بوتن والسيسي

بات من شبه المؤكد داخل دوائر القرار الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة البريطانية وغيرها من الدول الأوروبية أن الطائرة المدنية الروسية قد تعرضت لهجوم إرهابي في سماء محافظة سيناء المصرية، أدى إلى سقوطها مخلفًا أكثر من 200 قتيل.

ففي اليومين الأولين للحادثة وجهت كل من مصر وروسيا وسائل إعلامها العامة والخاصة لتفنيد دعاوى بعض وسائل الإعلام الأجنبية، التي نقلت عن مصادر استخبارية وعسكرية أمريكية وبريطانية رفيعة المستوى تأكيدها على أن قنبلة كانت وراء تدمير الطائرة الروسية، وفقًا لمعلومات استخباراتية قوية جدًا ومقنعة، رافضين الكشف عنها بسبب سرية التحقيقات المتواصلة وحساسية الموضوع.

في اليوم الأول للحادثة ظلت معظم وسائل الإعلام العربية والأجنبية تنقل خبر سقوط الطائرة مكتفين بالتعليق السريع على الحادثة، منتقدين في الوقت نفسه تضارب أقوال الجهات الرسمية في مصر وروسيا خاصة مع ندرة تصريحاتهم لوكالات الأنباء والصحافة العالمية في الساعات الأولى للحادثة، فمرة ينفون سقوط الطائرة وأخرى يزعمون مغادرتها للمجال الجوي المصري وصولًا في الأخير إلى تأكيد اختفاءها من على شاشات الرادار.

بعد 24 ساعة من الحادثة، وتحديدًا يوم الأحد 1 من نوفمبر الحالي كتبنا مقالًا نشره موقع نون بوست بعنوان "الصندوق الأسود للطائرة الروسية بيد تنظيم الدولة"؛ تناولنا فيه حادثة سقوط الطائرة وما تلاها من تطورات وأحداث من عدة زوايا ونقلنا أقوال الجهات الرسمية المعنية بالحادثة، دون أن ننسى الإشارة إلى بيان تنظيم الدولة الإسلامية الذي أعلن فيه عن تبنيه لإسقاط الطائرة مكتفيًا بالإعلان فقط دون إضافة أية تفاصيل عن الحادثة.

في ذلك اليوم راسلت موقعًا إخباريًا كبيرًا مقترحًا عليه نشر المقال المتعلق بالحادثة لكنهم اعتذروا عن النشر بسبب حساسية الموضوع وعدم وضوح الرؤية إلى حد تلك المراسلة بيننا، لكن وبعد ساعات، تواترت الأقوال والتسريبات من المختصين، الخبراء، الأمنيين، الجهات المخابراتية، وصولًا إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مجمعة على أن الطائرة تعرضت لهجوم إرهابي بواسطة قنبلة زُرعت بداخلها، ولكن تحديد مكان الزرع وطريقة إدخالها إليها يبقى مهمة تتطلب وقتًا أكبر للمحققين المصريين والروسيين المتواجدين في مكان الحادثة.

لم نستبعد في مقالنا المذكور فرضية أن يكون تنظيم الدولة الجهة المنفذة للعملية لثلاثة أسباب رئيسية؛ أولها امتلاكه لمقومات إسقاط طائرة مدنية لحيازته أسلحة مضادة للطائرات من بينها صواريخ "إيغلا 9k38" الروسية، وثانيها صدق ادعاءات ولاية سيناء في أكثر من حادثة سبق وأن أعلنت عنها ضمن عملياتها ضد القوات المصرية، مع توثيقها ثم تنزيلها على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا السياق قال أستاذ العلوم الإسلامية والفكر العربي في جامعة تولوز الفرنسية، والخبير في شؤون الجماعات الإسلامية ماتيو غيدير إن "التبني يتمتع بمصداقية لأن فرع الدولة الإسلامية في مصر لم يكذب يومًا في شأن ما يقوم به، على غرار تنظيم الدولة الإسلامية عمومًا".

ثالثًا، لا يمكن لأي متابع لتطورات الأحداث في المنطقة ألا يشك في أي لحظة ألا يكون لتنظيم الدولة يد خلف هذه الحادثة، خاصة وأن المستهدفين روس ودولتهم تقتل جنوده في سوريا وتدمر دولته، فلزم أن تكون العملية ثأرًا.

