الأسد وخامنائي

نصر جديد لحزب العدالة والتنمية التركي، بعد فوزه بأكثر من نصف المقاعد في البرلمان الجديد إثر انتخابات برلمانية ساخنة واستثنائية في غرة شهر نوفمبر الجاري، حصل فيها الحزب على أكثر من 49% من نسبة الأصوات مكذبًا بذلك معظم استطلاعات الرأي، التي توقعت فشل الحزب في استعادة أغلبيته البرلمانية وعدم تجاوزه نسبة 45%، لكن العدالة والتنمية حصل على ثاني أعلى نتيجة له بعد انتخابات 2011 ليضمن بسهولة أكثر من 300 مقعد في البرلمان الجديد، وبالتالي تشكيل الحكومة منفردًا بعد قيادة أحمد داود أوغلو لحكومة تصريف أعمال ائتلافية مؤقتة مع بعض الشخصيات من الأحزاب المعارضة في شهر أغسطس الماضي.

فبعد حصوله على 41% من الأصوات وعجزه عن الفوز بالأغلبية المطلقة التي تخول له تشكيل الحكومة بمفرده في انتخابات يونيو الماضي، والتي لم تمكنه من تشكيل حكومة ائتلافية مع معارضة تركية ترفض التحالف مع الإسلاميين؛ وهو ما خلق أزمة سياسية دفعت بالرئيس رجب طيب أردوغان إلى دعوة القوى السياسية الكبرى في البلاد إلى انتخابات برلمانية جديدة في خطوة كانت مُنتظرة لإنقاذ البلاد من الانزلاق نحو فتن داخلية.

لم يكن حزب العدالة والتنمية، الذي سخّر كل إمكانياته المادية والبشرية في التحضير لهذه الانتخابات، مطمئنًا أثناء حملته الانتخابية بسبب الأحداث الدامية التي شهدتها تركيا قبل أشهر من بداية الانتخابات والتي خلفت عشرات القتلى والجرحى من المدنيين والعسكريين، أبرزها التفجيرين الانتحاريين في مدينتي أنقرة وسروج الحدودية مع سوريا، واللذين خلفا أكثر من 120 قتيلًا ونحو 300 جريح.

ورغم أن عملية مدينة سروج لم يتبناها تنظيم الدولة رسميًا إلا أنها كانت شرارة كافية لإعلان الحرب عليه، ليتضح مليًا أن الجهة الخفية المنفذة لها مصالح من ورائها، فقد اعتبر "سرحات إركان" الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية التفجير "مؤشرًا لتفاقم الصراع بين المنتمين لجماعات متطرفة مؤيدة لتنظيم الدولة والقاعدة في تركيا وبين أنصار حزب العمال الكردستاني"، واستبعد أن يكون التنظيم قد استهدف تركيا بهذا التفجير بسبب ما يتداول عن إمكانية فتح قاعدة إنجيرليك أمام العمليات العسكرية الأمريكية ضد أهداف للتنظيم بسوريا، "لأنه كان بإمكانه تفجير مؤسسات حكومية تركية أو أهداف أمريكية بتركيا"حسب قوله.

تلك الهجمات الإرهابية الدامية التي قصدت الأكراد بصفة عامة في سوريا لا يُستبعد أن يكون لتنظيم الدولة يد خفية متسببة فيها، خاصة وأن التحقيقات الأولية أثبتت أن منفذي التفجيرين لهما صلة قرابة ويعتبران من أنصار التنظيم، حسب ما صرح به المسؤولون الأتراك، ولكن لظروف خاصة بتنظيم الدولة لم يعلن عن العملية رسميًا مكتفيًا بمراقبة تداعياتها ورسم برامجه المستقبلية على إثرها، كما لا يمكن استبعاد فرضية أن تكون قوى مخابراتية أو كردية ضالعة في هاتين العمليتين للتأثير على الساحة السياسية التركية، وإفشال حزب العدالة والتنمية في انتخابات نوفمبر، وإظهاره عاجزًا عن حماية الأكراد الذين يعانون من مطرقة الحكومة وسندان "الدواعش"، حسب زعمهم.

هذه العمليات وغيرها لم تضعف الرئيس التركي وحزبه بل زادت من ثقة الشعب التركي فيمن اختاره رغم أن سياسة دولته المستقبلية تبدو خطرة بعد الجبهات الجديدة التي فتحها وفُتحت عليهما، والتي تبقى أبرزها الجبهة السورية والكردية والجهادية، وكل طرف من هذه الأطراف المتداخلة من مصلحته أن تدخل تركيا في أزمات داخلية لتترك ملف الحرب السورية وشأنه وتكتفي بمشاكلها الداخلية، ولكن هذه الخطط يبدو أنها لم تنطل على أردوغان؛ الذي أكد خلال كلمته في مطار أسن بوغا بالعاصمة أنقرة قبيل مغادرته إلى الصين أواخر شهر يوليو الماضي على إثر تفجير سروج أن تركيا ستحاسب كل من يتسبب في إراقة دماء مواطنيها قائلاً "إن الدولة التركية قادرة على محاسبة الإرهابيين على دماء شهدائها، كذلك كل من يساعدهم سواء من السياسيين أو المثقفين أو منظمات المجتمع المدني، ولا نية لدينا لأي تراجع في موقفنا هذا".

