شهدت منطقة الشرق الأوسط في السنوات القليلة الماضية نشوب صراعات جديدة وواسعة مع تفكك شامل أو جزئي لدول مثل سوريا والعراق، وهو ما أدى إلى تكهن الكثيرين بدخول لاعبين جدد للفراغات التي خلفها اختفاء تلك الدول بعد أن مثلت مراكز قوى إقليمية يومًا ما، وبالأخص تركيا وإيران اللتين تمتلكان دولة كبيرة ومستقرة بشكل كبير، حيث يتوقع أن تمارسا الدور الأساسي في إعادة ترتيب التوازنات بالمنطقة خلال العقود المقبلة في مقابل تراجع أدوار القوى الأجنبية.

على الرُغم من ذلك، لا يبدو أن النفوذ الجديد الذي ستتحصل عليه كل منهما سيكون متساويًا، حيث تميل الكفة على المدى البعيد لصالح تركيا لأسباب كثيرة رُغم التوسع الكبير للقوة الإيرانية وحلفائها على الأرض، أبرزها بالطبع تمتع تركيا بمستوى تنمية اقتصادية هو الأعلى في المنطقة، واندماجها الكامل في المنظومة العالمية على العكس من الاقتصاد الإيراني الذي سيحتاج لسنوات بعد انفتاحه المنتظر لتحقيق نفس التقدم، غير أن واحدة من الملفات التي ستعطي تركيا الأفضلية مستقبلًا، ولا تحظى بنفس الاهتمام هي ملف اللاجئين، والذي يمر الآن بفرصة ذهبية بعد انتصار العدالة والتنمية.

هل تركيا بلد هجرة؟

شهد الشرق الأوسط في السنوات الماضية أكبر عملية نزوح بشري منذ الحرب العالمية الثانية، كما شهد العالم بشكل واسع نزوح حوالي 60 مليون شخص نتيجة الصراعات المختلفة فيه، وهو الرقم الأكبر في التاريخ الحديث كله، والبلد الذي فتح أبوابه لمختلف الجنسيات بالفعل أكثر من سواه طوال تلك الفترة كان تركيا، التي كانت تضم حوالي 234،000 مهاجر فقط عام 2000، ليتضاعف الرقم إلى 776،000 عام 2011، ثم يعبر حاجز المليون بعد وصول مليوني سوري على الأقل عقب اندلاع الصراع السوري.

تضم تركيا حاليًا حوالي أربعة ملايين شخص مولود خارجها، أي ما يصل لـ5% من تعدادها السكاني، وهي نسبة كبيرة وإن ظلت أقل من البلدان المفتوحة للهجرة بطبيعتها مثل أستراليا (25%) والولايات المتحدة (15%)، غير أن تركيا البالغة مساحتها حوالي ضعف مساحة ألمانيا وبنفس التعداد السكاني تقريبًا، تمتلك المساحة والإمكانيات الكافية، وربما الحاجة الاقتصادية في المستقبل، للإبقاء على هؤلاء كركيزة ديمغرافية جديدة وعاملًا يعزز من نموها الاقتصادي المتباطئ مؤخرًا.

حتى الآن ليس واضحًا ما إذا كانت تركيا ثقافة وشعبًا مستعدة لتحوّل يفتح الباب ولو نسبيًا لاستقبال مجتمع من المهاجرين، أو لتصبح حتى هي نفسها مجتمعًا من المهاجرين، كما يقول فرانك دوفِل من مركز دراسات الهجرة والسياسات والمجتمع بجامعة أوكسفورد، فالإرث الجمهوري المنغلق الذي عزل تركيا عن العالم يبدو في طريقه للتلاشي بعد سنوات حزب العدالة والتنمية في الحكم، والذي أرسل إشارات بتفكيك القواعد الإثنية للمواطنة التركية في ميثاقه بوقت مبكرة من هذا العام، وهو أمر قد لا يكون حلًا فقط للأزمة الكردية، بل وإذانًا بعودة تركيا لما كانت عليه أصلًا في قرون مضت.