كما سبق وأن تساءلنا في المقال المُشار إليه، هل كان من عادة التنظيم أن يقوم بتبني عملياته بـ8 لغات في مقابل تخبط وتأخر في الإعلان الرسمي من قِبل الجهات المصرية والروسية عن حقيقة اختفاء الطائرة؟

لم نجزم في مقالنا السابق أن تنظيم الدولة الإسلامية كان الجهة المنفذة لعملية إسقاط الطائرة لأننا لا نملك الأدلة الكافية على ذلك، لكننا اكتفينا بنقل الروايات الرسمية والتفاعلات وبعض المعلومات المتاحة التي ملأت المواقع الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي، وطرحنا أسئلة عديدة متعلقة ببعض التفاصيل المهمة التي ربما أهملها كثيرون والتي يبقى من أبرزها ما نقلته إذاعة النمسا، عن مصادر في المراقبة الجوية الإسرائيلية في الساعات الأولى للحادثة، من أن الطائرة الروسية سقطت جرّاء إصابتها بصاروخ من وسط سيناء قبل تبني الدولة الإسلامية للعملية.

أمام كل هذه المعطيات والكم الهائل من المقالات والتصريحات في اليوم الأول للعملية، وقلة المعلومات المتوفرة وتكتم المصادر الرسمية على تفاصيل الحادثة، بالإضافة إلى دخول الدولة الإسلامية على الخط جعلنا نترك كل الاحتمالات مفتوحة مرجحين في الأخير بقاء الصندوق الأسود الفعلي في يد جهازه الإعلامي، ليثبت صحة ادعاءاتها بصور أو فيديو موثق للعملية كما هي عادته في هجماته على قوات الأمن والجيش المصريين، والتي تبدو أقل تأثيرًا على الساحة الدولية من هذه الفاجعة والصدمة الكبرى للعالم بأسره، والذي تساءل كيف لتنظيم صحراوي جبلي أن يسقط طائرة مدنية في منطقة سيناء؟

كانت الأخبار شحيحة في اليومين الأولين رغم عشرات الآلاف من التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي وآلاف الأخبار المتعلقة بالموضوع والتي كانت متشابهة كلها، ولكن وبعد أربعة أيام من الجدل، وضع تنظيم الدولة العالم كله أمام خيارين لا ثالث لهما إما أن تعلنوا أننا من أسقطنا الطائرة وتعترفوا بقوتنا وهزيمتكم، وإما أن نحرق أعصابكم ونسفه أقوالكم ورواياتكم عندما نقرر نحن ذلك.

ففي يوم الأربعاء الماضي نشرت صفحات لمؤيدي الجماعة كلمة صوتية للمسؤول العام لولاية سيناء أبو أسامة المصري بعنوان "نحن من أسقطها فموتوا بغيظكم" ومدتها ثلاث دقائق و47 ثانية أعلن فيها عن وقوفهم وراء العملية متوعدًا أعداءه وواعدًا أنصاره بالإفصاح عن "آلية" تحطم طائرة الركاب الروسية في الوقت المناسب، مستنكرًا تكذيب الجهات الرسمية لتبني التنظيم للعملية حيث جاء في التسجيل "نقول للمكذبين المشككين المستهجنين موتوا بغيظكم نحن بفضل الله من أسقطها ولسنا مجبرين عن الإفصاح عن آلية سقوطها"، وأضاف، "هاتوا حطام الطائرة، فتشوا واحضروا صندوقكم الأسود وحللوا، اخرجوا علينا بخلاصة أبحاثكم وعصارة خبرتكم واثبتوا أننا لم نسقطها أو كيف سقطت، نحن بفضل الله من أسقطها وسنفصح عن آلية سقوطها في الوقت الذي نريده وبالشكل الذي نراه."

أصبح مؤكدًا أن تنظيم الدولة الإسلامية كان وراء عملية إسقاط طائرة الركاب الروسية ولكن كيفية ذلك تبدو إلى الآن مجهولة، رغم اتفاق الخبراء والسياسيين وغيرهم من أهل الاختصاص بأن قنبلة تسببت في ذلك، بالإضافة إلى إصرار شركة متروجيت الروسية للطيران على أن وحده "عملًا خارجيًا" كان سبب تحطم الطائرة.

الحادثة المفجعة كانت اختراقًا استخباريًا كبيرًا، تمكن من خلاله التنظيم من معرفة توقيت الرحلة، موعد انطلاقها، مجال عبورها، والعدد الكلي للركاب، فقبل أن تعلن وسائل الإعلام والحكومة المصرية رسميًا عن العدد التقريبي للضحايا جاء في بيان "الدولة" أن أكثر من 220 راكبًا لقوا مصرعهم جرّاء هذا الحادث الذي كان توقيته رمزيًا ومقصودًا، فقد قال القائد الأعلى لولاية سيناء، أبو أسامة المصري، في الكلمة المشار إليها آنفًا "هل لاحظتم أنها سقطت في اليوم الـ17 من شهر الله المحرم، هل تدرون أن هذا اليوم هو الموافق ليوم بيعتنا لخليفة المسلمين".

