تقول الأعراف الدبلوماسية عادة بأنه لا ينبغي إجراء زيارات رسمية لأي بلد قبيل انتخابات رئاسية أو برلمانية، وذلك لعدم الظهور بمظهر الداعم للطرف الموجود في السلطة، غير أن المستشارة الألمانية أنغلا ميركل، والتي تعاني الآن من مأزق استقبال اللاجئين في بلدها بشكل لم تعد معه ألمانيا قادرة على استيعابهم، تبدو في حاجة ماسة إلى مساعدة الأتراك في كبح حركة اللاجئين بشكل دفعها لزيارة إسطنبول قبل الانتخابات العامة التركية المبكرة والحساسة بأسبوعين.

لم تلق ميركل فقط بالأعراف الدبلوماسية عرض الحائط، بل وأثارت دهشة كل من يعرف العلاقة المتوترة بينها وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي ابتعد كثيرًا عن قيم الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة بعد أن كان يسير في السابق على منهاج الانضمام لأوروبا المعروف بمعايير كوبنهاجن بحذافيره، بيد أن أردوغان حين التزم بمعايير أوروبا في الماضي لم يجد من ميركل سوى ترحيبًا باردًا وتحفظًا على عضوية بلاده بالاتحاد الأوروبي، في حين تأتيه ميركل بنفسها اليوم بينما تنهال عليه الانتقادات من أنصار الديمقراطية وحقوق الإنسان لتعطيه عرضًا أوروبيًا غير مسبوق.

ميركل في حاجة ماسة لأردوغان إذن، وهي فرصة لن يفوتها الأخير وسينتزع منها من موقعه الجديد الأكثر قوة ما لم يستطع أن يحصل عليه في الماضي حين كان أكثر قربًا من الأوروبيين، لتثبت السياسة مرة أخرى أن التباهي بأرصدة الديمقراطية والحريات لا يساوي شيئًا في العلاقات الدولية المحكومة بالمصالح فقط ليس إلا، وهو ما يعني أن أوروبا ستبتلع نزعة أردوغان الاستبدادية رغمًا عنها مقابل المساعدة التي ستقدمها تركيا في ملف اللاجئين، وهو ما يفسر قدوم ميركل بنفسها لأبواب قصر دولمابغشة العثماني للتفاوض مع أردوغان وداوود أوغلو بالأمس.

ميركل في مأزق

الأمور ليست على ما يُرام في ألمانيا، والتي فتحت أبوابها بلا قيد للاجئين السوريين منذ أسابيع في استعراض لقيمها الإنسانية والليبرالية، غير أن رحابة الألمان وإن كانت لا نهائية، فإن أرضهم وأموالهم وقدرتهم على استضافة اللاجئين من الناحية المادية سيكون لها سقف في نهاية المطاف، وإن كانت ميركل قد حصلت إعلاميًا على الصورة الإنسانية التي أرادتها لنفسها وحزبها من إعلانها استقبال اللاجئين، فإنها الآن تعاني من الشكاوى القادمة من رؤساء الولايات الألمانية الذين يشكون عدم قدرتهم على استيعاب المزيد في بلد تشير الإحصاءات أنه يستقبل حوالي عشرة آلاف يوميًا.

رحابة الألمان أنفسهم ليست بلا نهاية بالطبع، فإن كانت وسائل الإعلام قد بثت لنا صور بعضهم وهم يستقبلون اللاجئين في محطات القطار، إلا أن آخرين منهم في الحقيقة يقومون منذ أشهر باستهداف أماكن إيواء اللاجئين السوريين اعتراضًا على وجودهم في ألمانيا، ومعظمهم في ألمانيا الشرقية حيث تتفشى العنصرية والفاشية بشكل أكبر، وهم من المعادين للسياسات الليبرالية بشكل عام، ولوجود المسلمين في ألمانيا بشكل خاص باعتبارهم خطرًا على مسيحيتها.

تلك النزعة لم تقتصر على ما يبدو على شرق ألمانيا، حيث تلقت هنرييت ريكر، عُمدة مدينة كولونيا، طعنة في رقبتها من أحد الغاضبين من سياساتها المنفتحة على اللاجئين، وهي طعنة لم تمنعها من الفوز في انتخابات عمودية كولونيا بالأمس، ولكنها رفعت الكثير من علامات الاستفهام حيال مدينة تُعرَف بكونها واحدة من الأكثر انفتاحًا على غير الألمان والمهاجرين والطلبة، إذ تقع فيها كاتدرائية كولونيا الكاثوليكية الأقدم في ألمانيا، والتي أطفأت أنوارها احتجاجًا على تظاهرات حركة بيجيدا المعادية للمسلمين في وقت سابق من العام الماضي.