على مدار قرون طويلة قبل القرن العشرين، كانت الإمبراطورية العثمانية تعمل وفق نظام فضفاض لم ينطوي على أية ركائز إثنية، واستند بالأساس للتعريفات الدينية التي جعلت المسلمين السنة بكافة أطيافهم عماد الدولة الرئيسي، إلى جانب سياسة منفتحة على كافة أشكال المسيحيين واليهود تحت نظام "المِلة" أو الذمة، وهو ما أتاح لإسطنبول أن تصبح واحدة من أكثر مدن العالم تعددية، وخلق تنوعًا يُقال أنه وصل إلى وجود صحف بأكثر من ثلاثمائة لغة في القسطنطينية أثناء القرن التاسع عشر، حتى انتهى كل ذلك مع الحرب العالمية الأولى والصدمة التي عاشها الأتراك بخسارة أراضيهم لدعاوى قومية يونانية وأرمنية وكردية.

صورة لإسطنبول من أواسط القرن الماضي التقطتها عدسة المصور الشهير أرا گولر

كان رد الفعل كما نعرف هو تدشين هوية قومية وعرقية تركية مفرطة في نقائها وتطرفها وانعزاليتها، أدت لنشوب الإشكالية الكردية والباقية حتى اليوم، علاوة على مذابح الأرمن، ثم التبادل السكاني بمئات الآلاف بين تركيا من ناحية، والأرمن واليونانيين واليهود من ناحية مع البلدان المجاورة، لتفقد تركيا رويدًا "الموازييك" الثقافي الذي ميزها يومًا، وتتضاءل اللغات المستخدمة في إسطنبول إلى أقل من عشرة، وكأن المدينة الملونة قد أصبحت فجأة بالأبيض والأسود خلال القرن الماضي، كما يتحدث دومًا الروائي التركي الشهير أورهان باموق، وكأن سحب التلوث الصناعي السوداء قد أتت لتغطي على ألوان الآثار العثمانية كأنها مجازًا تحقيق لرؤية الأتراك عن أنفسهم.

بانفتاح اقتصادي حتمي في نهاية الثمانينيات، وصعود للحركة الإسلامية خلال التسعينيات وما بعدها، بدا أن الكثير في طريقه للتغيّر، حتى وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002، وبدأت إعادة النظر للتاريخ العثماني بشكل إيجابي، ثم انفتاح ثقافي أكبر على المحيط الإقليمي لتركيا بدأ أولًا بحُجة التواصل مع "أتراك" آسيا الوسطى، وهم الأوزبك والتركمن والقرغز والقازاق الذين يشاركون الأتراك نفس الأصول الإثنية واللغوية وتحرروا من سطوة السوفييت عام 1990، ثم اتسعت لتشمل غيرهم من المسلمين في سوريا والصومال وميانمار وغيرها، لتصبح تركيا بالفعل بين عامي 2007 و2008 دولة يبلغ الوافدين لها من خارجها أكثر من المهاجرين منها من داخلها.

تركيا وتحولات ديمغرافية منتظرة

تضم تركيا اليوم حوالي 2.2 مليون لاجئ سوري، و400،000 لاجئ عراقي، و100،000 لاجئ أفغاني، علاوة على ما يفوق المليون من الحاصلين على الإقامات من 176 بلدًا مختلفًا، من بلغاريا وأذربيجان واليونان وإيران ومقدونا ونيجيريا وحتى ألمانيا، والذين تتراوح أسباب وجودهم من ريادتهم للأعمال وحتى عملهم بشكل غير قانوني هربًا من بلدانهم الأصلية الأكثر فقرًا، وهو أمر بادي في ظواهر عدة مثل هيمنة اللغة العربية على أحياء معينة في إسطنبول وإزمير وعنتاب بشكل غير مسبوق منذ الفترة العثمانية، وهيمنة الروسية أيضًا في مناطق عدة بولاية أنطاليا، معقل القادمين من آسيا الوسطى بلغة روسية هي الرسمية وإن لم تكن الأم.

في يوليو الماضي، قام العراقيون القاطنون بتركيا بشراء ممتلكات أكثر من أية مجموعة أجنبية أخرى، بما فيها السعوديون والبريطانيون والروس، كما قام السوريون بتدشين ثُلث مبادرات الأعمال التجارية الأجنبية الجديدة، من المخابز والمكتبات وحتى محطات الراديو، وهي تجارة أدت لزيادة الصادرات التركية لسوريا بحوالي ثلاث أضعاف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة رُغم الصراع الجاري.