لقد نجح تنظيم الدولة كمًا وكيفًا في عمليته الأخيرة؛ فقد قتل كمًا أكثر من 200 روسي وقضى كيفًا على السياحة المصرية التي تدر حوالي 6 مليارات دولار سنويًا على ميزانية الدولة، مساهمة بذلك بنسبة 11.3% من الناتج المحلي الإجمالي، كما جلبت حوالي 14.4% من دخلها من العملة الأجنبية في 2014.

فبعد هذه الحادثة بدأ السياح الأجانب بالمغادرة تواليًا؛ فقد أعلنت الوكالة الفيدرالية الروسية المكلفة بالنقل الجوي أن موسكو بدأت السبت 7 نوفمبر بإرسال 44 طائرة فارغة إلى مصر لنقل السياح الموجودين هناك، والذين يصل عددهم إلى حوالي 78 ألف سائح روسي، حسب إحصاءات للوكالة الفيدرالية الروسية للسياحة، كذلك من جانبها بدأت بريطانيا تأمين عودة سياحها الذين يُقدر عددهم بـ20 ألف سائح بريطاني يمضون عطلة في منتجع شرم الشيخ، كما قالت إيرينا تيورينا، المتحدثة باسم اتحاد صناعة السياحة الروسي، إن عدد إجمالي الرحلات المحجوزة في يوم الحادث انخفض بنسبة 50%، وفقًا لوكالة إنترفاكس للأنباء.

هذه الأحداث المتسارعة والإجراءات العاجلة التي قامت بها عدة دول لإجلاء سياحها وتحذير مواطنيها من السفر إلى منطقة شرم الشيخ دون مبرر لذلك، بالإضافة إلى إعلان شركات طيران عالمية على غرار لوفتهانزا الألمانية وإير فرانس الفرنسية وشركات الطيران الإماراتية الأربع فلاي دبي، طيران الإمارات، الاتحاد، والعربية للطيران، تغيير مسارات رحلاتها لتحاشي الطيران فوق شبه جزيرة سيناء المصرية تنسف تمامًا رواية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مقابلته التي أجرتها معه بي بي سي، حيث وصف ادعاء التنظيم إسقاطه للطائرة بأنه "محض دعاية تهدف إلى الإضرار بسمعة مصر وأنه من السابق لأوانه التكهن بأسباب الحادث، مؤكدًا كما هي عادته في كل مرة أن "الموقف في سيناء، والمنطقة التي وقع فيها الحادث على وجه التحديد، تحت السيطرة الكلية".

لقد باتت الدولة الإسلامية تستخدم أسلوب الصدمة والمفاجأة، ويذهب محللون إلى أنه كلما استغرق الأمر وقتًا أطول لتحديد سبب تحطم الطائرة، كلما استفاد تنظيم الدولة من دعايته في ادعائه إسقاط الطائرة، فقد اعتبر الخبير في مركز بروكينغز لسياسات الشرق الأوسط، إتش. أي. هيليار، تبني العملية بمثابة "انتصار مؤقت للتنظيم بعد تصدره النقاش العام حول إسقاط الطائرة لمدة من الوقت".

الحرب الإعلامية على أشدها وقد كسب تنظيم الدولة جولات وجولات فيها ولا يزال يرغب في كسب أخرى، لهذا استغل الحدث كعادته وأظهر جانبًا من فرح "رعيته" بإسقاط الطائرة، فقد نشر جناحه الإعلامي الخاص، متمثلًا في مكتبي نينوى وحلب تسجيلين مرئيين يظهر في الأول منهما مقاتلون يهنئون زملاءهم في مصر بإعلان المسؤولية عن تحطم الطائرة ويتوعدون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بهجمات أقسى، ثم قاموا بعد ذلك بتوزيع الحلوى فرحًا بالمناسبة.

إن للجنرال السابق والقائد العام للقوات المسلحة المصرية ورئيس الجمهورية الحالية بالانقلاب يد في الأوضاع التي آلت إليها مصر عامة ومنطقة سيناء خاصة؛ بسبب سياساته الفاشلة وتدميره للحواضن الشعبية لسلطته فيها بعد أن قتل وهجّر واعتقل سكانها ودمر منازلهم حتى أضحت سيناء جحيمًا للجيش والأمن المصريين على الأرض ومصدر تهديد في الجو، حتى أن صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نشرت تقريرًا لإيرين كاننغهام، جاء فيه تحذير الإدارة الفيدرالية للطيران المدني في الولايات المتحدة للطائرات الأمريكية من الطيران فوق سيناء بسبب المخاطر من المتطرفين، بحسب ما قاله جيمس ريكورد، الطيار وأستاذ الطيران في جامعة داولنغ كوليج في نيويورك، والذي أضاف أن التحذير الأخير من الإدارة "نصح الطائرات بالتحليق على ارتفاع 26 ألف قدم على الأقل فوق سيناء؛ للبقاء خارج مدى الأسلحة المضادة للطائرات".

