاب وتصرفات الجنرال تؤكد أنه ابن نظام السادات/ مبارك المخلص، ووريث هذه التركة "الفساد، الاستبداد والتبعية"، حتى في التوجه لتعديل الدستور لتكريس سلطاته أكثر، ورفض أي وصاية أو رقابة أو مشاركة في الحكم، ولو صورية وعلى الورق، ومسايرة طموحه هو ورغباته، وليس ما يخص جموع الشعب أو غالبيتهم، رغم أن الدستور ليس مثاليًا، ووضعته لجنة موالية للسلطة العسكرية الحاكمة، ويمكن تأويل كثير من مواده بما يخدم النظام الاستبدادي ويكرس امتيازات وصلاحيات للمؤسسة العسكرية واسعة غير موجودة في أي مكان في العالم، ويؤمن العصف بالمعارضين وتحويلهم لمحاكمات عسكرية، مع عدم توجه واضح منحاز ضد اللصوص والمفسدين والرأسمالية المستغلة الجشعة، كما أن الواقع السلطوي الاستبدادي وميراث أو ثقافة الفرعون المسيطرة على الشعب أكثر من الحاكم أقوى، وتجعل أي مواد دستورية بلا قيمة وحبر على ورق، وحتى القانون إن لم يكن على الهوى ويحقق أهداف السلطة وشبكات المصالح يتم تعديله فورًا أو إصدار قانون جديد، حتى لو لم يتماش مع الدستور.

ونعود ونؤكد أن الدستور قوته وقيمته تنبع من احترامه؛ فالدستور بدون قوة وإرادة شعبية تحميه وتجعله المرجعية الوحيدة والملزمة للجميع كبيرًا كان أم صغيرًا، مجرد شعارات جوفاء وطموحات لشعب يتذمر بالليل، ويشكو سوء حاله، ويسبح بحمد الحاكم في الصباح وينتظر الجلاد أن يكون قاضيًا عادلاً ينصفه.