محاكمة مرسي تستدرج الشعب المصري للوقوع في شرك طغيان جديد

لابد أن المصريين يعانون من إرهاق المحاكمات الرئاسية. ففي أقل من ثلاثة أعوام جرى حبس رئيسين عرضا أمام المحكمة بتهم تتعلق باستخدام العنف ضد المتظاهرين. 

كان حسني مبارك محظوظاً نسبياً، وهو الذي حكم بشكل مستبد لثلاثين عاماً إلى أن أطاحت به ثورة يناير ٢٠١١. فهو الآن ينتظر المحاكمة بعد أن أبطلت محكمة عليا الإدانة الصادرة بحقه. لم يعد محبوساً، وإنما تحت الإقامة الجبرية، بل لعله يحظى بالبراءة أيضاً. 

أما محمد مرسي، الرئيس الإسلامي المنتخب، والذي مثل أمام المحكمة للمرة الأولى يوم الإثنين (وتم تأجيل محاكمته إلى يناير - كانون ثاني - القادم)، فلن يكون محظوظاً جداً. من المتوقع أن يلقى معاملة قاسية على أيدي العدالة المصرية الانتقائية. 

منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بالسيد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، في يوليو (تموز)، يجتاح مصر مزاج غريب يثني يصفق للقمع الذي يتعرض له الإسلاميون ويحتفل بالشرطة، وهي نفس القوات الأمنية من زمن السيد مبارك، ويحتفي بشكل خاص بعبد الفتاح السيسي، الجنرال الذي قاد الانقلاب ضد الإسلاميين. 

كل من له علاقة بالإخوان المسلمين بات ينعت بالإرهاب وبالخيانة بينما غدا أفراد الأجهزة الأمنية أبطالاً. 

القضية التي يحاكم بسببها السيد مرسي تتعلق بالأحداث المأساوية التي وقعت في ديسمبر (كانون الثاني) ٢٠١٢ أمام قصر الاتحادية الرئاسي، حيث قتل عشرة من المدنيين وتعرض آخرون للتعذيب خلال مظاهرة نظمت للاحتجاج على مشروع الدستور المنحاز للإسلاميين والذي كان يراد له أن يمرر على عجل. 

استنفر الإخوان المسلمون أنصارهم لفض المظاهرة، وزعم حينها أنهم انهالوا على المعارضين بالضرب. نجم عن الصدامات وقوع قتلى في الطرفين. 

ما من شك في أن المسؤولين عن جرائم القتل ينبغي أن يحاكموا. إلا أن طرفاً واحداً هو الذي تم تعقبه في هذه الحالة. يقول نشطاء حقوق الإنسان بأنه لم توجه تهم لأي شخص بقتل المتظاهرين الإسلاميين في ذلك اليوم، بينما يجلب السيد مرسي وأربعة عشر آخرين إلى فقص الاتهام. 

يزداد التمييز فظاعة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الألف شخص أو يزيدون الذين قتلوا منذ الانقلاب الشعبي في يونيو (حزيران)، والذين يزعم بأن معظمهم قتلوا على أيدي قوات الأمن أثناء قمعها لأمواج متوالية من احتجاجات الإسلاميين. 

بدلاً من ذلك، قد يكون الاستعراض القضائي القادم قضية مسيسة، إن لم تكن هزلية وسخيفة، ضد السيد مرسي الذي يواجه تهماً منفصلة بتلقي مساعدة من حماس، الحركة الإسلامية الفلسطينية، مكنته من الفرار من السجن هو وآخرون أثناء انتفاضة ٢٠١١ حينما انهار القانون والنظام. 

لدى كثير من المصريين انطباع بأن نصب محاكمات كتلك التي نصبت للسيد مرسي إنما هو علامة على الديمقراطية الوليدة في أكثر أقطار العالم العربي تعداداً للسكان. ويبدون إذ ذاك غافلين عن إدراك أنه في هذا الزمن من الثوران التاريخي، حينما يكون المجتمع المصري غاضباً ومرتبكاً ويسهل التلاعب به، فإنهم يستدرجون للوقوع في شرك حكم استدادي جديد. 

صحيح أن عجز السيد مرسي والفهم القاصر لدى الإسلاميين حول كيفية ممارسة الديمقراطية وكيفية إدارة الاقتصاد يتحملان المسؤولية جزئياً عن المأزق الذي وجد المجتمع نفسه فيه. ومازال الإخوان يفشلون في الاعتراف بعمق الاستياء الذي تسببوا به خلال عام واحد من الحكم.  

ولكن، يستخدم اليوم حكم الإسلاميين لفترة قصيرة جداً لتبرير ليس فقط إقصاء الإخوان وإنما أيضاً الحملة الأوسع ضد المخالفين. ها هو الحكم العسكري يتسلل من جديد، وحينما تعزز قوات الأمن منزوعة المصداقية من نفوذها، فهناك علامات لا تخطئها العين على أن نظاماً غير متسامح آخذ في الهيمنة. 

لا يحتاج المصريون أكثر من أن يتأملوا في قصة الفنان الساخر باسم يوسف الذي ألغي برنامجه التلفزيوني بعد أن عرض حلقة هجا فيها السلطات وسخر من الذين يتزلفون الفريق السيسي. 

تكمن مأساة محاكمة مرسي من وجهة نظر المدافعين عن حقوق الإنسان في أن قضية الاتحادية، لو تم التعامل معها بإنصاف، لكانت نموذجاً للمحاسبة والاستقلال القضائي في عهد ما بعد ثورة مصر. ولكن، وبدلاً عن ذلك، سوف ينظر إليها على أنها جزء من الإساءة للعدالة وتأكيد على أن مصر تتحرك في الاتجاه الخاطئ. 

مترجم من الفايننشال تايمز