علاوة على ذلك، وعلى مستوى الطبقات الوسطى، تعج تركيا الآن بالآلاف من المهنيين كالأطباء والمهندسين وغيرهم، وهو ما قد يساعدها على تشكيل مناطق اقتصادية خاصة في الجنوب الشرقي تستغل فيها تلك الكفاءات العربية في إحداث التنمية المفقودة هناك، الأمر الذي سعزز من قوتها في المناطق الكردية، علاوة على زيادة نموها الاقتصادي الذي انطلق العقد السابق نتيجة صعود المناطق الغربية، وقد يشهد صعودًا مماثلًا خلال هذا العقد من الشرق. 

إحدى المحال السورية بولاية مرسين الجنوبية في تركيا

ليس غريبًا إذن إعلان بلدية أنقرة الأسبوع الماضي عن وضع خطة "لأماكن جديدة للاجئين،" وتأسيس هيئة عامة لإدارة الهجرة منذ عام لتخطيط جهود الحكومة فيما يخص ملف اللاجئين، والذين يستحيل الإبقاء عليهم في المخيمات كما يعرف الجميع، إذ تضم المخيمات الآن 10% فقط من المليوني سوري، بينما يتحرك ما يزيد عن مليون ونصف بطول تركيا وعرضها بحثًا عن لقمة العيش، وربما تتحرك الإدارات المحلية والوطنية التركية بحثًا عنه هو الآخر لتعزيز اقتصادها.

المشكلة الرئيسية في خضم تلك التحولات كانت ولا تزال القيود التقليدية المفروضة داخل تركيا على اللاجئين غير الأوروبيين، والذين لا يسمح لهم بالعمل، ويحق للدولة ترحيلهم وقتما شاءت، وهو أمر تعلم كافة الأطراف أنه شبه مستحيل، بينما يستحيل أيضًا بقاء تلك الأعداد دون عمل أو سكن، وتلك المعضلة هي التي ترتكز لها المفاوضات الآن مع أوروبا، حيث تحاول الأخيرة دفع تركيا لتبني قوانين جديدة تتيح للسوريين العمل، بينما تطلب تركيا في المقابل دعمًا اقتصاديًا لتحقيق ذلك نتيجة معاناتها أصلًا من معدلات بطالة ليست بقليلة مقارنة بأوروبا، وحرية حركة لمواطنيها داخل أوروبا كما جاء بزيارة مركل الأخيرة لإسطنبول.

"على تركيا أن تتقبل كونها فعليًا بلدًا للهجرة اليوم، وهو أمر سينطوي على ضمان حق العمل والسكن وتلقي الخدمات لهؤلاء الناس، ووضع خطة لدمجهم.. وهو أمر قد تساعد فيه الدول التي فتحت باب الهجرة قبل تركيا في أوروبا مثل ألمانيا والسويد، عن طريق تقديم الاستشارات بل وربما تخطيط سياسات معينة،" هكذا يقول فرانك دوفِل، وهو أمر قد يحدث انقلابًا اقتصاديًا، إيجابيًا وسلبيًا في آن، بنمو جديد من ناحية، وسخط بين الأتراك الذين سيجدون منافسًا لهم على وظائفهم من ناحية، كما أن التحولات الثقافية لن تكون هينة، والتي بدأت بالفعل بطرح اللغة العربية كلغة أجنبية في المدارس.

سياسات عثمانية؟

لطالما تحدث محللون كثر عن تحول عثماني في تركيا تحت قيادة حزب العدالة والتنمية، وقد انصبت التحليلات على رمزية عودة تركيا للعب دورها التاريخي بالشرق الأوسط، أو وصول أشخاص ذوي خلفية فكرية إسلامية للسلطة، غير أن الواقع على الأرض هو أن ما تحتاجه تركيا بالفعل من إرثها العثماني في هذه اللحظة هو سياساتها الداخلية فيما يخص الثقافة وسوق العمل، وإدارة التحول نحو نظام سياسي واقتصادي متعدد الإثنيات، ليس فقط بسبب وجود الأكراد، بل لأن تركيا ستظل لوقت طويل بابًا للهجرة، وحتى يقع سيناريو من اثنين بعيدين حتى الآن هو أن تهدأ نيران الحرب في المشرق أو يُحدِث بلد آخر مثل مصر معجزة اقتصادية تفتح باب الهجرة له، وحتى في تلك الحالات فقد تظل تركيا بحاجة لسياسة هجرة مفتوحة.