وصول العنف بهذا الشكل لكولونيا القابعة في أقصى الغرب يقول الكثير عن الضغوط التي يشكلها اللاجئون، والتي لا يسع الألمان حتى ولو كانوا كلهم من الليبراليين استقبالهم بلا قيد، وهي معضلة لعل أردوغان كان يدرك عواقبها حين قررت بلاده فتح أبواب الحركة للاجئين نحو أوروبا مؤخرًا نظرًا لعدم قدرة تركيا هي الأخرى على استيعاب أعداد أكبر منهم، وهي التي تأوي مليونين منهم حاليًا، وهي سياسة هدفت بها أنقرة إلى الضغط على القوى الغربية للموافقة على تشكيل منطقة آمنة ومعزولة في شمال سوريا لإعادة توطين اللاجئين فيها، وبالتالي تشكيل نقطة انطلاق آمنة للثوار السوريين، بالإضافة إلى الضغط على أوروبا بشكل خاص للحصول على المزيد من التنازلات فيما يخص العلاقة بين الطرفين.

إن لم يكن سيل اللاجئين كافيًا لإقناع ميركل بضرورة الجلوس مع أردوغان، فإن تدخل روسيا في سوريا، وهي المتواجدة الآن بقوة في شرق أوروبا، كان كفيلًا باتجاهها إلى الأتراك، إذ لا يبدو أن الولايات المتحدة تعير مصالح أوروبا الاهتمام الكافي مؤخرًا بينما تعيد توجيه قبلتها من الأطلنطي إلى الهادي، وإن كانت ألمانيا قد وجهت انتقادات حادة منذ أسابيع لأنقرة على عدولها عن التفاوض مع الأكراد والعودة للحرب كخيار في مواجهة حزب العمال الكردستاني، فإن ميركل قد ألقت كل ذلك خلف ظهرها ببراجماتيتها المعهودة لتنقذ ماء وجهها في الداخل الألماني، وتتوصل مع تركيا ربما لحل لاحتواء التمدد الروسي.

الثمن الغالي للتعاون التركي

ميركل وداوود أوغلو بالأمس في إسطنبول

شروط الأتراك لوقف حركة اللاجئين ليست قليلة بالطبع، فقد أعلن رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو أربع نقاط يتم التفاوض بشأنها كثمن لمساعدة الألمان، أولها تقديم ثلاثة مليارات يورو لتركيا لتستطيع التكفل باستضافة اللاجئين، والذين أنفقت عليهم أكثر من ثمانية مليارات يورو حتى الآن، وثانيها فتح باب مفاوضات عضوية تركيا بالاتحاد الأوروبي في ملفات معينة، وثالثها دعوة القيادات التركية من الآن وصاعدًا إلى القمم السياسية الأوروبية ولو لم تكن عضوًا رسميًا بعد، ورابعها تحرير نظام التأشيرات بين تركيا ومنطقة الشنجن لتسهيل حركة المواطنين الأتراك في بلدان أوروبا.

الطلب الأول منطقي، والثاني والثالث سيعطيان انطباعًا مفاده عودة تركيا لخط المعايير الأوروبية في ملفات بعينها، وهي عودة ستعزز من صورة أردوغان وحزبه نتيجة قبول أوروبا بالتفاوض معهما دون شروط أو تحفظات بالرغم من تراجع رصيد الحقوق والحريات في تركيا في الفترة الأخيرة،  أما الأخير فهو الأكثر أهمية، والذي سيكون مفتاحًا ربما لفوز العدالة والتنمية في الانتخابات، فإذا أعطت برلين الضوء الأخضر لقبول حركة أصحاب الجنسية التركية بدون تأشيرة في منطقة الشنجن فسيكون ذلك انتصارًا طالما حلم به الأتراك، وحتى لو توصل الطرفان لاتفاق يعفي أصحاب المصالح التجارية ورجال الأعمال الأتراك فقط من التأشيرة، فإن ذلك يعني الكثير لبلد عضو في الاتحاد الجمركي الأوروبي، وسيكون خبرًا سارًا لكل أصحاب الأعمال في تركيا.