هكذا اختار الجهاديون كتابة فصل جديد من رواية "دموية القرن الواحد والعشرين" عنوانه "الدموية بعد تدخل الروس في سوريا" جاء فيه أن الحرب لن تضع أوزارها وستزيد في دمارها للمنطقة العربية وقد بدأ هذا الدمار بعد أيام من تبني "ولاية سيناء" رسميًا للعملية، عندما قام سرب من الطائرات الروسية المقاتلة بارتكاب مجازر جديدة في سوريا، سقط جرّاءها عشرات القتلى والجرحى من المدنيين العزل بينهم أطفال ونساء، كان آخرها مجزرتي مدينتي البوكمال في محافظة دير الزور السورية ودوما المنكوبة في ريف دمشق، والتي خلفت أكثر من 100 قتيل ومئات الجرحى.

صحيح أن الصندوقين الأسودين للطائرة المنكوبة قد عُثر عليهما وحللت بياناتهما التي أكدت بما لا يدع مجالًا للشك تعرضها لحادث إرهابي بسبب انفجار داخلي، لكن القنبلة وطريقة إدخالها إلى الطائرة وعملية تفجيرها وغيرها من الحقائق الهامة تبقى حبيسة الصندوق الأسود الخاص بتنظيم الدولة الإسلامية، الذي لا يعلم أحد منا متى يُفتح وتخرج بياناته للعالم من أجل اكتشاف الحقيقة لأن بعض وسائل الإعلام العالمية قد سبقت الأحداث وبدأت تبحث في تاريخ صانعي المتفجرات الأشهر لدى القاعدة، وقد ظفرت بأحدهم ونسجت من سيرته وأخباره فرضيات يمكن أن تصح بنسبة1%.

بل ذهبت أبعد من ذلك عندما أكدت وجود تعاون بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة في التخطيط والتحضير للعملية بعد كلمة الظواهري الأخيرة، والتي اتفق الطرفان على إثرها بتنفيذ هذه العملية، التي نجحت بعد تسريب حقيبة تحوي مادة متفجرة داخل الطائرة من نوع "المتفجرات المجهرية" التي ارتبط اسمها بإبراهيم العسيري مهندس تنظيم القاعدة في اليمن، الذي يمكن أن يكون وراء تصنيعها وإرسالها إلى الجهاديين في سيناء عبر إخفائها في أكياس السيليكون، التي عبّرت الاستخبارات المركزية الأمريكية عن قلقها تجاه احتمال استخدام هذا النوع من السيليكون الذي يُستعمل في الجراحات التجميلية لإخفاء متفجرات لا يمكن اكتشافها في المطارات العربية لأن "ماسحات الأجسام" تُستخدم في المطارات الأوروبية، ولكنها نادرًا ما تُستخدم في العالم العربي، وشرم الشيخ ليست استثناءً.

إن سكوت تنظيم الدولة الإسلامية لأيام عن ذكر الحادثة واكتفاءه ببيان مكتوب منتظرًا نتائج ما ستسفر عنه تحقيقات الروس والمصريين، ثم الخروج بكلمة تتحدى هذه التحقيقات يظهر للمتابعين أننا نتعامل مع محترفين سيستغلون الفترة القادمة لكي يقف النظام الدولي صاغرًا ليستمع أو يشاهد ما قد تبثه ولاية سيناء بشأن الطائرة، سيما أنهم يخشون من استخدام تقنية جديدة، فهذه ليست العملية الوحيدة التي تثير قلق الاستخبارات الغربية، خاصة وأن ثمة عمليات أخرى مشابهة لم تتوصل التحقيقات فيها إلى نتائج حاسمة، أبرزها ما قام به الجهاديون الشيشان من تفجير طائرتين في ليلة واحدة ولم تُعرف الآلية التي تبنوها في تنفيذ العملية، وينطبق الأمر ذاته على طائرة لوكيربي الشهيرة.

في الأخير يمكننا القول إن الأدلة الشرعية من الطائرة إذا أكَدت أنَ فرع تنظيم الدولة هو الذي خطَط للهجوم ونفذه، سيشكل بداية فصل جديد وخطير في تطور الجماعة، وسيُغير حتمًا من الحسابات الإستراتيجية لموسكو وواشنطن اللتان تحاربان الجماعة في كل من سوريا والعراق.

فمتى يفتح التنظيم صندوقه الأسود؟