يعتبر شهر أكتوبر في الأوساط الطبية والصحية مناسبة هامة لجلب الأنظار نحو أكثر أنواع السرطان شيوعًا عند النساء في العالم: سرطان الثدي، حيث يطلق على هذا الشهر شهر أكتوبر الوردي وتقام فيه العديد من الفعاليات والندوات العلمية والحملات التوعوية لنشر ثقافة الكشف المبكر ودفع السلطات لوضع برامج وقاية وعلاج ناجعة.

على مستوى العالم تصاب 1 من 8 نساء بسرطان الثدي في مرحلة ما من مراحل حياتها ويُسجل سنويًا أكثر من 2 مليون إصابة جديدة كما يُسجل أكثر من نصف مليون حالة وفاة أي بمعدل 1400 حالة يوميًا، وتتصدر الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول بأعلى معدل حالات إصابة بمرض السرطان في العالم بمعدل أكثر من 120 إصابة لكل 100 ألف ساكن وأكثر من 40 ألف حالة وفاة بهذا المرض سنويًا (إحصائيات الجمعية الأمريكية لمرض السرطان).

سرطان الثدي في العالم العربي

رغم أن العالم العربي يسجل معدلات إصابة أقل من المعدلات العالمية وخاصة أوروبا وأمريكا إلا أن الإصابة بهذا السرطان في هذه المنطقة تتميز بخصائص عديدة، معدل سن كشف الإصابة بسرطان الثدي في العالم العربي أقل بعشر سنوات من النساء في بقية دول العالم؛ حيث يبلغ هذا المعدل 45 سنة في مجموع الدول العربية (بحث للدكتور هشام النجار جامعة تورنتو –كندا) فيما يبلغ المعدل العالمي 55 سنة، تسجل كذلك بلدان العالم العربي معدل مرتفع للإصابات بسرطان الثدي تحت سن الخمسين فأكثر من67% من الإصابات يتم تشخيصها قبل سن الـ 50 في البحرين فيما تبلغ هذه النسبة 78% في المملكة العربية السعودية.

عدد الإصابات الجديدة بسرطان الثدي بالنسبة لكل 100 ألف ساكن،يطغى على العالم العربي اللون الأزرق والأخضر بين (22 و50 إصابة سنويًا لكل 100 ألف ساكن) فيما يسيطر اللون الوردي والبرتقالي على أوروبا وأمريكيا الشمالية وأستراليا (أكثر من 75 إصابة لكل 100 ألف ساكن) المصدر: (الوكالة الدولية لبحوث السرطان، 2010)

خاصية أخرى لهذا السرطان في العالم العربي هو حجم السرطان ومدى تقدم المرض عند اكتشافه حيث نسجل نسبًا مرتفعة لتشخيص المرض في مراحل متقدمة يكون فيها الورم قد ازداد حجمًا أو الأخطر قد انتقل إلى أماكن أخرى في الجسم وهو ما يضعف نسب النجاة بشكل كبير؛ حيث تبلغ هذه النسب 27% عند اكتشاف المرض في مراحل متقدمة في مقابل أكثر من 98% عند اكتشافه في مراحله الأولى، وتعود أسباب هذه الظاهرة أساسًا إلى ضعف الخدمات الصحية في عديد من البلدان العربية وافتقار هذه البلدان لمخططات وإستراتيجيات وطنية للكشف المبكر عن سرطان الثدي كما يلعب الجانب الثقافي والاجتماعي دورًا مهمًا؛ فالعديد من النساء العربيات تجدن صعوبة في الحديث والتطرق لهذا المرض لكونه يصيب منطقة حساسة في جسم الإنسان.

 الكشف المبكر والعلاج

تمثل العوامل الهرمونية (أساسا بدء الدورة الشهرية في سن مبكرة وانقطاع الدورة الشهرية في سن متأخرة) إضافة إلى العوامل الوراثية (الإصابات السابقة في العائلة) أهم عوامل الخطر التي يجب الانتباه اليها وأخذها بعين الاعتبار عند تركيز سياسات عامة للكشف المبكر عن سرطان الثدي، هذا الكشف يكون عن طريق تصوير الثدي الشعاعي وهو أسلوب الفحص الوحيد الذي أثبت فعاليته وكفيل نحو 30% من معدلات الوفيات الناجمة عن سرطان الثدي لدى النساء اللاتي تجاوزن سن الخمسين (الوكالة الدولية لبحوث السرطان، 2008)، هذا الفحص المبكر يجب أن تخضع له كل النساء بعد سن الأربعين (35 سنة بالنسبة لمن لديها إصابات سابقة في العائلة) ويعاد هذا الفحص كل سنة (توصيات الجمعية الأمريكية لمرض السرطان).

بالطبع يبقى العائق الأساسي أمام حصول النساء في العالم العربي على هذا الفحص وهي التكلفة الباهظة وغياب تغطية اجتماعية تجعل الدولة تتحمل جزءًا من قيمة هذا الفحص الطبي، في المقابل بالطبع لا قيمة للكشف المبكر في ظل انعدام متابعة طبية علاجية تقوم أساسًا على الجراحة والعلاج الكيميائي بالأشعة وهو ما يشكل عائقًا آخر أمام المريضات بهذا الورم في العالم العربي فمدة الانتظار الطويلة لتلقي العلاجي وغياب المعلومة والتواصل الضعيف بين المريض والطاقم الطبي يجعل المريضة تمر بتجربة علاجية ونفسية صعبة للغاية.

مسؤولية جماعية

على الدول العربية عدم ترك النساء بمفردهن في صراعهن مع هذا الورم؛ فعلى مستوى السياسات العامة والخطط الصحية يجب على الحكومات وضع إستراتيجيات وطنية تقوم على تغطية جزء من نفقات الفحص المبكر إضافة إلى إنشاء مراكز علاجية تهتم بجميع جوانب المرض من جراحة ومرحلة ما بعد الجراحة والإعلام، كما تمثل الإحاطة النفسية بالمرضى جزءًا هامًا من سيرة العلاج والتعافي مما يستوجب توفير أخصائيين في هذا المجال وتدريب كامل الطاقم الطبي على طرق وأساليب التعامل مع المرضى عند الكشف وعند العلاج وبعد مرحلة العلاج، كما يمكن للمجتمع المدني أن يلعب دورًا أساسيًا في مقاومة هذا المرض وذلك عن طريق القيام بحملات توعوية للعموم للتعريف بالمرض والتشجيع على الفحص المبكر وأيضًا عن طريق الضغط على السلطات للمزيد من تطوير المنظومة الصحية حتى تقدم خدمات تحفظ للمواطن العربي حقه في الحياة وكرامته.