على هامش المحادثات التركية الألمانية أيضًا كان التعاون العسكري، فعلى الرغم من سحب منظومة بطاريات باتريوت الجوية من تركيا مؤخرًا، والتي قام حلف الناتو بوضعها في وقت سابق لحماية المجال الجوي التركي بعد اندلاع الصراع السوري، تعهدت برلين بتعزيز التعاون في هذا المجال بين البلدين لضمان حماية الأجواء التركية، والتي اخترقتها طائرات الروس عدة مرات في الأيام الأخيرة، كما أعلن الطرفان عن اجتماع بين وزراء الدفاع والاقتصاد الألمان والأتراك في يناير المقبل في برلين لمناقشة تفاصيل كل ما اتفقت عليه ميركل مع داوود أوغلو وأردوغان.

الضغط لأجل المنطقة العازلة والإستراتيجية بشمال سوريا هو أمر قد تساعد فيه أوروبا أيضًا نظرًا لأهميته في حل أزمة اللاجئين بشكل دائم، بدلًاً من وجودهم في تركيا وقابلية أنقرة لاستخدامهم للي عنق أوروبا بين الحين والآخر كما تفعل اليوم، وهو ما أكد عليه داوود أوغلو في المؤتمر الصحافي بالأمس، قائلًا إن حل أزمة اللاجئين لا يمكن دون حل الصراع في سوريا، في نقض لكل من يحاول فصل ذلك الملف باعتباره ملف إنساني عن ملف سوريا السياسي بشكل عام.

أوروبا بحاجة لأردوغان، بحريات أو بدون

بالنسبة لأوروبا، بدا أردوغان مؤخرًا وأنه قد أطلق العنان لنزعاته الاستبدادية وانكب على الكثير من رمزيات إحكام قبضته على الدولة، إذ تتمحور انتقادات الأوروبيين حول خطوات مثل بناء قصر جديد هو أق سراي في أنقرة، أو الرغبة في التحول نحو نظام رئاسي، أو حتى التمسك بدعم قضية رابعة المصرية التي لا ينفك يرفع أصابعه الأربعة من أجلها رغم ما يراه البعض من عدم دبلوماسية في سلوكه كرئيس، أضف لذلك تصريحاته التي يطلقها بين الحين والآخر في الداخل والخارج وتوحي للكثيرين بأن كرسي الرئاسة قد أفقده بعض المنطق والكثير من الديمقراطية.

بيد أن كل ذلك في الواقع قد يكون رسالة مقصودة مفادها أن أردوغان الليبرالي، الذي بنى رصيده كسياسي بإشادة العالم والغرب به في السابق، لم يعد اليوم في حاجة لإشادة أحد، وأن البلد الذي بناه مع حزبه ليصبح قوة اقتصادية وإقليمية بدون عضوية أوروبا، ستفرض نفسها حتى ولو خرجت عن معايير أوروبا، وأنه بينما يمارس سياساته الجديدة اليوم، والتي لا تعجب أحدًا، سيأتيه الأوروبيون بأنفسهم للتعاون معه وتعزيز مصالحهم، كما فعلوا حين دعوه لبروكسل بالفعل منذ أيام.

زيارة ميركل بنفسها لإسطنبول قبل الانتخابات التركية بأسبوعين تقول الكثير في هذا الصدد، وإن كانت ميركل قد رفضت النزول في أنقرة لتفادي ظهورها في قصر أردوغان الأبيض المثير للجدل، فإن أردوغان في تلك اللحظة تحديدًا لم يبال بالرمزيات ووافق على استقبالها في القصر العثماني بإسطنبول، فحين يحرز أردوغان هدفه السياسي والدبلوماسي الذي يريد، لا يبالي بأية رمزيات، فقد أحرز الآن هدفًا غاليًا في مرمى أوروبا باستخدام ورقة اللاجئين رُغم كل الانتقادات التي تطلقها بروكسل بوجهه بين الحين والآخر، وهو هدف لم يكن ليحلم بإحرازه أيام كان "أردوغان الليبرالي."

أوروبا تحتاج لأردوغان، ليبراليًا كان أو مستبدًا كما تريد أن تراه، وما إذا كانت تلك مسألة تُزعج بعض المثاليين أو نقاد السياسة الدولية أم تعجبهم، فإن السجالات النظرية تلك لا تعني أردوغان، والذي يبيت ليلته في قصره سعيدًا هذه الليلة بانتزاع انتصار سياسي من أنغلا ميركل، السياسية الأهم في القارة الأوروبية.