حزب العدالة والتنمية يسير على حقل من الألغام المتنوعة، منها ألغام خلفها "أتاتورك" لأحفاده، وأخرى جديدة زرعها القوميون والشيوعيون والأكراد وغيرهم من القوى المعارضة، التي ترى في علاقة المعارضة بالسلطة حربًا ضروسًا لا تنتهي إلا بإدخال البلاد في حرب أهلية، ولعل المتأمل في عدد من الحركات الاحتجاجية التي تنظمها المعارضة بين الفينة والأخرى يرى مدى "تطرف" بعض المشاركين فيها من خلال رفعهم للافتات وشعارات مناهضة لكل ما له علاقة بالهوية الإسلامية.

كذلك لا يمكننا أن ننسى خصومه من الجهاديين داخل تركيا وخارجها ممن بدأوا بتجهيز العدة والعتاد للدخول في حرب ضد العضو الجديد المشارك في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، فقد بدأت المناوشات بين الطرفين في الأسابيع الماضية لكنها كانت متقطعة، رغم أن الأتراك يريدونها حربًا شاملة بعد انتهاء الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة منهين بذلك ترتيب بيتهم الداخلي، معتمدين من أجل القضاء على "الدولة الإسلامية" على بنك كبير من المعلومات عنها وعن مقارها وقيادييه، وعلى الجهد الاستخباري الكبير الذي بذلته مخابراتها بتجنيد عملاء داخلها، وبمراقبة الحدود، المناطق التي تسيطر عليها، والإحداثيات التي تزودها بها المعارضة السورية المعتدلة التي تتلقى دعمًا مباشرًا منها ومن الدول الخليجية.

رغم سعيه لإفشال الانتخابات لم يفلح تنظيم الدولة الإسلامية في إقناع عموم الشعب التركي بعدم المشاركة فيها، وذلك عن طريق بثه، قبل أيام من بدء عملية التصويت، فيديو يظهر فيه مقاتلون أتراك ينصحون شعبهم بعدم المشاركة في انتخابات وصفوها "بالشركية" مستدلين بآيات وأحاديث زاعمين أنها تدعم أقوالهم، لكن ورغم ذلك تجاوزت نسبة المشاركين 80% لأن الأتراك باتوا متأكدين منذ أن حصل حزب العدالة والتنمية على الحكم في بداية الألفية الثالثة أن صناديق الاقتراع قد حققت لهم ما عجزت عنه صناديق الذخيرة، حيث أضحت تركيا قوة إقليمية كبرى اقتصاديًا وعسكريًا، وهو ما أراد أن يوصله رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو للعالم في أول كلمة له بعد الفور عندما قال إن"اليوم هو انتصار لا لحزب العدالة والتنمية فقط، بل لتركيا كلها وللديمقراطية".

بالتأكيد ليست هي الديمقراطية التي عناها السيسي بعد انقلابه على رئيس شرعي منتخب وقتل وسجن وشرد وعذب الآلاف بمقتضاها، وليست هي ديمقراطية بشار الأسد، نوري المالكي، حيدر العبادي، وعبد الملك الحوثي الذين خربوا بلدانهم وغيروا تركيباتها السكانية لتنفيذ سياستهم الطائفية والإجرامية التي رسمتها لهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومرجعياتها الشيعية.

ولكن ورغم الماضي والحاضر الزاهر لتركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية يبدو أن المستقبل غامض بسبب المتغيرات في كل من سوريا والعراق، فلقد قطع أردوغان عهدًا أمام شعبه وأمام السوريين القابعين في مخيمات اللاجئين أو في البحار غارقين بأن سوريا المستقبل ستكون بلا بشار ولن يتركها "للمتطرفين"، وستكون سوريا حرة علمانية يختارها عموم السوريين لا الولايات المتحدة الأمريكية ولا روسيا ولا إيران.

في حين بدا لنا كمتابعين للأحداث المتسارعة والقوى المتصارعة في سوريا والعراق أن هاتين القضيتين لن يتم حلهما في مكاتب الأمراء ولا بمداهنة الحكماء، فالحقيقة البادية للعيان أن بشار لن يترك السلطة، ولا تنظيم الدولة الإسلامية خسر الموصل والرقة، ما يعني أن فصول رواية "الدماء السائلة في البلدان الثائرة" مازالت لم تكتمل بعد؛ لأن كل الأبواب موصدة للحل السلمي للأزمتين، كما أن التدخل العسكري الجوي كما سبق وأكد الخبراء لن يغير أي معادلة على الأرض.

في الأشهر الماضية حصل تغيّر واضح في خطابات الحكومة العلنية المتعلقة بلائحة أعدائها، حيث تراجع النظام السوري بقيادة بشار الأسد إلى المرتبة الثالثة، ليحل كل من تنظيم الدولة الإسلامية وحزب العمال الكردستاني على رأس قائمة الأعداء ما يمكن أن يفقد ثقة المكلومين والمشردين اللذين فرشوا شوارع إسطنبول وأنقرة وغيرها من المدن بحثًا عن الأمن والأمان بعد أن هجّرهم الأسد والعبادي وتنظيم الدولة والأكراد إما ببراميلهم وصواريخهم المتفجرة وإما بسياساتهم المفجعة.

في الأخير لا نبالغ إن قلنا إن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، الرئيس الإيراني حسن روحاني، والرئيسين الروسي والسوري كلهم قد ندبوا حظهم ولطموا على خدودهم بعد فوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية المطلقة في البرلمان؛ لأن حلمهم بأن تكون نتائج جولة الانتخابات الجديدة في صالح المعارضة قد تبخر، ما يعني بالضرورة شغور الساحة أمام أحمد داود أوغلو لرسم سياسة بلاده الخارجية والتدخل من أجل حل الأزمة السورية كأولوية محرجًا بذلك الحكومة الروسية "السادية" التي لم تشبع من دماء الشعوب الإسلامية.