تقول التقديرات حاليًا أن أربعة من كل خمسة سوريين سيبقى في تركيا حتى بعد إعادة إعمار سوريا، لأسباب مركبة وطبيعية في الحقيقة كاستقراره بعمله هناك أو زواجه من تركية أو تخوفه من هبوط مستواه المعيشي في سوريا وغيرها، وفقما يقوله مراد أردوغان مدير مركز بحوث الهجرة والسياسة بجامعة حاجت تِبِه، والذي يرى أن امتحان دمجهم في تركيا سيكون الامتحان العثماني الأصعب للعدالة والتنمية من ناحية، وللشعب التركي كله الذي عبر عن ميله مرارًا وتكرارًا على مدار السنوات الماضية للانفتاح على الإرث العثماني كجزء من هويته وتاريخ دولته.

تباعًا، يمثل فوز العدالة والتنمية فرصة ذهبية لتحقيق التحول المطلوب ببرلمان وحكومة مستقرين سيدومان أربع سنوات، لأن تركيا بالفعل ستستفيد كثيرًا من استيعابها للاجئين على المدى البعيد، بما في ذلك من تعزيز لاقتصادها أولًا، وإثراء ثقافتها ثانيًا بشكل يحقق التحول الذي يريده العدالة والتنمية نفسه، وثالثًا لأنها ستنتزع مقابلًا جيدًا جدًا من جانب الاتحاد الأوروبي كما ذكرنا في مقابل موافقتها على تعديل سياساتها الجمهورية القديمة، والذي غمره اللاجئون حين فتحت لهم تركيا باب المرور بشكل يفوق قدرته على استيعابهم.

رابعًا والأهم على المستوى الاستراتيجي، هو أن الروابط الديمغرافية ستتسع وتزداد بقوة بين تركيا وسوريا بشكل يجعلها منتصرًا في الساحة السورية على المدى البعيد وإن بدا أن إيران قد رسخت وجودها العسكري، وهو ما يذكرنا ربما بما حصل في الحرب العالمية الثانية، حين قررت روسيا تهجير البولنديين نحو الأراضي الألمانية بشكل ظنت معه أنها تؤمن لنفسها عمقًا استراتيجيًا داخل أوروبا، لتجد اليوم أن بولندا الجديدة المتداخلة بشكل قوي مع ألمانيا أصبحت جزءًا من رصيد ألمانيا على الساحة الأوروبية، ورأس حربة بوجه التدخل الروسي في الشرق، وهو ما يبدو في طريقه للحدوث على مدار العقود المقبلة بين تركيا وسوريا.

بحكومة رابعة للعدالة والتنمية ينتظر منها أن تعيد البلاد لخط النمو والاستقرار بعد ثلاثة أشهر مضت من الحديث عن احتمالية حكومة ائتلافية وتراجع اقتصادي، قد يكون تحسن الأداء الاقتصادي كافيًا للحزب الحاكم للحفاظ على قواعد ناخبيه، في نفس الوقت الذي يتيح له تمرير قوانين جديدة تستوعب الوضع الديمغرافي "العثماني" الجديد إن جاز القول، ويتيح له أيضًا فتح باب الحوار حول الدستور الجديد، وبالنظر لتراجع غير مسبوق للقوميين، وحتمية الحوار لحل الإشكالية الكردية، قد تشهد السنوات الأربع أو الثماني المقبلة بالفعل اكتمال التحول نحو تركيا الجديدة أو ما بعد الجمهورية، على المستويين الداخلي والخارجي.

 

هذا المقال يحتوي على معلومات وردت بـتحليل منشور في فورين أفيرز ويقتبس منه عنوانه